الدعوة إلي العامية انتكاس في الجهالة و جناية على القومية
الأستاذ الدكتور عباس حسن
لست أعرف دعوة أثيمة أبعد من الحق ، و أوغل في الباطل، و أجلب للخطر و الضرر على البلاد العربية، من الدعوة إلى الإلحاد اللغوي، و المروق من حدود الفصحي، و العبث بمقدساتها.
إنها دعوة قديمة جديدة، تظهر حينا، و تختفي حينا، على حسب ما يتاح لها من جو ملائم، و فرصة مهيأة، لنفث سمومها، و نشر جراثيمها، و لست الآن بصدد تبيان الأسباب و الدواعي القديمة التي حفزت إليها و دفعت بعض المضللين أو المخدوعين إلى إعلانها في أوقات يتخيرونها.
أما الدعاة اليوم فهم أحد رجلين: إما حاقد عليها ساخط على أهلها – لأسباب تاريخية – و هذا لا خير في مجادلته، و لا غاية ترجى من وراء إرشاده إلا أن يبرأ صدره من الأضغان، و ينقى من الشوائب. و أما رجل قصرت به ثقافته عن التحصيل اللغوي المحمود، و عجزت مواهبه عن تدارك ما فاته، ثم هو – إلى ذلك النقص و التقصير طموح، واسع الأمل، فسيح المطامع، ولكنه يرى أن لا سبيل إلى تحقيق مطامحه و مطامعه إلا على جسر متين من الكفاية اللغوية، و المقدرة الأدبية، و ما له إليهما من سبيل، فما عسى أن يفعل في موقف كهذا، يجتمع فيه الطموح الأوسع مع العجز الأكمل، و يتلاقي فيه الأمل المنبسط مع الوسيلة المقصرة؟
لا مخلص من هذا كله إلا بذم اللغة، و اتهامها بالإساءة الذاتية، و إلقاء التبعة عليها، تلمسا للمعاذير الكاذبة، على أن يكون فيها شفاء النفس من بعض ما تعانيه، و ما أخطره دواء هو بالداء أشبه، و بالمريض أقتل!!
على أني أريد أن أحمل نفسي على حسن الظن بأصحاب هذه الدعوة، و أقهرها على التماس العذر لهم، متسللا من ذلك إلى نقاش هادىء، و جدل كريم أسائلهم فيه عسى أن أجد منهم مجيبا:
(ا) ما العامية التي تدعون إلى اصطناعها بدلا من الفصحى؟ أعامية الصعيد في مصر، أم عامية الوجه البحري؟ أيهما ندع أو نختار؟ و إذا قلتم إنهما متشابهتان أو متقاربتان فما عسى أن تقولوا في عامية السودان و بلاد المغرب، و هى عاميات نسمعها فلا نكاد نفهم منها قليلا و لا كثيرا؟ و ما ذا نصنع بعامية الشام، و لبنان، و اليمن، و العراق، و أخواتها؟ أنصطنع هذه العاميات جميعا أم نتخير منها واحدة لنفرضها على سواها؟ و ما مقياس الإيثار و الترك؟ لا شك أن اختيارها جميعا عناءيهون دونه كل عناء، و ضرب من الهذر لا يقول به عاقل، و اختيار واحدة دون الأخرى – إن أمكن تحقيقه – لن يتم الانتفاع به إلا بضبط حدوده، و وضع قواعد له كقواعد الفصحى، أو أشد عسرا و تعقيدا ، فإذا تم لنا ذلك فسوف نسائل أنفسنا: ما التيسير الذي كسبناه من استبدال قواعد بقواعد، و ضوابط بأخرى أشبه بها أو أصعب منها؟
(ب) و هل فطن أولئك الدعاء إلى أن العامية لا تثبت على الزمان، و لا تعمر طويلا، و إنما تتغير بتغير الأجيال، و ينتابها التزيد و التحيف في الأحيان المتوالية، إذ لا حارس يدفع عنها الدخيل، و لا قيم يصونها مما يمتزج بها من الغريب، فهي كبيت مفتوح النوافذ و الأبواب من سائر جهاته، لا عائق يمنع داخله، أو يصد قاصده، فلا يلبث أن يمتليء بالأوشاب و الأخلاط، لا تجمعهم جامعة، و لا تؤلف بينهم رابطة، كذلك العامية القائمة لا تلبث بعد زمن يطول أو يقصر أن تتحول إلى عامية جديدة، تتطلب فهما جديدا، و ضوابط مستحدثة ، و هكذا دواليك، حينا بعد حين و في هذا ما فيه من عناء موصول متجدد ، و جفوة تاريخية بين حاضر الأبناء و أسلافهم، و قطع للصلات الروحية و المادية بين هؤلاء و أولئك ، و تنكر للتراث القديم النفيس ، و إغفال لما يبثه في النفوس من معاني النبل و الشرف، و الفضيلة في أسمى أوصافها، و أجمل معانيها.
(ج) و هل أدرك الدعاة ما هو أشد خطرا و أفدح ضررا من ذلك كله، ألا و هو تمزيق الوحدة العربية، و تقطيع الروابط الوثيقة التي تربط الناطقين بالضاد أفرادًا و أممًا، و تجمعهم كتلة متماسكة، و بنيانا متراصا، في وقت تتمنى الأمم المختلفة أن تدرك مثله، و تعمل جاهدة دائبة على تحقيقه ، إذ ترى فيه سعادتها، و أمنها، و قوتها، و تبذل في سبيله أغلى ما تملك، في حين هيأه الله لنا باللغة سهلا ، ميسرا ، بغير بذل و لا جهد ، و هي أقوى رباط، و أوثق صلة ، فأي حماقة هذه التي تدعونا إلى إهمال ما تسعى الأمم جميعا إليه، و تجري وراء إدراكه في غير ضن و لا هوادة؟
(د) و هل درى أولئك الدعاة ما قرره علماء الاجتماع – بحق – أن اللغات العامية قاطبة في بقاع الأرض المختلفة عاجزة عن التعبير الدقيق عن الخلجات النفسية و المشاعر القومية، قاصرة قصورا فاضحا عن الإبانة الوافية في النواحي الدقيقة من العلوم و الفنون و الآداب الرفيعة؟ و أنهم أجمعوا على أن الخير كل الخير في رفع العاميات إلى مكانة الفصحى و مستواها، لا الهبوط بالفصحى إلى حمأة العامية و دركها.
و بعد. فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، و ليس من الشجاعة المحمودة الإصرار على الباطل، دفاعا عن العجز الشخصي الفردي، و تلمسا لراحة النفس راحة زائفة خداعة يزول أثرها سريعا، و يعود الألم بعدها أطول زمنا، و أعنف شدة، و ما أجدرنا أن نفيء إلى الحق، و ندع المكابرة جانبا، فهي بغير العقلاء و المنصفين أولى، و أن نكف عن تلك الدعوة البغيضة التي تتردد في فترات مختلفة، إما عن جهالة بمغبتها، و غفلة عن سوء نتائجها في نواحي حياتنا الثقافية، و الخلقية، و العملية، و إما عن حقد دفين لأهلها، و الناطقين بها، و ألا نخدع بما يقوله المستعمرون و ربائبهم و أبواقهم من طعن في الفصحى، و غمز في مناحي قوتها و تشويه جمالها، فتلك شنشنة المستعمر، يتجه بنظره أول ما يتجه إلى لغة الأمة الضعيفة، و دينها، ليتخلص منهما، و يأمن الكفاح العنيف الذي ينهال عليه من طريقهما، ثقة منه أن لغة الأمة المغلوبة تذكرها بماضيها الكريم، و حاضرها الذليل، و تدعوها إلى الموازنة و النظر، و العمل للتخلص مما هي فيه بمختلف الوسائل الميسرة و غير الميسرة، و أن دينها يدعوها إلى الدفاع عن كيانها، و استرداد كرامتها، و مقاومة المعتدي، و انتزاع حريتها في غير هدوء، و لا ملاينة، و لا استسلام، و ذلك شر ما يصادفه الاستعمار، و أقسى ما يلاقيه المستعمرون.