من تجليات البيان القرآني: الفرق بين ( يسارع في ) و( يسارع إلى)
أ.د أحمد محمود عبد القادر درويش
قلت : هيا إلى لغة القرآن ...
* ربنا قال : ﴿وَسارِعوا (إِلى) مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقينَ﴾[آل عمران: ١٣٣]
* ويقول ربنا : ﴿فَاستَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يَحيى وَأَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ إِنَّهُم كانوا يُسارِعونَ (فِي) الخَيراتِ وَيَدعونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانوا لَنا خاشِعينَ[الأنبياء: ٩٠]...
ربما يقول احدهم : هما بمعنى واحد لا فرق ، لأن الحروف تتناوب ، لكن إلماحات القرآن تأبى هذا الفهم ...
ففرق بين التعديتين ...
* أما ( وسارعوا إلى ) فمعناه أنهم لما يدخلوا بعد في المغفرة ، وإنما الأمر الموجه إليهم أن يتجهوا بكل حواسهم إلى هذي المغفرة ؛ لأن ( إلى ) في اللغة معناها ( انتهاء الغاية ) فكأنه يجب أن تكون غايتك واتجاهك الحصول على هذي المغفرة بكل ما تمتلك من جهد وطاقة...
* أما ( يسارعون في ) فهي دالة أصلا على أن الخيرات محيطة بهم ، فهم منغمسون فيها ، مؤدون لها ، وهذا واش بتمكنهم منها ، وحيازتهم لها ، وكأنها بيت واسع ، وهم بداخله يبذلون كل معاني الخير ، وهذا معنى ( في ) في النحو فهي ( للظرفية ) أي شدة إحاطة الشيء بالشيء ، فكأنهم غارقون في بحر الخيرات ، وهذا يناسب الحديث عن الأنبياء المذكورين في الآية ...
* النتيجة : أن ( يسارعون في ) تعد مرحلة ثانية بعد ( يسارعون إلى ) ، فهؤلاء الأنبياء بعد مسارعتهم (إلى) الشيء صار هذا الشيء ( فيهم) محيطا بهم ، يغمرهم بكل فيوضاته وعطاءاته ومنحه ...
ومن هنا نأخذ ملمحا دينيا راقيا في حياتنا ، وهو أن المسارعة في الخير للناس جزاؤها إصلاح الذرية والزوجة والحياة كلها ...
دام عطاء القرآن ورسالاته