عناية أحمد بن فارس في (معجم مقاييس اللغة) بالدلالة المحورية
أ. د. عبد الكاظم الياسري
م. د. حيدر جبار عيدان
المقدمة(1)
يمكن عد ابن فارس من اللغويين الأوائل الذين اهتموا بإيجاد صلة بين المدلولات المختلفة للجذر اللغوي الواحد ومحاولة إرجاعها إلى أصولها وتوضيح هذه الصلة ما استطاع إلى ذلك سبيلا وإن لم تخل المعجمات السابقة مثل العين والجمهرة من مثل هذه الإشارات ولكن بصورة متفرقة فردية حتى جاء أحمد بن فارس ليدفع بها إلى القمة ويبني معجمًا متكاملا يبحث في هذه الظاهرة الدلالية التي لفتت انتباهه واستطاع بعقله اللغوي الجبار أن يقدم لنا معجمًا يجمع شتات هذه الظاهرة ويبين طرق انتقال المعنى ولم يكن عمله اشتقاقيًّا كما اتهمه الدكتور إبراهيم أنيس(2) بل كان عملا دلاليا فريدا من نوعه استطاع أن يخترق به الأزمان والأمكنة وأن يغزو به عقول معاصريه وأفئدتهم كما فعل معنا، والباحث المتمعن في هذا المعجم الذي يسلط عليه وهو يقرؤه أنوار النظريات الحديثة الصياغة القديمة المحتوى يجد أن ابن فارس أشار إليها في معجمه وبسط فيها القول ، وكان يجمع المدلولات المختلفة المتقاربة والمتباعدة ويبين طرق انتقال المعنى ومراحله، فإن شذ مدلول للجذر لا ينطبق على مقاييسه التي استنبطها بإمعان النظر أقر بشذوذه أو أقر بأنه لا يعرف أصله .
على أن ابن فارس في كتابه "المقاييس"، قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، وتكنُّه أسرارها، وفهم أصولها؛ إذ يردُّ مفرداتِ كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق. وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلُفْه أحد. وأرى أن صاحبَ الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد(321هـ)؛ إذ حاول في كتاب "الاشتقاق" أن يرد أسماء قبائل العرب وعمائرها، وأفخاذها وبطونها، وأسماء ساداتها وثُنيانها، وشعرائها وفرسانها وحكامها، إلى أصول لغوية اشتُقَّت منها هذه الأسماء .
ومما هو بالذكر جدير، أن ابن فارس كان يتأسّى بابن دريد في حياته العلمية والأدبية والتأليفية، وهو بلا ريب قد اطَّلع على هذه الإشارة من ابن دريد، فحاول أن يقوم بما عجز عنه ابن دريد أو نكص عنه، فألَّف كتابه المقاييسَ، قال أحمد: أقول وبالله التوفيق: إنَّ لِلُغةِ العرب مقاييسَ صحيحةً، وأصولاً تتفرّع منها فروع. وقد ألَّف النَّاسُ في جوامع اللغة ما ألَّفوا، ولم يُعربوا في شيءٍ من ذلك عن مقياس من تلك المقاييس، ولا أصل من الأصول. والذي أوْمَأْنا إليه بابٌ من العلم جليلٌ، وله خطرٌ عظيمٌ. وقد صدَّرْنا كلَّ فصل بأصله الذي يتفرّع منه مسائلُه، حتى تكونَ الجملةُ الموجَزةُ شاملةً للتَّفصيل، ويكونَ المجيبُ عما يُسألُ عنه مجيباً عن الباب المبسوطِ بأوجزِ لفظٍ وأقربِه( 3).
ويبدو لي أن السبب في إعراض من ألف في المعجمات العربية عن البحث عن الدلالة المحورية الذي يرجع الكل إليها هو ان ذكر اللفظ وبيان موارد استعمالاته أيسر وأسهل ، بخلاف الفحص عن المعنى الجامع وتفريع ألفاظ منه .
توطئة:
ـ في المعنى والمفردة:
يمكن القول ان الكلمة المفردة أهم الوحدات الدلالية ((لأنها تكون أهم مستوى أساس للوحدات الدلالية حتى عدها بعضهم الوحدة الدلالية الصغرى)) (4 ) . وأن دلالة المفردة تختلف باختلاف السياق الذي ترد فيه ويظهر معناها ، وأن معناها ليس ثابتًا بل ((تدل على أكثر من معنى وهي مفردة، ولكنها إذا وضعت في (مقال) يفهم في ضوء (مقام) انتفى هذا التعدد عن معناها ، ولم يعد بها في السياق إلا معنى واحد ، لأن الكلام لابد أن يحمل من القرائن المقالية اللفظية ، والمقامية (الحالية) ما يعين معنى واحدا لكل كلمة)) (5 ) . ويرى بعض السياقيين أن لا معنى للكلمة المفردة من غير أن تكون داخل السياق ، وفي هذا يقول راسل : ((الاستعمال يأتي أولا وحينئذ يتقطر المعنى))( 6). وعلى الرغم من أنه ((لا يمكن فهم أية كلمة على نحو تام ، بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها ، والتي تحدد معناها)) (7 ). ولكن هذا لا يمنع من القول : ((إن في كل كلمة نواة صلبة من المعنى ، ثابتة ـ نسبيا ـ ويمكن تكييفها بالنص ضمن حدود معينة))( 8). وبهذا القول لا نلغي المعنى الأساسي للكلمة المفردة ، ولا نقلل من أهمية السياق في إعطاء الكلمة أثرها على وفق نظمها بين الكلمات الأخرى . فالكلمات من غير السياق تبدو أشبه بشيء ميت أو هياكل خامدة والسياق هو الذي يعيد للكلمات حياتها والتركيب هو وسيلة السياق . وتبقى الكلمة تعطي طاقة فنية حين يحويها تركيب تتأثر فيه ويؤثر فيها و إن ((تاثير الكلمة الواحدة يتفاوت حسب الكلمات الأخرى التي ترد هذه الكلمة بينها ، والكلمة المفردة التي يلتبس معناها وهي بمفردها يتحدد معناها حينما ترد في سياق ملائم ، وهذه هي الحال دائما، فتأثير أي عنصر واحد يعتمد على العناصر الأخرى التي توجد معه))( 9).
ولعل السياق هو القادر على إظهار المعنى الذي تمتلكه اللفظة، إذ تتعدد مجالات الكلمة الواحدة والسياق هو الذي يعين حدود هذه اللفظة في أي موقف معين، اعتمادًا على السياق الذي ترد فيه إذ تتعدد الدلالات بتعدد السياقات ، ومن هنا ظهرت قضايا لغوية فسرت بتفسيرات كثيرة منها (الترادف والمشترك والتضاد) لا يمكن تعيين المعنى فيها إلا من خلال السياق يقول فندريس ((إننا نكون ضحايا الانخداع إذا قلنا إن للكلمات أكثر من معنى واحد في وقت واحد إذ لا يطفو في الشعور من المعاني المختلفة التي تدل عليها إحدى الكلمات إلا المعنى الذي يعينه (سياق النص) أما المعاني الأخرى فتمحى وتتبدد ولا توجد إطلاقا))(10 ). فالسياق هو الذي يخلص الكلمات من المعاني المتراكمة في ذهن الإنسان وهو الذي يفسر لنا فيما إذا كانت الكلمة تحتمل معنى واحدا أو معاني متعددة .
ـ المعنى المحوري و أنواع المعاني في المفردة :
من المباحث اللغوية التي أثارها الدرس الدلالي، بناء على العلاقات التي تجمع الدال بمدلوله، مبحث أقسام الدلالة وأنواع المعنى. فإذا كان تحديد معنى الكلمة يتم بالرجوع إلى القاموس اللغوي، فإن ذلك لا يمكن أن ينسحب على جميع الكلمات التي ترد مفردة أو في السياق، ولذلك ميز اللغويون بين معان كثيرة ( 11). وتقسيم المعنى في علم الدلالة يخضع لمبدأ عام ملخصه ((أن القيمة الدلالية للوحدة المعجمية لا يمكن اعتبارها دلالة قارة، إنما يخضع تحديد تلك القيمة لمجموع استعمالات هذه الصيغة في السياقات المختلفة، ولقد قسم العلماء الدلالات اعتمادا على معايير أخرى ترتكز على الإدراك لطبيعة العلاقة بين قطبي الفعل الدلالي، وهو لا يخرج عن ثلاث: اعتبار العرف، أو اعتبار الطبيعة أو اعتبار العقل، وعلى ذلك فالدلالة إما عرفية أو طبيعية أو عقلية))( 12).
والحق أن أنواع المعاني التي تتضمنها الكلمات لم تخف على العلماء العرب القدامى ـ رحمهم الله ـ فإذا انتقلنا إلى ابن جني(392هـ)وجدناه يتناول معظم هذه المعاني دون تبويب لها أو ذكر لتلك المصطلحات ولا يعيب عدم ذكر المصطلحات إثبات الحقائق العلمية والتنبه لها، لأن المصطلحات لا تستقر الا بعد حين .
ومن المهم أن نقول إنه يتعذر علينا الفصل الدقيق بين هذه الأنواع المختلفة والدلالات المتنوعة من المعاني عند الاستعمال ، وإن استطعنا تمييزها عند النظر فقد يصعب ذلك الفصل الدقيق عند التطبيق فهذه الأنواع متعاضدة فيما بينها لتعطي أكمل معنى يمكن أن يفهم من اللفظ في المواقف الكلامية المختلفة .
وإذا ما أردنا أن نعرف معنى أي كلمة من كلمات لغة ما قد لايكفي الرجوع إلى المعجم والاطلاع على ما دون فيه من معانيها ، نعم قد يكفي هذا لتعرف معاني بعض الكلمات لكنه قطعا لا يكفي في الكلمات جميعها ، معنى هذا أن الكلمة لها أنواع من المعنى لم يتفق العلماء على حصرها لكنهم قد حددوا أهم تلك الأنواع وهذا التقسيم مأخوذ من الدكتور أحمد مختار عمر( 13) ومنقور عبد الجليل(14 ) ولم يذكرا (المعنى المحوري) الذي بصدده البحث:
• المعنى المركزي أو الأساسي أو الأولي ، ويمكن تعريفه بأنه : المعنى المتصل بالوحدة المعجمية حينما ترد في أقل سياق، أي حينما ترد منفردة ويشكل هذا المعنى العامل الرئيس للاتصال اللغوي، وعن طريقه تتمكن اللغة من تحقيق وظيفتها الأساسية في التفاهم ونقل الأفكار ويمكننا عادة تشخيص معنى واحد للكلمة، ونعده أكثر مركزية من المعاني الآخر للكلمة نفسها، وهذا المعنى يمثل أقل ما يمكن من القدر المشترك في أذهان مستعملي اللغة ويتسم هذا المعنى بالثبات والشمول، وهو ما يسعى المعجمي إلى تسجيله في معجمه محددا وشارحا له ( 15)
• المعنى الإضافي أو العرضي أو الثانوي أو التضمني أو الهامشي ، فقد تشير الكلمة إلى معنى ما زائدا على المعنى الأساسي ، ومصاحبا له دائما ، ليس لهذا المعنى صفة الشمول أو الثبوت ، وهو قابل للتغيير تبعا للثقافة والزمن والخبرة ،إذ تعمل هذه العناصر الثلاثة على تقويته وادامته ، من هنا لم يكن هذا المعنى شاملا للأفراد الذين يستعملون اللغة كلهم ، فقد يختلف عدد منهم عن إدراك هذه المعاني وهو قدر من المعنى يشكل ظلالا للمعنى المركزي يختلف مقدار فهمه وامتلاكه باختلاف الأفراد وتجاربهم وأمزجتهم ومأثورهم اللغوي ( 16) .
• المعنى الأسلوبي تكشف الكلمات أحيانا من خلال دلالاتها عن الطبقة الاجتماعية لمستعمل الكلمة ، أو تكشف عن منطقته الجغرافية ، او تخصصه أو علاقة المتكلم بالمستمع إذ هناك علاقة وثيقة ومتبادلة بين هذه العناصر ودلالة الكلمات التي يستعملها أفراد هذه الطبقة أو تلك .
• المعنى النفسي ، قد تتكون لدى مستعمل ما للغة عوامل نفسية تلقي بظلالها على مفردات معنية ، فتصبح المفردة تشير إلى بعض تلك الإسقاطات النفسية لهذا المتكلم أو ذلك ، هذه الدلالات فردية ذاتية مقيدة ولا تتميز بالعموم والانتشار ، وقد تطفو هذه الدلالات النفسية في لغة بعض الأدباء أو الشعراء أو المتكلمين العاديين بشكل بارز وواضح .
• المعنى الإيحائي ، تمتلك بعض المفردات مقدرة خاصة على الإيحاء لما تتسم به من شفافية ، ويبدو أن الإيحاء يصاحب عموم الألفاظ فـ(دلالة أي لفظ من الألفاظ على معناه المحدد له ترتبط فيما يوحيه هذا اللفظ في الأذهان من انصراف وتبادر إلى مشخصاته الخارجية إن كان عينا أو ما يرمز إليه في التصور الذهني إن كان معنى بحيث يكسبه هذا و ذلك عند التطبيق الخارجي الذي لا يلتبس بمفهوم آخر في الإدراك حتى يعود رمزا له ) ( 17) .
• المعنى المحوري لجذر ما، هو المعنى الذي يتحقق تحققاً علمياً في كل الاستعمالات المصوغة من هذا الجذر . يعني أنَّ هذا المعنى يتحقق في كل استعمالات هذا الجذر، قال ابن فارس في (هف) (الهاء والفاء أصل صحيح يدلُّ على خِفَّةٍ وسُرعةٍ في سَير وصَوت)(18 ) فلو قلنا إن الدلالة المحورية للجذر (هف) هي : (خِفَّة وسُرعة في سَير وصَوت) معنى هذا أن هذا المعنى متحقق في كل استعمالات هذا الجذر ، فمثلا يقال :
- الهَفيف: سُرْعة السَّير (فمعنى الخفة والسرعة في السير واضحة)
- الرّيحُ الهَفَّافة: الخفيفة الهبوب (فمعنى الخفة والسرعة في سير الريح واضحة)
- قميصٌ هَفْهافٌ: رقيق (سمّي بذلك لخفَّته)
- الشُّهْد الهِفُّ: الرَّقيق القليل العسل، (سمّي بذلك لخفَّته)
- الهِفّ: الذي هَراقَ ماءَه وخَفَّ من السَّحاب(سميت بذلك لما خفت من الماء)
- اليَهْفُوف: الأحمق (سمي بذلك لخِفَّةِ عقله)
الهَفيف: سُرْعة السَّير
الرّيحُ الهَفَّافة: الخفيفة الهبوب
قميصٌ هَفْهافٌ: رقيق
الشُّهْد الهِفُّ: الرَّقيق القليل العسل
الهِفّ: الذي هَراقَ ماءَه وخَفَّ من السَّحاب
اليَهْفُوف: الأحمق
الجذر اللغوي (هـ ف)
ولو قلنا إن الدلالة المحورية للجذر (عقم) هي(غموضٍ وضيق وشِدّة) قال ابن فارس(العين والقاف والميم أصلٌ واحد يدلُّ على غموضٍ وضيق وشِدّة)(19 )معنى هذا أن هذا المعنى متحقق في كل استعمالات هذا الجذر . فمثلا يقال :
- المُعاقِم: المُخاصِم، (والوجه فيه أنّه يضيّق على صاحبه بالكلام)
- حَرْبٌ عَقام وعُقَام: لا يَلوِي فيها أحدٌ على أحد ( لشِدّتها وضيقها على أهلها وغموضها)
- وداءٌ عَقُاَمٌ: لا يُبرَأ منه (لغموضه وشدته وضيقه على صاحبه)
- و رجل عَقام، وهو الضيّقُ الخُلُق (لما فيه من غموض وشدة وضيق)
- و عقلٌ عقيم، للذي لا يُجدي على صاحبه شيئًا (لما فيه من غموض)
- الاعتقام: الحفر في جوانب البئر (وإنما قيل لذلك اعتقامٌ لأنَّه في الجانب، وذلك دليل الضّيقِ الذي ذكرناه)
المُعاقِم: المُخاصِم
حَرْبٌ عَقام: لا يَلوِي فيها أحدٌ على أحد
داءٌ عَقُاَمٌ: لا يُبرَأ منه
رجل عَقام، وهو الضيّقُ الخُلُق
عقلٌ عقيم، للذي لا يُجدي على صاحبه شيئًا
الاعتقام: الحفر في جوانب البئر
الجذر اللغوي (ع ق م)
وكذلك لو قلنا إن الدلالة المحورية للجذر (عمد) هي (الاستقامة في الشيء، منتصبًا أو ممتدا)(20) قال ابن فارس في (عمد) (العين والميم والدال أصلٌ كبير، فروعه كثيرة ترجع إلى معنًى، وهو الاستقامة في الشىء، منتصبًا أو ممتدّا، وكذلك في الرّأي وإرادةِ الشىء) (21).معنى هذا أن هذا المعنى متحقق في كل استعمالات هذا الجذر . فمثلا يقال :
- عَمَدْتُ فلانًا وأنا أعْمِدُه عَمْدًا، إذا قَصدتَ إليه (والاستقامة في ذلك واضحة)
- والعَمْد: نقيض الخطأ في القتل وغيره، (وإنّما سمي ذلك عمدًا لاستواءِ إرادتك إيَّاه).
- عَمَدْت الشّىء: أسندتُه؛ والشَّىء الذي يسند إليه عِماد (وهي جنس من الاستقامة في الشيء)
- وعَمُود الأمر: قِوَامه الذي لا يستقيم إلاّ به (وهو الاستقامة الموجودة في ذلك الأمر )
- يقال إنَّ عمودَا البَطْن: الظَّهر والصُّلب، (وإنما قيل عَمودَا البطنِ لأنّ كل واحدٍ منهما معتمِد على الآخر في الاستقامة)
عَمَدْتُ فلانًا وأنا أعْمِدُه عَمْدًا، إذا قَصدتَ إليه
العَمْد: نقيض الخطأ في القتل وغيره
عَمَدْت الشّىء: أسندتُه
عَمُود الأمر: قِوَامه الذي لا يستقيم إلاّ به
عمودَا البَطْن: الظَّهر والصُّلب
الجذر اللغوي (ع م د)
ولو أخذنا مثالا آخر وهو الجذر(جبر) قال ابن فارس((الجيم والباء والراء أصلٌ واحد، وهو جِنْسٌ من العظَمة والعُلوّ والاستقامة))( 22) . فما هي المعاني التي تخرج عنه التي ذكرتها كتب المعجمات مع ما ذكره ابن فارس لهذا الجذر، نرى الاتي:
-الجَبَّار(23 ) : الذي طالَ وفاتَ اليد، يقال فرسٌ جَبَّارٌ، ونخلة جَبَّارَةٌ
- الاقوياء(24 ) : في قول تعالى (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (المائدة:22)
-المسلط(25 ) : في قوله تعالى (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (قّ:45)
- المتكبر (26 ) : (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (مريم:32) - القتّال( 27) : (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) (الشعراء:130) - الظالم وغيرها( 28) من المعاني ، ويمكن أن نلمح بين معاني هذه اللفظة وما اشتق منها صلة جامعة ووجه اتفاق في الدلالة على العظمة والعلو والاستقامة.