mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي عناية أحمد بن فارس في (معجم مقاييس اللغة) بالدلالة المحورية

كُتب : [ 05-26-2017 - 02:26 PM ]


عناية أحمد بن فارس في (معجم مقاييس اللغة) بالدلالة المحورية
أ. د. عبد الكاظم الياسري
م. د. حيدر جبار عيدان


المقدمة(1)
يمكن عد ابن فارس من اللغويين الأوائل الذين اهتموا بإيجاد صلة بين المدلولات المختلفة للجذر اللغوي الواحد ومحاولة إرجاعها إلى أصولها وتوضيح هذه الصلة ما استطاع إلى ذلك سبيلا وإن لم تخل المعجمات السابقة مثل العين والجمهرة من مثل هذه الإشارات ولكن بصورة متفرقة فردية حتى جاء أحمد بن فارس ليدفع بها إلى القمة ويبني معجمًا متكاملا يبحث في هذه الظاهرة الدلالية التي لفتت انتباهه واستطاع بعقله اللغوي الجبار أن يقدم لنا معجمًا يجمع شتات هذه الظاهرة ويبين طرق انتقال المعنى ولم يكن عمله اشتقاقيًّا كما اتهمه الدكتور إبراهيم أنيس(2) بل كان عملا دلاليا فريدا من نوعه استطاع أن يخترق به الأزمان والأمكنة وأن يغزو به عقول معاصريه وأفئدتهم كما فعل معنا، والباحث المتمعن في هذا المعجم الذي يسلط عليه وهو يقرؤه أنوار النظريات الحديثة الصياغة القديمة المحتوى يجد أن ابن فارس أشار إليها في معجمه وبسط فيها القول ، وكان يجمع المدلولات المختلفة المتقاربة والمتباعدة ويبين طرق انتقال المعنى ومراحله، فإن شذ مدلول للجذر لا ينطبق على مقاييسه التي استنبطها بإمعان النظر أقر بشذوذه أو أقر بأنه لا يعرف أصله .
على أن ابن فارس في كتابه "المقاييس"، قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، وتكنُّه أسرارها، وفهم أصولها؛ إذ يردُّ مفرداتِ كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق. وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلُفْه أحد. وأرى أن صاحبَ الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد(321هـ)؛ إذ حاول في كتاب "الاشتقاق" أن يرد أسماء قبائل العرب وعمائرها، وأفخاذها وبطونها، وأسماء ساداتها وثُنيانها، وشعرائها وفرسانها وحكامها، إلى أصول لغوية اشتُقَّت منها هذه الأسماء .
ومما هو بالذكر جدير، أن ابن فارس كان يتأسّى بابن دريد في حياته العلمية والأدبية والتأليفية، وهو بلا ريب قد اطَّلع على هذه الإشارة من ابن دريد، فحاول أن يقوم بما عجز عنه ابن دريد أو نكص عنه، فألَّف كتابه المقاييسَ، قال أحمد: أقول وبالله التوفيق: إنَّ لِلُغةِ العرب مقاييسَ صحيحةً، وأصولاً تتفرّع منها فروع. وقد ألَّف النَّاسُ في جوامع اللغة ما ألَّفوا، ولم يُعربوا في شيءٍ من ذلك عن مقياس من تلك المقاييس، ولا أصل من الأصول. والذي أوْمَأْنا إليه بابٌ من العلم جليلٌ، وله خطرٌ عظيمٌ. وقد صدَّرْنا كلَّ فصل بأصله الذي يتفرّع منه مسائلُه، حتى تكونَ الجملةُ الموجَزةُ شاملةً للتَّفصيل، ويكونَ المجيبُ عما يُسألُ عنه مجيباً عن الباب المبسوطِ بأوجزِ لفظٍ وأقربِه( 3).‏
ويبدو لي أن السبب في إعراض من ألف في المعجمات العربية عن البحث عن الدلالة المحورية الذي يرجع الكل إليها هو ان ذكر اللفظ وبيان موارد استعمالاته أيسر وأسهل ، بخلاف الفحص عن المعنى الجامع وتفريع ألفاظ منه .
توطئة:
ـ في المعنى والمفردة:
يمكن القول ان الكلمة المفردة أهم الوحدات الدلالية ((لأنها تكون أهم مستوى أساس للوحدات الدلالية حتى عدها بعضهم الوحدة الدلالية الصغرى)) (4 ) . وأن دلالة المفردة تختلف باختلاف السياق الذي ترد فيه ويظهر معناها ، وأن معناها ليس ثابتًا بل ((تدل على أكثر من معنى وهي مفردة، ولكنها إذا وضعت في (مقال) يفهم في ضوء (مقام) انتفى هذا التعدد عن معناها ، ولم يعد بها في السياق إلا معنى واحد ، لأن الكلام لابد أن يحمل من القرائن المقالية اللفظية ، والمقامية (الحالية) ما يعين معنى واحدا لكل كلمة)) (5 ) . ويرى بعض السياقيين أن لا معنى للكلمة المفردة من غير أن تكون داخل السياق ، وفي هذا يقول راسل : ((الاستعمال يأتي أولا وحينئذ يتقطر المعنى))( 6). وعلى الرغم من أنه ((لا يمكن فهم أية كلمة على نحو تام ، بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها ، والتي تحدد معناها)) (7 ). ولكن هذا لا يمنع من القول : ((إن في كل كلمة نواة صلبة من المعنى ، ثابتة ـ نسبيا ـ ويمكن تكييفها بالنص ضمن حدود معينة))( 8). وبهذا القول لا نلغي المعنى الأساسي للكلمة المفردة ، ولا نقلل من أهمية السياق في إعطاء الكلمة أثرها على وفق نظمها بين الكلمات الأخرى . فالكلمات من غير السياق تبدو أشبه بشيء ميت أو هياكل خامدة والسياق هو الذي يعيد للكلمات حياتها والتركيب هو وسيلة السياق . وتبقى الكلمة تعطي طاقة فنية حين يحويها تركيب تتأثر فيه ويؤثر فيها و إن ((تاثير الكلمة الواحدة يتفاوت حسب الكلمات الأخرى التي ترد هذه الكلمة بينها ، والكلمة المفردة التي يلتبس معناها وهي بمفردها يتحدد معناها حينما ترد في سياق ملائم ، وهذه هي الحال دائما، فتأثير أي عنصر واحد يعتمد على العناصر الأخرى التي توجد معه))( 9).
ولعل السياق هو القادر على إظهار المعنى الذي تمتلكه اللفظة، إذ تتعدد مجالات الكلمة الواحدة والسياق هو الذي يعين حدود هذه اللفظة في أي موقف معين، اعتمادًا على السياق الذي ترد فيه إذ تتعدد الدلالات بتعدد السياقات ، ومن هنا ظهرت قضايا لغوية فسرت بتفسيرات كثيرة منها (الترادف والمشترك والتضاد) لا يمكن تعيين المعنى فيها إلا من خلال السياق يقول فندريس ((إننا نكون ضحايا الانخداع إذا قلنا إن للكلمات أكثر من معنى واحد في وقت واحد إذ لا يطفو في الشعور من المعاني المختلفة التي تدل عليها إحدى الكلمات إلا المعنى الذي يعينه (سياق النص) أما المعاني الأخرى فتمحى وتتبدد ولا توجد إطلاقا))(10 ). فالسياق هو الذي يخلص الكلمات من المعاني المتراكمة في ذهن الإنسان وهو الذي يفسر لنا فيما إذا كانت الكلمة تحتمل معنى واحدا أو معاني متعددة .

ـ المعنى المحوري و أنواع المعاني في المفردة :
من المباحث اللغوية التي أثارها الدرس الدلالي، بناء على العلاقات التي تجمع الدال بمدلوله، مبحث أقسام الدلالة وأنواع المعنى. فإذا كان تحديد معنى الكلمة يتم بالرجوع إلى القاموس اللغوي، فإن ذلك لا يمكن أن ينسحب على جميع الكلمات التي ترد مفردة أو في السياق، ولذلك ميز اللغويون بين معان كثيرة ( 11). وتقسيم المعنى في علم الدلالة يخضع لمبدأ عام ملخصه ((أن القيمة الدلالية للوحدة المعجمية لا يمكن اعتبارها دلالة قارة، إنما يخضع تحديد تلك القيمة لمجموع استعمالات هذه الصيغة في السياقات المختلفة، ولقد قسم العلماء الدلالات اعتمادا على معايير أخرى ترتكز على الإدراك لطبيعة العلاقة بين قطبي الفعل الدلالي، وهو لا يخرج عن ثلاث: اعتبار العرف، أو اعتبار الطبيعة أو اعتبار العقل، وعلى ذلك فالدلالة إما عرفية أو طبيعية أو عقلية))( 12).
والحق أن أنواع المعاني التي تتضمنها الكلمات لم تخف على العلماء العرب القدامى ـ رحمهم الله ـ فإذا انتقلنا إلى ابن جني(392هـ)وجدناه يتناول معظم هذه المعاني دون تبويب لها أو ذكر لتلك المصطلحات ولا يعيب عدم ذكر المصطلحات إثبات الحقائق العلمية والتنبه لها، لأن المصطلحات لا تستقر الا بعد حين .
ومن المهم أن نقول إنه يتعذر علينا الفصل الدقيق بين هذه الأنواع المختلفة والدلالات المتنوعة من المعاني عند الاستعمال ، وإن استطعنا تمييزها عند النظر فقد يصعب ذلك الفصل الدقيق عند التطبيق فهذه الأنواع متعاضدة فيما بينها لتعطي أكمل معنى يمكن أن يفهم من اللفظ في المواقف الكلامية المختلفة .
وإذا ما أردنا أن نعرف معنى أي كلمة من كلمات لغة ما قد لايكفي الرجوع إلى المعجم والاطلاع على ما دون فيه من معانيها ، نعم قد يكفي هذا لتعرف معاني بعض الكلمات لكنه قطعا لا يكفي في الكلمات جميعها ، معنى هذا أن الكلمة لها أنواع من المعنى لم يتفق العلماء على حصرها لكنهم قد حددوا أهم تلك الأنواع وهذا التقسيم مأخوذ من الدكتور أحمد مختار عمر( 13) ومنقور عبد الجليل(14 ) ولم يذكرا (المعنى المحوري) الذي بصدده البحث:
• المعنى المركزي أو الأساسي أو الأولي ، ويمكن تعريفه بأنه : المعنى المتصل بالوحدة المعجمية حينما ترد في أقل سياق، أي حينما ترد منفردة ويشكل هذا المعنى العامل الرئيس للاتصال اللغوي، وعن طريقه تتمكن اللغة من تحقيق وظيفتها الأساسية في التفاهم ونقل الأفكار ويمكننا عادة تشخيص معنى واحد للكلمة، ونعده أكثر مركزية من المعاني الآخر للكلمة نفسها، وهذا المعنى يمثل أقل ما يمكن من القدر المشترك في أذهان مستعملي اللغة ويتسم هذا المعنى بالثبات والشمول، وهو ما يسعى المعجمي إلى تسجيله في معجمه محددا وشارحا له ( 15)
• المعنى الإضافي أو العرضي أو الثانوي أو التضمني أو الهامشي ، فقد تشير الكلمة إلى معنى ما زائدا على المعنى الأساسي ، ومصاحبا له دائما ، ليس لهذا المعنى صفة الشمول أو الثبوت ، وهو قابل للتغيير تبعا للثقافة والزمن والخبرة ،إذ تعمل هذه العناصر الثلاثة على تقويته وادامته ، من هنا لم يكن هذا المعنى شاملا للأفراد الذين يستعملون اللغة كلهم ، فقد يختلف عدد منهم عن إدراك هذه المعاني وهو قدر من المعنى يشكل ظلالا للمعنى المركزي يختلف مقدار فهمه وامتلاكه باختلاف الأفراد وتجاربهم وأمزجتهم ومأثورهم اللغوي ( 16) .
• المعنى الأسلوبي تكشف الكلمات أحيانا من خلال دلالاتها عن الطبقة الاجتماعية لمستعمل الكلمة ، أو تكشف عن منطقته الجغرافية ، او تخصصه أو علاقة المتكلم بالمستمع إذ هناك علاقة وثيقة ومتبادلة بين هذه العناصر ودلالة الكلمات التي يستعملها أفراد هذه الطبقة أو تلك .
• المعنى النفسي ، قد تتكون لدى مستعمل ما للغة عوامل نفسية تلقي بظلالها على مفردات معنية ، فتصبح المفردة تشير إلى بعض تلك الإسقاطات النفسية لهذا المتكلم أو ذلك ، هذه الدلالات فردية ذاتية مقيدة ولا تتميز بالعموم والانتشار ، وقد تطفو هذه الدلالات النفسية في لغة بعض الأدباء أو الشعراء أو المتكلمين العاديين بشكل بارز وواضح .
• المعنى الإيحائي ، تمتلك بعض المفردات مقدرة خاصة على الإيحاء لما تتسم به من شفافية ، ويبدو أن الإيحاء يصاحب عموم الألفاظ فـ(دلالة أي لفظ من الألفاظ على معناه المحدد له ترتبط فيما يوحيه هذا اللفظ في الأذهان من انصراف وتبادر إلى مشخصاته الخارجية إن كان عينا أو ما يرمز إليه في التصور الذهني إن كان معنى بحيث يكسبه هذا و ذلك عند التطبيق الخارجي الذي لا يلتبس بمفهوم آخر في الإدراك حتى يعود رمزا له ) ( 17) .
• المعنى المحوري لجذر ما، هو المعنى الذي يتحقق تحققاً علمياً في كل الاستعمالات المصوغة من هذا الجذر . يعني أنَّ هذا المعنى يتحقق في كل استعمالات هذا الجذر، قال ابن فارس في (هف) (الهاء والفاء أصل صحيح يدلُّ على خِفَّةٍ وسُرعةٍ في سَير وصَوت)(18 ) فلو قلنا إن الدلالة المحورية للجذر (هف) هي : (خِفَّة وسُرعة في سَير وصَوت) معنى هذا أن هذا المعنى متحقق في كل استعمالات هذا الجذر ، فمثلا يقال :
- الهَفيف: سُرْعة السَّير (فمعنى الخفة والسرعة في السير واضحة)
- الرّيحُ الهَفَّافة: الخفيفة الهبوب (فمعنى الخفة والسرعة في سير الريح واضحة)
- قميصٌ هَفْهافٌ: رقيق (سمّي بذلك لخفَّته)
- الشُّهْد الهِفُّ: الرَّقيق القليل العسل، (سمّي بذلك لخفَّته)
- الهِفّ: الذي هَراقَ ماءَه وخَفَّ من السَّحاب(سميت بذلك لما خفت من الماء)
- اليَهْفُوف: الأحمق (سمي بذلك لخِفَّةِ عقله)


الهَفيف: سُرْعة السَّير
الرّيحُ الهَفَّافة: الخفيفة الهبوب
قميصٌ هَفْهافٌ: رقيق
الشُّهْد الهِفُّ: الرَّقيق القليل العسل
الهِفّ: الذي هَراقَ ماءَه وخَفَّ من السَّحاب
اليَهْفُوف: الأحمق

الجذر اللغوي (هـ ف)
ولو قلنا إن الدلالة المحورية للجذر (عقم) هي(غموضٍ وضيق وشِدّة) قال ابن فارس(العين والقاف والميم أصلٌ واحد يدلُّ على غموضٍ وضيق وشِدّة)(19 )معنى هذا أن هذا المعنى متحقق في كل استعمالات هذا الجذر . فمثلا يقال :
- المُعاقِم: المُخاصِم، (والوجه فيه أنّه يضيّق على صاحبه بالكلام)
- حَرْبٌ عَقام وعُقَام: لا يَلوِي فيها أحدٌ على أحد ( لشِدّتها وضيقها على أهلها وغموضها)
- وداءٌ عَقُاَمٌ: لا يُبرَأ منه (لغموضه وشدته وضيقه على صاحبه)
- و رجل عَقام، وهو الضيّقُ الخُلُق (لما فيه من غموض وشدة وضيق)
- و عقلٌ عقيم، للذي لا يُجدي على صاحبه شيئًا (لما فيه من غموض)
- الاعتقام: الحفر في جوانب البئر (وإنما قيل لذلك اعتقامٌ لأنَّه في الجانب، وذلك دليل الضّيقِ الذي ذكرناه)


المُعاقِم: المُخاصِم
حَرْبٌ عَقام: لا يَلوِي فيها أحدٌ على أحد
داءٌ عَقُاَمٌ: لا يُبرَأ منه
رجل عَقام، وهو الضيّقُ الخُلُق
عقلٌ عقيم، للذي لا يُجدي على صاحبه شيئًا
الاعتقام: الحفر في جوانب البئر

الجذر اللغوي (ع ق م)

وكذلك لو قلنا إن الدلالة المحورية للجذر (عمد) هي (الاستقامة في الشيء، منتصبًا أو ممتدا)(20) قال ابن فارس في (عمد) (العين والميم والدال أصلٌ كبير، فروعه كثيرة ترجع إلى معنًى، وهو الاستقامة في الشىء، منتصبًا أو ممتدّا، وكذلك في الرّأي وإرادةِ الشىء) (21).معنى هذا أن هذا المعنى متحقق في كل استعمالات هذا الجذر . فمثلا يقال :
- عَمَدْتُ فلانًا وأنا أعْمِدُه عَمْدًا، إذا قَصدتَ إليه (والاستقامة في ذلك واضحة)
- والعَمْد: نقيض الخطأ في القتل وغيره، (وإنّما سمي ذلك عمدًا لاستواءِ إرادتك إيَّاه).
- عَمَدْت الشّىء: أسندتُه؛ والشَّىء الذي يسند إليه عِماد (وهي جنس من الاستقامة في الشيء)
- وعَمُود الأمر: قِوَامه الذي لا يستقيم إلاّ به (وهو الاستقامة الموجودة في ذلك الأمر )
- يقال إنَّ عمودَا البَطْن: الظَّهر والصُّلب، (وإنما قيل عَمودَا البطنِ لأنّ كل واحدٍ منهما معتمِد على الآخر في الاستقامة)



عَمَدْتُ فلانًا وأنا أعْمِدُه عَمْدًا، إذا قَصدتَ إليه
العَمْد: نقيض الخطأ في القتل وغيره
عَمَدْت الشّىء: أسندتُه
عَمُود الأمر: قِوَامه الذي لا يستقيم إلاّ به
عمودَا البَطْن: الظَّهر والصُّلب


الجذر اللغوي (ع م د)

ولو أخذنا مثالا آخر وهو الجذر(جبر) قال ابن فارس((الجيم والباء والراء أصلٌ واحد، وهو جِنْسٌ من العظَمة والعُلوّ والاستقامة))( 22) . فما هي المعاني التي تخرج عنه التي ذكرتها كتب المعجمات مع ما ذكره ابن فارس لهذا الجذر، نرى الاتي:
-الجَبَّار(23 ) : الذي طالَ وفاتَ اليد، يقال فرسٌ جَبَّارٌ، ونخلة جَبَّارَةٌ
- الاقوياء(24 ) : في قول تعالى (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (المائدة:22)
-المسلط(25 ) : في قوله تعالى (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (قّ:45)
- المتكبر (26 ) : (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (مريم:32) - القتّال( 27) : (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) (الشعراء:130) - الظالم وغيرها( 28) من المعاني ، ويمكن أن نلمح بين معاني هذه اللفظة وما اشتق منها صلة جامعة ووجه اتفاق في الدلالة على العظمة والعلو والاستقامة.


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 05-26-2017 الساعة 03:08 PM
رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-26-2017 - 03:01 PM ]




الجَبَّار
الاقوياء
المسلط
المتكبر
القتال
الظالم

الجذر اللغوي (ج ب ر)


ومن الواضح، بعد ما عرضنا من أمثلة للمعنى المحوري، نجد أن هذا المعنى يتميز بما يلي:
1 - أنه يمكن أن يستخرج مِنْ كل استعمالات الجذر - أو من أكثرها – استخراجا يمكن أن يلمح صور هذا المعنى في سياقات الاستعمال لذلك الجذر.
2 – أن المعنى المحوري قد لا يكون مصرحا بها في المعجمات اللغوية كلها فهو من نسج اللغوي الفذ القادر على إيجاد تلك الصلة الجامعة بين المعاني .
3 - أن هذا المعنى يمكن أن نجده متحققا بصورة مباشرة في الجذر اللغوي واستعمالاته ، وكذلك يمكن أن نلمحه بصورة تحتاج إلى تأمل وإعمال فكر فيه في بعض الأحيان.


ـ منهج ابن فارس في بيان الدلالة المحورية في معجم مقاييس اللغة
لا شك في أن مجموع الخطوات العلمية التي يسلكها الباحث للوصول إلى حقيقة معينة تعد ركيزة العمل ، وهذه الخطوات العلمية المنظمة في البحث توجدها التجربة المستمرة والتفكير العقلي ، في سبيل الوصول إلى ما ينبغي أن يكون وقد سلك ابن فارس منهجا في رسم ملامح الدلالة المحورية في معجم مقاييس اللغة يمكن توضيحه على الشكل الاتي:
لقد استند أحمد بن فارس وغيره من اللغويين والمعجميين العرب القدامى
ـ رحمهم الله ـ إلى نظرية دلالية مفادها أن كل جذر، ثنائيا كان أو ثلاثيا أو رباعيا، يحمل معنى أصليا عاما ((وأحيانا أكثر من معنى أصلي عام واحد)) ولكن لم تتجاوز أصول ابن فارس التي حددها لمواده اللغوية الستة( 29) ، وأقترح أن تسمى هذه الظاهر بالدلالة المحورية للجذر اللغوي أو ((الاشتراك الجذري)) تمييزا لها عن ظاهرة الاشتراك اللفظي، إن لم تكن سميت بهذا الاسم من قبل . ويتجلى المعنى المحوري للجذر في جميع الألفاظ المشتقة من ذلك الجذر. وإضافة إلى ذلك، فإن كل لفظ من تلك الألفاظ له معنى خاص به. فضلا عن ذلك ، فإن كل لفظ يصاغ على وزن معين من أوزان الصرف العربي، والوزن ذاته يحمل معنى خاصا به. وهكذا يتكون معنى اللفظ من حاصل الجمع الدلالي، لا الحسابي، للمعاني الثلاثة. وبعبارة أخرى:
معنى اللفظ= المعنى المحوري للجذر + المعنى الصرفي + المعنى الخاص للفظ
ولنضرب مثلا على تجليات المعنى المحوري للجذر في مشتقاته بالجذر
(ع ب ر). فالمعنى المحوري لهذا الجذر يفيد (النفوذ والمضيّ في الشىء). قال ابن فارس (عبر) ((العين والباء والراء أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على النفوذ والمضيّ في الشىء )) ( 30)
- يقال: عَبَرت النّهرَ عُبُورًا، وعَبْر النهر: شَطُّه
- وناقةٌ عُبْرُ أسفارٍ: لا يزال يُسافَرُ عليها
- والمَعْبَر: شطّ نهرٍ هُيّء للعُبور.
- والمِعْبَر: سفينة يُعبَر عليها النّهر؛
- ورجل عابرُ سبيلٍ، أي مارّ،
- و عَبْرَة الدمع: جَرْيُه (لأنَّ الدّمع يعبُرُ، أي ينفُذ ويَجري)
ونجد هذا المعنى في الألفاظ المشتقة من ذلك الجذر مثل:
ï‚§ عبور: الانتقال من ناحية إلى أخرى مثل عبور النهر أو الجسر، الخ.
ï‚§ عبرة : الدمعة التي تنتقل من العين إلى الخد (أما إذا ترقرقت الدمعة في العين لم تجتازها فهي لسيت بعبرة)
ï‚§ عبير: الرائحة التي تفوح فتنتقل من مصدرها إلى المتلقي.
ï‚§ تعبير: الفكرة التي تنتقل من ذهن المتكلم إلى لسانه وتخرج على شكل كلام.
ï‚§ عبرة: الخبرة أو الاعتبار الذي ينتقل من تجربة فرد إلى فرد آخر.
فالمعنى المحوري للجذر (ع ب ر) وهي النفوذ والمضيّ في الشيء تتجلى في الألفاظ المذكورة في أعلاه.
وقد اعتمد ابن فارس في جميع كتابه منهجا واحدا في جميع مدلولات اللفظة الواحدة المتفرقة من شواهدها بضمها بعضها إلى بعض و جعل ما تقارب منها أصلا واحدا بفروع وما تناثر منها أصولا مختلفة فهو لم يجمع كل الكلمات في معجم مقاييس اللغة فالمعجم ليس معجما احصائيا لمفردات اللغة كما قد يتوهم بعضهم بل هو معجم يعنى بالدلالة بالدرجة الأساس وبتتبع ظواهرها .
فهو يذكر جذر ما مثل (أحّ) فيقول عنه((للهمزة والحاء أصلٌ واحد، وهو حكاية السُّعال وما أشبهه من عطَشٍ وغيظٍ، وكلُّه قريبٌ بعضه من بعض))(31).فكأنه قد أحس أن حكاية صوت السعال تشبه حكاية صوت العطش أو المغتاظ وهي إضافة إلى ذلك تنتمي إلى حقل الأصوات ، وكذلك الجذر (كفر) الذي يقول عنه ((الكاف والفاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنىً واحد، وهو السَّتْر والتَّغطية. يقال لمن غطّى دِرعَه بثوبٍ: قد كَفَر دِرعَه، والمُكَفّر: الرّجل المتغطّي بسلاحه ، ... يقال: إنَّ الكافر: مَغِيب الشَّمس، ويقال: بل الكافر: البحر، ... والنهر العظيم كافر، تشبيهٌ بالبحر، ويقال للزَّارع كافر، لأنَّه يُغطّى الحبَّ بتُراب الأرض ... ورَمادٌ مكفور: سَفَت الرّيحُ الترابَ عليه حتى غطَّتْه، والكُفْر: ضِدّ الإيمان، سمّي لأنّه تَغْطِيَةُ الحقّ، وكذلك كُفْران النّعمة: جُحودها وسَترُها؛ والكافور: كِمُّ العِنَب قبل أن يُنوّر، وسمّي كافورًا لأنّه كفَر الوَلِيع، أي غطّاه،...))(32 ) . وقد يأتي ابن فارس إلى جذر كثير المدلولات متقاربتها فيجمع بين المدلولات بطريقة التطور الدلالي ، بلطف الصنعة ويسرها من غير أن يجعل القارئ يمله أو يشعر بذلك التعسف المقيت مثل الجذر (حجر) قال ابن فارس((الحاء والجيم والراء أصلٌ واحد مطَّرد، وهو المنْع والإحاطة على الشيء: فالحَجْر حَجْر الإنسان، وقد تكسر حاؤه. ويقال حَجَر الحاكمُ على السَّفيه حَجْراً، وذلك منْعُه إيَّاه من التصرُّف في ماله؛ والعَقْل يسمَّى حِجْراً لأنّه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، كما سُمّي عَقْلاً تشبيهاً بالعِقال، قال الله تعالى{هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْر} (الفجر5). وَحَجْرٌ: قصَبة اليمامة. وَالحَجَر معروف، وأحسب أن الباب كله محمول عليه ومأخوذ منه لشدته وصلابته))(33).
ويمكن أن نجد أحمد بن فارس قد بيّن المعنى المحوري في معجم مقاييس اللغة في مسائل مهمة منها أسباب تعدد المعنى المحوري للجذر اللغوي الواحد إذ وجدنا أن الدلالة المحورية قد تتعدد عند أحمد بن فارس تبعا لتعدد الأصول أو أن الأصل الواحد قد يكون له عدة دلالات محورية وعند ملاحظة هذا التعدد نجده يرجع إلى الأسباب التي قد تكون أسباب عامة ترجع للتطوري الدلالي وأسبابه التي ترجع إلى الاستعمال والحاجة( 34)وأسباب خاصة ترجع إلى تباين في الحقل الدلالي لكل أصل من الأصول، فعد كل جذر دل على أكثر من معنى وكانت المعاني مترابطة أو بينهما علاقة عده أصلا واحدا فيما فرق بين مدلولات لجذر واحد التي لا يجمعها حقل دلالي واحد وليس بينهما أية صلة فجعلها أصولا متباينة فإذا أتى بعد ذلك شاهد يعطي مدلولا غريبا لا ينطبق على قياسه ابدى دهشته وربما اتهم قائله. من ذلك ما قاله في الجذر(أزب)((الهمزة والزاء والباء أصلان: القِصَر والدقّة ونحوهما، والأصل الآخر النَّشاط والصَّخَب في بَغْي))( 35). وواضح من تفريق احمد بن فارس للمدلولين أنهما لا ينتميان الى حقل دلالي واحد فالاول منها حسي والثاني معنوي ولا توجد أية علاقة بين المدلولين ولا يمكن الجمع بينهما بدلالة محورية تضمهما. وكذلك ما قاله في الجذر(بهش)، إذ يرى أن له أصلين يدل احدهما على شِبْه الفَرَح، والآخر جِنْسٌ من الشَّجَر( 36) . فالأول منهما معنوي والثاني حسي ولا توجد أية علاقة بين المدلولين ولا يمكن الجمع بينهما بدلالة محورية تضمهما . لذلك عمد إلى إعطاء كل أصل دلالة محورية خاصة به تنطلق مع ما يجمعه من معان لها وعلى هذه الشاكلة كثير من الأصول التي عد لها أكل من أصل. ومنها ما جعل لها ثلاثة أصول أو أكثر متباينة من ذلك الجذر(بهل)((الباء والهاء واللام أصول ثلاثة: أحدهما التّخلية، والثاني جِنْسٌ من الدُّعاء، والثالث قِلَّةٌ في الماء))(37 ). وكذلك في الجذر(بضع)((الباء والضاد والعين أصولٌ ثلاثة: الأوّل الطَّائفة من الشَّيء عضواً أو غيرَه، والثاني بُقْعة، والثالث أن يشفى شيء بكلامٍ أو غيره))(38 ).وواضح من الأمثلة أن بين هذه المدلولات اختلاف وانعدام في العلاقة كان سببا في جعلها أصولا ثلاثة وكأن أحمد بن فارس كان يتلمس الحقول الدلالية التي تنتمي إليها الأصول .
وعندما يأتي إلى جذر ذي أصول متباعدة يأنس بينها تقاربا قليلا في المعنى يجعله يذكر إمكانية الجمع بينهما بالمعنى المحوري من ذلك الجذر(أجر)((الهمزة والجيم والراء أصلان يمكن الجمعُ بينهما بالمعنى، فالأول الكِراء على العمل، والثاني جَبْر العظم الكَسِير. فأمَّا الكِراء فالأَجْرَ والأُجْرة، وكان الخليل يقول: الأجر جزاء العمل، والفعل أَجَرَ يَأْجُرُ أَجْراً، والمفعول مأجور. والأجير: المستأجَر، والإِجارة: ما أعطيتَ مِنْ أجرٍ في عمل. .... وأمَّا جَبْر العظم فيقال منه أُجِرَتْ يدهُ، وناسٌ يقولون أَجَرَتْ يَدَه. فهذان الأصلان، والمعنى الجامع بينهما أنَّ أجْرَة العامِلِ كأنّها شيءٌ يُجْبر به حالُه فيما لحِقه من كَدَ فيما عمله...))( 39) .
فقد جمع ابن فارس بذوقه اللغوي بين مدلولين بجعل جبر العظم معنى حقيقيا والكراء على العمل معنى مجازيا منتقلا إليه لعلاقة المشابهة بينهما في حين يشغلان حيزا واحدا في حسه اللغوي . فعلاقة المدلولات بعضها مع بعض تؤثر بعلاقة الدلالات التي ترمز إليها ، فالدلالات المتقاربة او التي ترتبط فيما بينها بعلاقة ما تشكل ذريعة لاعطائها معنى محوريا يرجع الكل إليه.
وكان يجمع المدلولات المختلفة المتقاربة والمتباعدة ويبين طرق انتقال المعنى ومراحله فان شذ مدلول للجذر لا ينطبق على مقاييسه التي استنبطها بإمعان النظر أقر بشذوذه أو أقر بأنه لا يعرف أصله ، وسماها ابن فارس (الكلمات الشاذة عن الأصل) والمقصود بها هو عدم اتفاق معانيها مع الدلالة المحورية التي حددها للجذر اللغوي ، اما الذي سوغ وجودها ضمن هذه المادة فهو اتفاقها معها من جهة اللفظ حسب ، وكانت الألفاظ الشاذة عن الأصل قليلة مقارنة بالألفاظ المنقاسة ، واعتاد ابن فارس إيرادها غالبا في نهاية المادة اللغوية ، من ذلك قوله في (دبر) ((الدال والباء والراء أصل هذا الباب أن أجله في قياس واحد ، وهو آخر الشيء وخلفه وخلاف قبله .... وأما الكلمات الأخر فأراها شاذة عن الأصل الذي ذكرناه...))( 40) وإقرار ابن فارس بأنه شاذ لا يعرف أصله هو إقرار يوجهه الدارسون المحدثون على أن كثيرا من مراحل تطور اللغة مجهولة لدينا فربما تم هذا الانتقال خلال مراحل كثيرة فقد بعضها وتباعدت المدلولات بحيث تعذر على أحمد بن فارس إيجاد الصلة الجامعة بينها.

ـ الدلالة المحورية والاشتقاق الصغير عند ابن جني(392هـ)
يُعدُّ موضوع الاشتقاق من أغزر الموضوعات اهتماما وأوفرها رعاية في نطاق البحث اللغوي؛ إذ لا يكاد يخلو مدون تخصصي في اللغة من مبحث تحت عنوان (الاشتقاق) ذلك بأنه من أكبر الحيثيات القياسية التي تمد اللغة بجملة مفردات لايجد المتكلم إليها سبيلا بسواه، حيث يعتمر المعنى المطلوب بشكل دقيق ومنضبط في اللفظ المشتَق الذي ينتقيه المُستعمل، وهذا كله لابد من أن يجري على وفق حدود قياسية خاصة؛ إذ ((ليس الاشتقاق بمنأى عن القياس بل بينهما وشيجة وثيقة))( 41) فصلة الاشتقاق إلى القياس كصلة النظرية إلى التطبيق والمنطق إلى الواقع العملي فلا وجود للاشتقاق بلا قياس ((تُبنى عليه هذه العملية ليصير مقبولا معترفا به لدى علماء اللغة))( 42) . إذ الاشتقاق ((أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية وهيئة تركيب لها ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفًا أو هيئة))( 43) .
واذا كان الاشتقاق يعدّ الحيثية الأوسع نطاقا في مجال التداول اللغوي فمن البداهة أن يضطلع فيه ابن جني مصنفا إياه على صنفين بعد أن شاع قبله لدى العلماء والعامة بصنف واحد وهو (الاشتقاق الصغير)، على حين أن ابن جني كان أعمق نظرا من سابقيه، حيث كان يرى أن الاشتقاق على ضربين؛ إذ يقول ((إن الاشتقاق عندي على ضربين: كبير وصغير))(44)، فنلحظ أن لفظة (عندي) في النص تؤشر على ان الاشتقاق عند غيره ليس على هذين الصنفين، وقد أكد هذا في مطلع كلامه عن الاشتقاق الأكبر صراحة بقوله ((هذا موضع لم يُسَمِّه أحد من أصحابنا، غير أن أبا علي – رحمه الله- كان يستعين به ويخلد إليه مع إعوار الاشتقاق الأصغر، لكنه مع هذا لم يُسَمِّه، وإنما كان يعتادُه عند الضرورة ويستريح اليه، ويتعلَّل به، وإنما هذا التقليب لنا نحن))(45 ) فنجده ينسب تأصيل مفهوم الاشتقاق الأكبر لنفسه، وأنه أول من خاض فيه تفصيلا وتنظيرا فلم يسبقه اليه أحد ولم يؤثر عن غيره سوى أن أبا علي الفارسي كان يستأنس به ويستعين به عند الحاجة وهذا يوحي أن أبا علي لم يكن يعده ركنا من أركان الاشتقاق حتى أنه لم يُسَمِّهِ البتة، فهو في تقديره ثانوي القيمة لا يلتجأ إليه إلا عند الضرورات كما هو تعبير ابن جني، وهذا يأخذ بأيدينا إلى الإيمان بريادة ابن جني في مجال التأسيس لمفهوم الاشتقاق الأكبر، فالسابقون عليه لم يتطرقوا إلى هذا الصنف الاشتقاقي بدلالة قوله على سبيل التصريح والحصر معا ((وإنما هذا التقليب لنا نحن))، وعلى الرغم من شدة إعجابه بالاشتقاق الأكبر لابتداعه وتقدّمه فيه فإنه تحدَّث ابتداءً عن الاشتقاق الصغير بوصفه الأكثر شيوعاً وتداولاً بين الناس، يقول ((فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغُه ومبانيه وذلك كترتيب (س ل م) فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرف؛ نحو: سلم، ويسلم، وسالم، وسلمان، وسلمى، والسلامة، والسليم: اللديغ، أُطلق عليه تفاؤلا بالسلامة))( 46) فنلحظ أن ابن جني جعل بمقتضى مفهوم الاشتقاق الصغير أن تكون جميع المباني المختلفة في صيغها والعائدة إلى أصل واحد راجعة – في الأساس- إلى المعنى نفسه الذي يحتويه الأصل المُشتقَّة منه، فكأن الرابط المشترك بين هذه الصور البنائية المشتقة جميعاً هو المعنى الجوهري الموَحَّد لها وهو (السلامة) كما في مثاله السابق.
بيد أن هذه الصيغ المختلفة قد أفضت إلى دلالات إضافية على المعنى الأصل الذي راح يتوضع بتغاير الوعاء الصرفي له، والأظهر أن هذه هي مظنة الفائدة من الاشتقاق الصغير، فإنك تنتقي البناء الصرفي المتناغم والدلالة التي تسعى من وراء إبلاغها إلى المتلقي، فتُلبِسَها الأصل اللفظي الذي تريد فيغدو اللفظ من هذه العملية ثنائي الدلالة في التعبير (دلالة أصلية وأخرى ثانوية).



التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 05-26-2017 الساعة 03:07 PM

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-26-2017 - 03:06 PM ]


فالأولى هي دلالة الأصل المأخوذ منه، والثانية هي دلالة البناء الصرفي التي حَلَّت فيه، وعلى سبيل المثال نأخذ الأصل (ك ذ ب) ونُعمِل فيه الاشتقاق الصغير لتنتج منه صيغ عدة نوظِّفها كالآتي (كذَبَ زيدٌ)، (كّذَّب زيدٌ)، (تكاذبَ زيدٌ)، (زيدٌ كاذبٌ)، (زيدٌ كذَّابٌ)، وهكذا، فإذا ما اخضعنا هذه الصيغ المتنوعة إلى عملية رصد دلالي فإنا نقف على دلالات متنوعة بتنوع هذه الصيغ، لا نتوافر عليها لو نظرنا إلى الأصل (ك ذ ب) بمعزل عن عملية الاشتقاق؛ لذا نلحظ أن ثمة معاني قد تبدَّلت من جملة إلى أخرى، فالجملة الأولى تدل على أن زيد قد وقع منه الكذب في زمن مضى، والثانية توحي إلى أن زيد قد كذب في الزمن الماضي ايضا بيد أن كذبه هذا كثيرٌ متعددُ الوقوع فكانت بذلك صيغة (كذَّب) أشد وقعا من حيث الدلالة من صيغة (كذبَ) وحدها، أما الثالثة فهي تعني أن زيدا يُظهِر نفسه على أنه كاذب فهو يتمظهر بالكذب لكنه ليس بكاذب في حقيقته، أما الرابعة فتدل على ثبوت صفة الكذب في زيد على حين أن الأخيرة لا تدل على ثبوت الكذب في زيد فحسب؛ بل تنصُّ على أن زيداً مفرِّط في كذبه مبالغ فيه حتى لكأن الكذب حرِفة يُعرَف بها، أما قولك (زيد الأكذب) فإن صيغة (الأفعل) فيها تدل على مطلق الكذب فلا يوجد بعد زيد كاذب يدانيه في هذه الصفة ألبتة، ومن العرض السابق للجمل ننتهي إلى أن الدلالات التي زيدت على الأصل (ك ذ ب) قد اكتسبت من الاشتقاق الصغير فتمثَّلت بالهيآت المتنوعة، إلا ان هذه الصيغ جميعاً تتحدُ في عمقِها الدلالي بمعنى جوهري واحد وهو صفة (الكذب) – المعنى الموحَّد- ومن هنا حَمَلَ المشتَقُ دلالتين (دلالة المعنى العام او الأصل، ودلالة الصيغة الصرفية المشتَقة منه).
لعلَّ العودة بتأمل الى نصِّ ابن جني في حديثه عن الاشتقاق الصغير تكشف لنا لمحة ضمنيّة تُشير إلى سمة المفردات في نشأتها الأولى ، يقول هي ((أن تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه)) فنستشف من تعبيره بلفظة (الأصل)أنها تُمَثِّلُ اللبنة الأولى لعملية الاشتقاق أو المادة الأوليّة الخام له، مما يقودنا إلى التفكير في أصل النشأة الأولى للغة إذ لم تنشأ اللغة إلا على هيأة مفردات (أصول)، ومهما يكن من أمر نظريات نشأة اللغة، فانها جميعاً تقف عند حدود المفرادت الأولى، ولا يختلف علماء اللغة في أن التركيب اللغوي من تلك المفردات هو من فِعْلِ الإنسانِ حصراً، فنجد ((أن واضع اللغة لم يضع الجُمل كما وضع المفردات؛ بل ترك الجُمل الى اختيار المتكلم يبين ذلك لك ان حال الجُمل لو كان حال المفردات لكان استعمال الجُمل وفهم معانيها متوقفاً على نقلها عن العرب، كما كانت المفردات كذلك و لوجب على أهل اللغة ان يتتبعوا الجُمل ويودِعُوها كتُبَهم، كما فعلوا ذلك بالمفردات، إنّنا لا نسلم ان افادت المركب لمدلولاته تتوقف على العلم بكونه موضوعاً له؛ بل على العلم بأن الألفاظ المفردة موضوعة للمعاني المفردة حتى إذا تُليت المعاني المفردة عُلِمت مفرداتُ المعاني منها))(47 ) مما تقدم نفهم أن المفردات (الأصل) هي أول ما وضِعَت للمعاني فكل مفردة تدل على معنى ولا يسعنا فهم معنى التركيب اللغوي وبلوغ مدلولاته من دون معرفة سابقه بمعنى كل مفردة تَكَوَّن منها التركيب، فدل ذلك على أسبقية المفردات على التراكيب. إذ إن مفردات الأسرة اللفظية تشترك في معنى عام واحد يخصص في كل مفردة طبقا لمعنى وزنها الصرفي. وتجدر الإشارة إلى أن المعنى العام للأسرة اللفظية ليس مطابقا تماما للمعنى المحوري للجذر، الذي سبق الحديث عنه. فالمعنى الأخير يمكن أن تقتسمه أكثر من أسرة لفظية واحدة، و أن الجذر يمكن أن يكون له أكثر من معنى أصلي واحد. فالمعنى العام للأسرة اللفظية يظهر في مفرداتها بصورة أقوى وأوضح من تجلي المعنى المحوري للجذر في الأسر اللفظية المشتقة منه. ولنضرب مثلا للفرق بين المعنى المحوري للجذر، والمعنى العام للأسرة اللفظية، والمعنى الوزني (أو الصرفي) للمفردة أو اللفظ، بكلمة (اعتبر):
المعنى المحوري للجذر:الاجتيار أو الانتقال من شخص إلى آخر.
المعنى العام للأسرة اللفظية: الاتعاظ
المعنى الصرفي للفظ : فعل ماض مفرد مذكر.
ويكون معنى الكلمة (اعتبر) حاصل الجمع الدلالي للمعاني الثلاثة المدرجة أعلاه،ويمكن تمثيل العلاقات الدلالية المتشابكة بالمخطط التالي:

--------------------------
(1 ) ينظر: في اللهجات العربية 199.
(2 ) معجم مقاييس اللغة ـ المقدمة ـ 1/1.
(3 )علم الدلالة ـ عمر ـ 33 .
(4 )اللغة العربية معناها ومبناها ـ تمام ـ 39.
(5 )علم الدلالة ـ عمر ـ 72 .
(6 )اللغة والمعنى والسياق ـ لا ينز ـ 83 .
( 7)منهج البحث اللغوي ـ زوين ـ 94 .
(8 )مبادئ النقد الادبي ـ ريتشاردزـ236 .
( 9)اللغة 228.
( 10)علم الدلالة ـ عمر ـ 36-37-38-39 و علم الدلالة ـ منقور ـ 68-69.
( 11)علم الدلالة ـ عمر ـ 36-37-38-39.
( 12) علم الدلالة ـ عمر ـ 36-41.
(13 ) علم الدلالة ـ منقور ـ 68-69.
( 14) اللغة والمعنى والسياق 24 ، 87 ، النحو والدلالة 52-53.
( 15) علم الدلالة ـ عمر ـ 36 -41 .
(16 ) علم الدلالة ـ عمر ـ 40- 41 .
(17 ) معجم مقاييس اللغة (هف)6/10.
(18 ) معجم مقاييس اللغة (عقم) 4/75.
( 19) معجم مقاييس اللغة (عمد)4/137.
(20 ) معجم مقاييس اللغة (عمد)4/137.
( 21) معجم مقاييس اللغة (جبر)1/502
(22 ) معجم مقاييس اللغة (جبر)1/502
( 23) لسان العرب (جبر)4/112
( 24) العين (جبر) ولسان العرب (جبر)4/113 .
( 25) الصحاح (جبر) و لسان العرب (جبر)4/113 .
(26 ) لسان العرب (جبر)4/113 .
(27 )الصحاح (جبر) و لسان العرب (جبر)4/113 .
( 28)معجم مقاييس اللغة صفر 3/294.
( 29) معجم مقاييس اللغة (عبر)4/207.
( 30) معجم مقاييس اللغة (أحّ)1/9.
(31 ) معجم مقاييس اللغة (كفر)5/191
(32 ) معجم مقاييس اللغة (حجر)2/138.
( 33) ينظر: دلالة الالفاظ ـ انيس ـ 134 ، علم الدلالة ـ عمر ـ 237 -242 .
(34 ) معجم مقاييس اللغة (أزب)1/100.
(35 ) معجم مقاييس اللغة (بهش)1/309.
(36 ) معجم مقاييس اللغة (بهل)1/310.
(37 ) معجم مقاييس اللغة (بضع)1/254.
(38 ) معجم مقاييس اللغة (أجر)1/62.
( 39)معجم مقاييس اللغة(دبر) 2/324.
( 40) فقه اللغة العربية ـ كاصد ـ 296
(41 )فقه اللغة العربية ـ كاصد ـ 296
(42 ) المزهر 1/346.
(43 )الخصائص: 2/135
(44 )الخصائص: 2/135
( 45)الخصائص: 2/136
( 46)المزهر: 1/40- 41
( 47) معجم مقاييس اللغة ـ مقدمة الناشر ـ معنى المقاييس ـ1/39. و ظ: مصادر التراث

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-26-2017 - 06:36 PM ]


من موقع المكتبة الوقفيّة :
عنوان الكتاب: معجم مقاييس اللغة
المؤلف: أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين
المحقق: عبد السلام محمد هارون
حالة الفهرسة: غير مفهرس
الناشر: دار الفكر
سنة النشر: 1399 - 1979
عدد المجلدات: 6
الحجم (بالميجا): 49
تاريخ إضافته: 31 / 10 / 2009
شوهد: 140075 مرة
رابط التحميل من موقع Archivehttps://archive.org/details/mmlmml
التحميل المباشر:
مجلد 1http://www.archive.org/download/mmlmml/mml1.pdf
مجلد 2http://www.archive.org/download/mmlmml/mml2.pdf
مجلد 3 http://www.archive.org/download/mmlmml/mml3.pdf
مجلد 4 http://www.archive.org/download/mmlmml/mml4.pdf
مجلد 5 http://www.archive.org/download/mmlmml/mml5.pdf
مجلد 6 http://www.archive.org/download/mmlmml/mml6.pdf
مقدمةhttp://www.archive.org/download/mmlmml/mml1p.pdf
الواجهة http://www.archive.org/download/mmlmml/mml0.pdf
(نسخة للشاملة) http://shamela.ws/books/217/21710.rar


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية (6): معجم مقاييس اللغة لابن فارس مصطفى شعبان مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) 0 06-03-2017 07:21 AM


الساعة الآن 04:02 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by