mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي قضية الاحتجاج للنحو واللغة

كُتب : [ 03-06-2017 - 10:23 AM ]


قضية الاحتجاج للنحو واللغة*
أ.د. حمزة بن قبلان المزيني

ملخص
تعد قضية الاحتجاج للنحو واللغة من القضايا المركزية في الدراسات العربية. ذلك أنها حدَّدت صورةَ اللغة العربية المعيار التي يجب أن تحتذى. ويحاول هذا البحث أن يدلل على أن النظرة السائدة للشواهد النحوية واللغوية لا تتطابق بالضرورة مع عمل العلماء العرب الأوائل. كما أن هذه الصورة النمطية مؤسسة على بعض المحاولات القديمة التي سعت لتصوير البنية النظرية التي قامت عليها الدراسات النحوية واللغوية. ومن أشهر هذه المحاولات ما قام به الفارابي في تنظيره لعمل العلماء العرب القدماء.
فمن أهم ما تتميز به النظرية اللغوية العربية القديمة، في رأيه، قَصْر الاحتجاج على لغة البدو. وقد انتقل هذا التصور النظري إلى من جاء بعده حتى أصبح أشهر المسلمات. لكن إذا تأملنا المصادر اللغوية والنحوية المبكرة، فإننا نجد أنها تخالف هذه الصورة النمطية. فصحيح أن سيبويه كان في كتابه وصفيًّا ومعياريًّا أحيانا، لكن همَّه الأول إنما كان التنظيرَ لمعرفة العربي للغته. فوظيفة الشواهد عنده اختبار تلك المعرفة. فلم يكن قصده هو والعلماء الأوائل تحديد من يحتج به ومن لا يحتج به فحسب. ذلك ما يجعل إعادة النظر في المقولات التقليدية عن تلك الفترة التأسيسية للدراسات النحوية واللغوية أمرًا ضروريّا.

في قضية الاحتجاج:

تعد قضية الاحتجاج واحدة من المسائل المهمة في الدراسة اللغوية العربية قديمًا وحديثا. فقد استقر في الأذهان أن العلماء العرب قعّدوا للغتهم خوفًا عليها من الفساد الذي أصابها بسبب دخول غير العرب الإسلام. إذ نتج عن خطأ هؤلاء في استعمالها ما يشبه الانهيار الكامل للنظام اللغوي العربي. وعمد العلماء العرب القدماء ـ كما يقال ـ إلى استخراج قواعد اللغة في الأصوات والصرف والنحو والمعجم والدلالة من مادة لغوية حرصوا على أخذها من مصادر لم يصبها هذا الفساد. ومبالغة في الحرص على تحصين اللغة من كل فساد أوقفوا الاستشهاد بالكلام العربي الذي جاء بعد فترة رأوا أنها حد فاصل بين الفصاحة العربية والفساد الذي جاء به المولََّدون. ويبدو أن كثيرًا من المعالجات لهذه القضية في القديم والحديث أخذت هذه الأفكار كأنها مسلمات.
وسأحاول هنا أن أعرض لهذه القضية وأبيّن أن هذه الأفكار مما يمكن التشكيك فيه، فهي ليست حقائق. وسأتناول بالتفصيل هذه الأفكار مبينًا أن كثيرًا منها لا يعدو أن يكون انطباعات نجد مثيلاً لها في الحضارات الأخرى التي دُرست فيها هذه القضية. كما أن فيما أورده العلماء العرب القدماء أدلة كافية تجعل من المواقف التقليدية من هذه القضية جزءًا واحدًا مما كان سائدًا من مواقف. بل نجد أن في التراث اللغوي والنحوي مقولات كثيرة تناقض تلك المواقف السائدة.
كما تُبيِّن المصادر النحوية واللغوية العربية نفسها عدمَ دقة المواقف السائدة في قضية الاستشهاد، إذ نجد أن هذه المصادر لم تتعامل مع هذه القضية بالطريقة التي توحي بها هذه المقولات، وكانت وظيفة الشواهد في هذه المصادر تختلف اختلافًا كبيرًا عن الوظيفة التي يُظن أنها جاءت من أجلها.
ويشتمل البحث على إيراد المواقف التقليدية بشأن هذه القضية ثم عرضها في ضوء المصادر الأساسية. ويعالج من بعد ذلك الظروف الاجتماعية والعلمية التي نشأت فيها هذه المقولات. وللتدليل على عدم دقة تلك المقولات التقليدية سيقارن بينها وبين المواقف الشبيهة في اللغات الأخرى وهي التي بحثت من قبل وبُيِّن أنها ليست صحيحة ويُختتم بفحص كتاب سيبويه لكي نرى وظيفة الشواهد فيه.

نص الفارابي:

من النصوص التي سيطرت على الفكر اللغوي العربي في القديم والحديث ما أورده أبو نصر الفارابي في كتابه الألفاظ والحروف واصفًا فيه منهج العلماء العرب الأوائل في تقعيد اللغة. وقبل إيراد النص ينبغي أن ننظر في السياق الذي ورد فيه.
مهّد الفارابي لهذا النص بوضع نظرية يفسر فيها حدوث الخطأ في اللغة يقول:
"وقد يجب لذلك أن يعلم من الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم لسان تلك الأمة. فنقول إنه ينبغي أن يؤخذ عن الذين تمكنت عاداتهم لهم على طول الزمان في ألسنتهم وأنفسهم تمكنًا يحصنون به عن تخيل حروف سوى حروفهم والنطق بها، وعن تحصيل ألفاظ سوى المركبة عن حروفهم وعن النطق بها ممن لم يسمع غير لسانهم ولغتهم أو ممن سمعها وجفا ذهنه عن تخيلها ولسانه عن النطق بها. وأما من كان لسانه مطاوعًا على النطق بأي حرف شاء مما هو خارج عن حروفهم وبأي لفظ شاء من الألفاظ المركبة عن حروف غير حروفهم وبأي قول شاء من الأقاويل المركبة من ألفاظ سوى ألفاظهم فإنه لا يؤمن أن يجري على لسانه ما هو خارج عن عاداتهم الممكنة الأولى فيعود ما قد جرى على لسانه فتصير عبارته خارجة عن عبارة الأمة ويكون خطأ ولحنًا وغير فصيح. فإن كان مع ذلك قد خالط غيرهم من الأمم وسمع ألسنتهم أو نطق بها كان الخطأ منه أقرب وأحرى، ولم يؤمن بما يوجد في عادته أنه لغير تلك الأمة التي هو منهم. وكذلك الذين كانوا يحصنون عن النطق وعن تحصيل حروف سائر الأمم وألفاظهم ـ إذ كانوا يحصنون عما لم يكن عودوه أولاً من مخالفة أشكال ألفاظهم وإعرابها ـ إذا كثرت مخالطتهم لسائر الأمم وسماعهم بحروفهم وألفاظهم، لم يؤمن عليه أن تتغير عادته الأولى ويتمكن فيه ما يسمعه منهم فيصير بحيث لا يوثق بما يسمع منه(1).
ويستمر الفارابي في تحديد هذا الإطار النظري قائلا:

"ولما كان سكان البرية في بيوت الشعر أو الصوف أو الخيام والأحسية [الأخبية] من كل أمة أجفى وأبعد من أن يتركوا ما قد تمكن بالعادة فيهم وأحرى أن يحصنوا نفوسهم عن تخيل حروف سائر الأمم وألفاظهم وألسنتهم عن النطق بها وأحرى ألا يخالطهم غيرهم من الأمم للتوحش والجفاء الذي فيهم، وكان سكان المدن والقرى وبيوت المدر منهم أطبع وكانت نفوسهم أشد انقياداً لتفهم ما لم يتعودوه ولتصوره وتخيله وألسنتهم للنطق بما لم يتعودوه، كان الأفضل أن تؤخذ لغات الأمة عن سكان البراري منهم متى كانت الأمم فيهم هاتان الطائفتان. ويتحرى منهم من كان في أوسط بلادهم فإن من كان في الأطراف منهم أحرى أن يخالطوا مجاوريهم من الأمم فتختلط لغاتهم بلغات أولئك، وأن يتخيلوا عجمة من يجاورهم. فإنهم إذا عاملوهم احتاج أولئك أن يتكلموا بلغة غريبة عن ألسنتهم، فلا يطاوعهم على كثير من حروف هؤلاء، فيلتجؤوا إلى أن يعبروا بما يتأتى لهم ويتركوا ما يعسر عليهم. فتكون ألفاظهم عسيرة قبيحة وتوجد فيها لكنة وعجمة مأخوذة من لغات أولئك. فإذا كثر سماع هؤلاء ممن جاورهم من هذه الأمم للخطأ وتعودوا أن يفهموه على أنه من الصواب لم يؤمن تغير عادتهم، فلذلك ليس ينبغي أن تؤخذ عنهم اللغة ومن لم يكن فيهم سكان البراري أخذت عن أوسطهم سكنا"(2).
ومن هذا يتبين أن الفارابي يرى أن المصدر الوحيد للخطأ في اللغة هو التأثير الخارجي.
وبعد أن ينتهي الفارابي من هذا التأطير النظري الذي يحدد من يمكن أن تؤخذ عنه اللغة يبرهن عليه بما يرى أن العلماء العرب الأوائل قاموا به عند تدوينهم اللغة العربية وتقعيدها، فيقول:
"وأنت تتبين ذلك متى تأملت أمر العرب في هذه الأشياء. فإن فيهم سكان البراري وفيهم سكان الأمصار. وأكثر ما تشاغلوا بذلك من سنة تسعين إلى مائتين. وكان الذي تولى ذلك منهم من بين الأمصار أهل الكوفة والبصرة من أرض العراق. فتعلموا لغتهم والفصيح منها من سكان البراري منهم دون الحضر، ثم من سكان البراري من كان في أواسط بلادهم ومن أشدهم توحشًا وجفاء وأبعدهم إذعانًا وانقيادا، وهم قيس وتميم وأسد وطيء ثم هذيل، فإن هؤلاء هم معظم من نقل عنه لسان العرب. والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء لأنهم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطيفة بهم من الحبشة والهند والفرس والسريانيين وأهل الشام وأهل مصر"(3).
ويمثل هذا الإطار النظري النظرة السائدة في الثقافة العربية. فهو يلخصها ويصوغها في شكل نظرية تفسر ما قام به العلماء العرب الأوائل وتُعَقلِن منهجَهم. وقد رسم هذا النص الصورة التي رسخت في أذهان الناس عن اللغة العربية نفسها التي سمعها العلماء الأقدمون، ولا سبيل إلى الكشف عن الصورة الأقرب إلى الحقيقة إلا بمناقشة هذه الصورة وعرضها على ما ورد في المصادر من الأخبار وعلى ما عمله العلماء العرب فعلاً ومقارنة ذلك بما نجده في الحضارات الأخرى.

مدى مطابقة نص الفارابي لما عمله الخليل وسيبويه:

لكي نقوّم نص الفارابي من حيث صحة تصويره لما قام به العلماء العرب، يجب أن نفحص مصدرين مهمين من مصادر الدراسة النحوية واللغوية العربية القديمة، وأول المصدرين كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي وهو أول معجم عربي كما يقال.
فقد استشهد الخليل في العين بالقرآن الكريم وقراءاته المتعددة، واستشهد بما يزيد على ثلاثمائة حديث نبوي وبعدد كبير من أقوال الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء المعاصرين له، كما استشهد بالشعر جاهليِّه وإسلاميه وبشعر المعاصرين له(4). واستشهد بشعره هو(5)، كما أورد مفردات كثيرة وصفها بأنها لغات لبعض القبائل والمدن أو الأقطار وقد ضمّن معجمه كثيرًا من الكلمات المعرّبة، مما يوحي بأنه يعدها داخلة في العربية التي يعدها صحيحة، كما أنه في بعض الأحيان يؤرخ لهذا التعريب ويستشهد عليه بأبيات لبعض الشعراء(6). وتجدر الإشارة إلى أن الخليل ينص في بعض الأحيان على الفصاحة والفصحاء ويصف بعض صيغ الألفاظ بأنها رديئة أو قبيحة، إلا أنه في الغالب الأعم ينظر إلى التنوعات اللغوية الكثيرة على أنها تنتسب إلى شيء واحد هو اللغة العربية. وهذا ما يبينه قوله في مقدمة معجمه: "بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين وهو أقصى الحروف، ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب"(7).

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2017 - 10:28 AM ]


أما سيبويه، فإن كتابه شاهد على عدم دقة وصف الفارابي. فقد استشهد سيبويه بشعراء نص الفارابي (كما يبدو نَصُّه في المزهر للسيوطي)(8) على عدم استشهاد العلماء العرب بقبائلهم. ومن ذلك قول الفارابي بعدم أخذهم عن قضاعة مع أن سيبويه استشهد بتسعة شعراء منها، ونص الفارابي على عدم أخذهم عن ثقيف، واستشهد سيبويه بأربعة شعراء منها، ونص الفارابي على عدم أخذهم من بكر وتغلب، وقد استشهد بعدد كبير منهم، إذ استشهد سيبويه بالأخطل التغلبي وحده في مواضع كثيرة. كما استشهد بشعراء من إياد وغسان وغيرهم مما نص الفارابي على عدم الأخذ منهم. وعلى نقيض ما يقوله الفارابي من عدم أخذهم "عن حضري قط"، استشهد سيبويه بعدد كبير من شعراء مكة والطائف والمدينة والحيرة والبصرة والكوفة(9). فلم يكن نص الفارابي إذن دقيقًا في تصويره لما قام به هذان العالمان الرائدان المؤسسان للدراسة اللغوية والنحوية العربية. وبهذا تسقط دلالة هذا النص. وينبغي عدم الاستدلال به لذلك في الكشف عن منهج العلماء العرب القدماء في تدوينهم للغة وتقعيدهم لها. ولم يكن نص الفارابي إلا تلخيصًا للمواقف التي كانت سائدة في الثقافة العربية. وهي المواقف التي تصوِّرها المصادر العربية المعاصرة لفترة التدوين والتقعيد. وينبغي أن يشار هنا إلى أن هذه المواقف ليست إلا انطباعات وحسب، ولم تكن صادرة عن دراسات مستقصية للوضع اللغوي في تلك الفترة. يضاف إلى ذلك أن وراء كثير من هذه المواقف تقف بعض المؤثرات الذوقية والقومية والجدالية بل والعنصرية في بعض الأحيان.
وسوف أورد فيما يلي بعض النماذج من هذه المقولات وأورد مقولات أخرى تناقضها كانت تعيش جنبًا إلى جنب معها.
ومن أبرز المقولات التي ظهرت عن الوضع اللغوي القول بفصاحة قريش. ويبين نصُّ الفارابي كما يبدو في كتاب المزهر، ومقولة الفراء في المزهر أيضا، والخبر الذي رواه الجاحظ في البيان والتبيين(10)، والخبر نفسه بصيغة مقاربة الذي رواه صاحب الكامل(11) الثناءَ العريض على فصاحة هذه القبيلة. ومع ذلك، يخلو كتاب الخليل من أي نص يوحي بفصاحة قريش، ولا تمثِّل الشواهد من لغة قريش في كتاب سيبويه إلا جزءًا ضئيلا. وللمقارنة فقط فقد استشهد سيبويه بأربعة وعشرين شاعرًا من بكر وتغلب في أكثر من مائة وعشرين موضعا، أما قريش فقد استشهد بأربعة عشر شاعرًا منها في حوالي خمسة وثلاثين موضعا. وترد في بعض المصادر أقوال أخرى تنسب التفوق في الفصاحة إلى قبائل غير قريش. ومن ذلك ما يقوله أبو عمرو بن العلاء بأن أفصح العرب قبائل السراة(12)، كما ورد في العين أن أفصح العرب قعين نصر أو نصر قعين(13)، وهناك نص في "معاني القرآن" للفراء يجعل بني أسد هم الفصحاء(14).
ومن هذا يتبين عدم إجماع المصادر على اختصاص قريش بالفصاحة، بل إن بعضها يجعل هذا الاختصاص لقبائل غيرها. ولو صح اختصاص قريش بالفصاحة لكان هذا متناقضًا مع نص الفارابي الذي يحصر الفصاحة وصفاء اللغة في سكان البراري. ويدل تعدد هذه الأقوال على أنها لم تصدر عن استقصاء للغة، بل لا تزيد هذه الأقوال على كونها انطباعات يطلقها بعض العلماء سنجد مثيلاً لها في بعض الأقوال التي سأعرض لها فيما بعد. ومما يشكك في مثل هذه المقولات، أن المصادر العربية تورد أقوالاً مؤداها أن لغة العرب واحدة لا يفضل بعض القبائل القبائلَ الأخرى فيها، وينظر إليها وحدة واحدة مقابل اللغات الأخرى. ومن هذه المقولات ما يقوله الجاحظ: "والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة وأربت على كل لسان"(15) وقوله: "والعرب كلهم شيء واحد لأن الدار والجزيرة واحدة والأخلاق والشيم واحدة واللغة واحدة"(16).
ومن الأقوال التي يوردها الجاحظ وتدل على الموقف الذي يرى أن العرب لا يفضل بعضهم بعضًا في اللغة ما رواه من شهادة عبد الملك بن عمير (القرشي المتوفى سنة 136هـ) للأحنف بالفصاحة، يقول: "ولكنه كان إذا تكلم جلّى عن نفسه"(17). وبالمقابل يورد شهادة أحد الأعراب لعبد الملك بن عمير هذا بالفصاحة، فيقول: "وتكلم عبد الملك بن عمير وأعرابي حاضر، فقيل له: كيف ترى هذا الكلام؟ فقال: "لو كان كلامٌ يُؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به"(18). فلو كانت الفصاحة مقصورة على أحد لما وجدنا هذا الثناء المتبادل بين شخصين ينتميان إلى قبيلتين مختلفتين. ومن ذلك ما يقوله الجاحظ: "وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام أمتع ولا آنق ولا ألذ في الأسماع ولا أشد اتصالاً بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويمًا للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء والفصحاء البلغاء"(19). وكذلك قوله: "لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت، واطردت، وتكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك الجيرة، لفقد الخلطاء من جميع الأمم"(20). ومن ذلك أيضًا ثناؤه على الأعراب بالفصاحة في مواضع كثيرة من كتبه. فكيف تستقيم هذه الأقوال التي تنظر إلى العرب على أنهم متساوون في الفصاحة مع اختصاص قريش بالفصاحة؟
ومما يدل على أن المقولات التي ترد في المصادر العربية لم تكن تصدر عن استقصاء ما ورد في نص الفارابي وما تورده المصادر عن فصاحة الأعراب في الحين الذي فيه نجد المصادر نفسها تورد بعض المقولات التي لا ترى للأعراب تميزًا على غيرهم. ومن ذلك ما يقوله أبو الخطاب (شيخ سيبويه): "إن عامة أهل البدو لا تفهم ما يريد الشاعر ولا يحسنون التفسير"(21). وكذلك قول الجاحظ: "وليس الأعرابي بقدوة إلا في الجر والنصب والرفع وفي الأسماء، وأما غير ذلك فقد يخطئ ويصيب"(22).

وقوله: "فالرواية كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أطرف عنده، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر. فلذلك صار بعضهم يدعي رؤية الغول، أو قتلها، أو مرافقتها، أو تزويجها"(23). وصورة الأعراب التي تبينها هذه الأقوال تختلف اختلافًا حادًّا عن تلك الصورة التي يظهر فيها الأعرابي أمينًا فيما يرويه، حجة في كل ما يقول.
وليست هذه المقولات المتناقضة عن الوضع اللغوي بشيء غريب على الجو الثقافي في تلك الفترة، فقد وردت مقولات كثيرة متناقضة عن قضايا لغوية كثيرة. ومن أشهر تلك القضايا التي وردت بشأنها أقوال متناقضة ما يروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: "ما لسان حمير اليوم بلساننا ولا لغتهم بلغتنا". ومع أن هذه المقولة تنفي التشابه بين اللغتين إلا أنه قد ورد عن أبي عمرو بن العلاء نفسه أقوال في العين والجمهرة تظهر فيها اللغة الحميرية لغة عربية لا فرق بينها وبين التنوعات الأخرى لهذه اللغة. ومن ذلك ما يرويه الخليل، قال: قال تبع حيث حج:

وأقمنا به من الدهر شيئًا وجعلنا لبابه إقليدا (24)

واستشهاده بشاعر حميري آخر، قال: "والقبابة: المفازة، بلغة حمير. قال شاعرهم:
وما كان عنز ترتعي بقبابة. . . " (25)

وما أورده صاحب الجمهرة: "قال أبو حاتم: قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء:
رأيت باليمن امرأة ترقص ابنها وهي تقول:

يا ربنا من سره أن يكبرا فَشُقْ له يا رب ملاًّ حيِّرا(26)

وقوله: "وأخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيًّا يمانيًّا يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت: يقول: جاءته كتابي؟ فقال: أليس بصحيفة؟"(27)
وكذلك ما ورد في العين عن كلمة (البِلّ) وقوله عنها إنها بمعنى "المباح" بلغة حمير. واستشهد عليها بحديث نبوي نصُّه: "وهي لشارب حل وبل"(28). فتُبين هذه النصوص وبعضها مروي عن أبي عمرو بن العلاء نفسه أن الحميرية ليست مختلفة عن العربية.
ومن الدوافع المحتملة لمثل هذه المقولات المتناقضة اختلاف الأذواق والاهتمامات. ومن ذلك ما يرويه الجاحظ عن النحويين إذ يقول: "ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب. . . ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارًا من أفواه جلسائه، ليُدخلها في باب التحفُّظ والتذكُّر. وربما خيِّل إليّ أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدًا أن يقولوا شعرًا جيدًا لمكانة أعراقهم من أولئك. ولو لا أن أكون عيابًا ثَمَّ للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة"(29). فترجع اختلاف العلماء في اختياراتهم إلى اهتماماتهم العلمية واختلاف أذواقهم. وما يعده بعضهم جديرًا بالعناية يراه آخرون مثالاً لما يجب أن يُترك. لذلك تؤثِّر هذه الأذواق والاهتمامات في الأحكام التي يصدرها كل فريق.
بل إن الأذواق قد تتغير لدى المجموعات نفسها. ومن ذلك ما يقوله الجاحظ أيضا: "وقد أدركت رواة المسجديِّين والمريدين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصِفة، فإنهم لا يعدونه في الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفِقَر والنُّتف من كل شيء. ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب، ثم رأيتهم منذ سُنيَّات، وما يروي عندهم نسيبَ الأعراب إلا حديثُ السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتيانيٌّ متغزِّل.
وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن نجيم، وأبي مالك عمرو بن كركرة مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قَصَد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله"(30). فهذه التغيرات المتلاحقة في الأذواق لا بد أن يصدر عنها مقولات قد يتناقض بعضها مع بعض.
ويمكن أن يعد من ذلك التعصب للقديم بسبب قدمه، وكمثال على ذلك تشدد أبي عمرو بن العلاء الذي يروى عنه أنه لم يحتج ببيت إسلامي(31)، وكذلك أحكامه الصارمة التي يرويها الجاحظ عنه مثل قوله: "لم أر قرويَّين أفصح من الحسن والحجاج". وأنه "كان زعموا ـ لا يبرِّئهما من اللحن"(32). يضاف إلى ذلك عدم روايته لشعر جرير والفرزدق وبشار على الرغم من إعجابه بهم. إن هذا التشدد لو اتبعه العلماء العرب لحذفوا أكثر ما يستشهد به في اللغة والنحو والأدب.
ولا يبعد أن يكون للتحيز العرقي والحضاري دور في هذه المقولات. ومن ذلك أننا نجد كثيرًا من هذه المقولات حول اللغة مدفوعًا بهذه التحيزات. ومن أمثلة ذلك ما يورده الجاحظ قال: "وأنا رأيت عبدًا أسود لبني أسيد، قدم عليهم من شق اليمامة، فبعثوه ناطورًا وكان وحشيًّا محرما، لطول تَعزُّبه كان في الإبل، وكان لا يلقى إلا الأكَرَة، فكان لا يفهم عنهم، ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إليّ وسمعته يقول: لعن الله بلادًا ليس فيها عرب. قاتل الله الشاعر حيث يقول: حر الثرى مستعرب التراب. أبا عثمان إن هذه العُريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جميع جلد الفرس. فلو لا الله رق لهم فجعلهم في حاشيته لطمست هذه العُجمان آثارهم. أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا؟ والله ما أمر الله نبيه بقتلهم إلا ضِنَّة بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلا تنزيها لهم"(33). فهذا "العبد الأسود" يبلغ به التعصب للعرب من أجل عدم فهمه أو إفهامه لهؤلاء الأكرة هذا الحد من التحيز. ومن الطبيعي أن ينتج عن مثل هذه المواقف مقولات متحيزة تفضل لغة العرب على غيرهم.
ويورد الجاحظ بعض المقولات التي توضح أن غير العربي يمكن أن يتمكن من العربية إلى حد بعيد وإن لم يتمكن من إجادة الجانب الصوتي. ومن ذلك قوله: "وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، ويكون لفظه متخيرًا فاخرا، ومعناه شريفًا كريما، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة، فإنك تعلم مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه، أنه خراساني، وكذلك إن كان من كتّاب الأهواز"(34). ويؤكد الجاحظ أن السندي: "إذا جُلِب كبيرًا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الميم زايًا ولو أقام في عليا تميم، وفي سفلى قيس، وبين عجز هوازن خمسين عاما"(35).

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2017 - 10:29 AM ]


وفي هاتين المقولتين نرى أن الجانب الذي يستعصي على هؤلاء الداخلين في العربية ليس إلا الجانب الصوتي، أما أنظمة اللغة الأخرى، فيمكن لهؤلاء أن يتمكنوا منها. ويتماشى هذا مع ما هو معروف اليوم في الدراسة اللسانية من أن الإنسان لا يمكن أن يتمكن من الجانب الصوتي في اللغة التي يكتسبها بعد سن الثانية عشرة.
وأورد الجاحظ أقوالاً ينطق فيها بعض العرب نسَبًا بعض الأصوات نطقًا غير عربي بسبب نشأتهم في بيئة غير عربية. ومن ذلك ما يرويه عن خطأ عبيد الله بن زياد بسبب نشأته بالأساورة مع أمه مرجانة (36). بل إن عبيد الله بن زياد يتجاوز الأخطاء الصوتية إلى الوقوع في الخطأ في استعمال المفردات مثل قوله: "افتحوا سيوفكم"(37). وكذلك ما يرويه عن لكنة ابن سنان وهو عربي نشأ في بيئة غير عربية. وعلى عكس ذلك يورد خبرًا يصحح فيه عبد الله بن المقفع الفارسي عِرقًا خطأ لرجل ينطق الظاء ضادا. فلم يمنعه عرقه من سماع الفرق الدقيق بين الصوتين(38). وكذلك ما يرويه من فصاحة موسى بن سيار الأسواري بالفارسية والعربية(39). ومع إيراده هذه الأخبار التي تتفق مع ما تراه الدراسة اللسانية اليوم، يورد بعض المقولات التي تجعل أمر اللغة محكومًا بالعِرق لا بالنشأة. ومن ذلك قوله: "ونقول: إن الفرق بين المولَّد والأعرابي: أن المولد يقول بنشاطه وجمع بالِه، الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن انحلت قوته واضطرب كلامه"(40). وقوله: "فإن قلت: إن المولد لا يؤمن عليه الخطأ إذا كان دخيلاً في ذلك الأمر، وليس كالأعرابي الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، وبمعرفته غذي، فالعلماء الذين اتسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثقات فيهم وبينهم وهم الذين نقلوا إلينا. وسواء علينا جعلوه كلامًا وحديثًا منشورا، أو جعلوه رجزًا وقصيدًا موزونا.
ومتى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم استظهر عليه بمسألة الأعراب• ولكنه إن تكلم وتحدث فأنكرت في كلامه بعض الإعراب لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه عليه، لأنه ممن لا يؤمن عليه اللحن الخفي قبل التفكر"(41).
وكذلك كلامه عن الرقاشيين: "قال أبو عبيدة كان أبوهم خطيبًا، وكذلك كان جدُّهم، وكانوا خطباء الأكاسرة. فلما سُبوا ووُلد لهم الأولاد في الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر إليهم الغرباء، ففسد ذلك العرق ودخله الخوَر"(42).
ويحمل هذا النص دلالتين متناقضتين: الأولى: أن غير العربي يمكن أن يكون مثل العربي فصاحة، والثانية: أن هذه الفصاحة تعود إلى الوراثة العرقية. وليس هذا التناقض في هذه المسألة مقصورًا على هذه المقولة، بل نجد مقولة أخرى تحمل هذا التناقض، يقول: "والقضية التي لا أحتشم منها، ولا أهاب الخصومة فيها: أن عامة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب أشعر من عامة الأمصار والقرى من المولدة والنابتة، وليس ذلك بواجب لهم في كل ما قالوه. وقد رأيت ناسًا يُبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من رواها. ولم أر ذلك قط إلا في راوية للشعر غير بصير بجوهر ما يروي. ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان ومكان"(43).
ومن المقولات المتناقضة ما ترويه المصادر العربية عن الشعراء الذين ختم بهم الشعر. فمن ذلك ما يرويه الجاحظ عن الأصمعي أنه قال: "ختم الشعر بالرَّماح"(44). وقول إسحاق: "وحدثني أبو داوود أن بني ذبيان تزعم أن الرماح بن ميادة كان آخر الشعراء"(45). كما روي أن الأصمعي قال إن بشارًا "خاتمة الشعراء، والله لو لا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم"(46). ويروى عن الأصمعي أنه لما عاد إلى البصرة من بغداد وسئل عن مروان بن أبي حفصة: "وجد أهل بغداد قد ختموا به الشعراء، وبشار أحق أن يختموا به من مروان، فقيل له: ولِم؟ فقال: وكيف لا يكون كذلك وما كان مروان في حياة بشار يقول شعرًا حتى يصلحه له بشار ويقومه"(47). ويروى عنه أيضًا أنه كان يقول: "ختم الشعراء بابن هرمة والحكم الخضري، وابن ميادة، وطفيل الكناني ومكين العذري"(48). فهذه الروايات متعددة يُختم الشعراء فيها بشعراء مختلفين من غير ذكر لأسباب موضوعية غير انطباعية.
ويكفي في التشكيك في قيمة مثل هذه المقولات ما يرويه أحد الرواة عن مروان بن أبي حفصة، وهو من الذين قيل إن الشعراء ختموا بهم، قال: "أنشدنا مروان بن أبي حفصة يومًا شعر زهير. ثم قال: زهير والله أشعر الناس، ثم أنشد للأعشى فقال: الأعشى أشعر الناس، ثم أنشد شعرًا لامرئ القيس فقال: أمرؤ القيس أشعر الناس، ثم قال: والناس والله أشعر الناس. أي أن أشعر الناس من أنشدت له فوجدته قد أجاد، حتى تنقل إلى شعر غيره"(49).
ويتضح مما تقدم أن كثيرًا من المقولات المتعلقة باللغة لم تؤسس على استقصاء موضوعي. فهي لا تزيد عن انطباعات يلعب الذوق والاهتمام والتعصب والعرقية فيها بسهم وافر. كما أن هذه المقولات تنقضها مقولات أخرى نجدها في المصادر نفسها مما يجعلنا نتردد في قبولها.
وصفوة القول أن الخوف من فساد اللغة الذي يبدو واضحًا في المصادر وما يتبعه من قصر الاستشهاد على سكان البراري ووقف الاستشهاد لم يكن له مسوغ. ذلك أن الأخطاء التي يقع فيها غير العرب تكاد تكون محصورة في الجيل الأول من الداخلين في العربية، وكذلك على الطبقة غير المتعلِّمة من الخدم والعمال وغيرهم. وهذا أمر متوقع إذ إن هؤلاء اتصلوا بالعرب على كبر في السن ولم تتح لهم الفرصة لإجادة العربية عن طريق التعليم، فبقيت لغاتهم الأم تؤثر في لغتهم المكتسَبة. أما المتعلمون فقد استطاعوا أن يبلغوا منزلة رفيعة من التمكن من اللغة فصار منهم الخطباء الشعراء والعلماء، خاصة من الجيل الثاني.
ففساد اللغة الذي أوجب في ظن بعض الناس إيقاف الاستشهاد لم يَحدُث أو هو لم يحدث بالدرجة التي تصورها المصادر. ولم أجد فيما قرأت أقوالاً واضحة في وقف الاستشهاد بله الإجماع على ذلك. إن هذه المقولات والمواقف التي كانت سببًا في صدورها لا تكفي للاطمئنان إلى صحة الموقف الذي يشيع في المصادر العربية الذي يقضي بوقف الاستشهاد وقصره على طوائف معينة من العرب.
ومن الأسباب التي تدعو إلى عدم الاطمئنان إلى تلك المقولات أن لها ما يماثلها في حضارات مختلفة أثبت البحث فيها أنها لا تزيد على تخرصات لا تمثل واقعا.
وسوف أعرض فيما يلي الحالة المثيلة في الغرب.



مقارنة هذه المقولات بمثيلاتها في اللغات الأوروبية:

ولكي يتضح أن هذه المقولات غير الدقيقة أمر شائع في الحضارات الأخرى، يحسن أن نقارنها بالوضع في الدراسات عن اللغات الأوروبية التي يمكن أن يمثل لها بالدراسات التي قامت على اللغة الإنجليزية. فعندما بدأ العلماء الغربيون في تسجيل لهجات لغاتهم بتأثير المدرسة اللغوية التاريخية المسماة بـ "مدرسة النحويين الجدد" في القرن التاسع عشر، وضعوا شروطًا عدة لتحديد من تؤخذ عنه المادة اللغوية التي عنها يبحثون. ومما اتصف به منهجهم أنهم وجهوا جهودهم للبحث عن ما أسموه بـ "اللهجة الخالصة" أي التي لم تختلط بغيرها. وكما يقول بيتت Petyt، فإنهم كانوا "مهتمين في الغالب بـ (اللهجة الحقيقية)، تلك التي تبين التغيرات التاريخية التي لم تفسد بالاتصال بالنوعيات (اللغوية) الأخرى. ونتج عن هذا في الغالب صرفُ الاهتمام إلى المتحدثين الريفيين، وأولئك الذين لم يحصلوا إلا على قدر قليل من التعليم، ويحتلون أسفل السلم الاجتماعي، كذلك محدودي الحركة إلى خارج المنطقة التي يسكنون فيها"(50). وقد طبقوا هذه الطريقة في جمعهم المادة اللغوية تطبيقًا يكاد يكون حرفيا.
وإذا قارنا هذه الشروط بما يقال إن اللغويين العرب قد اشترطوه وجدنا مطابَقة تكاد تكون تامة. فالشرط الأول الذي اشترطه العلماء الغربيون للحصول على مادة لغوية حقيقية هو أن تؤخذ من الريفيين. ويماثل هذا ما تورده المصادر العربية من قصر الأخذ عن البدو الذين لم يختلطوا بغيرهم. وتزعم المصادر العربية أن العلماء العرب لم يأخذوا عن البدو الذين نزلوا في البصرة والكوفة فقط، بل ذهب هؤلاء العلماء إلى البوادي. بل إنهم في بعض الأحيان إذا أخذوا عن أعرابي نزل في البصرة أو الكوفة، يَحرِصون على تأكيد أن هذا الأعرابي لم ينزل هاتين المدينتين بل نزل في "ظاهرهما". ومن النصوص المعبرة ما يرويه الجاحظ عند حديثه عن زيد بن كثوة، قال: "ولقد كان بين زيد بن كثرة يوم قدم علينا البصرة، وبينه يوم مات بون بعيد. على أنه كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة، وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين"(51). فهو قد وضع منزله على حدود البادية.
وقد يصفون الموضع الموغل في البداوة بأنه "أفصح بقعة". وقد ورد فيما يرويه ابن قتيبة، قال: "وقال أبو عمرو بن العلاء: كان ابن أحمر في أفصح بقعة من الأرض بين يذبل والقعاقع"(52). أما النزول في القرى فإنه سبب للضعف اللغوي. ومن ذلك ما يقوله ابن قتيبة عن عدي بن زيد: "وكان يسكن الأرياف فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثيرًا جدا. وعلماؤنا لا يرون شعره حجة"(53).
أما اشتراط علماء اللهجات الغربيين كون من تؤخذ عنه اللهجة أميًّا فمثيل لأخبار كثيرة وردت في المصادر العربية تبين حرص اللغويين والرواة على توضيح أمية من يروون عنه. ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن قتيبة، قال: "وقال عيسى بن عمر: قال لي ذو الرمة: ارفع هذا الحرف. فقلت له: أتكتب؟ فقال بيده على فيه، أي أكتم علي، فإنه عندنا عيب"(54).
كما تبين المصادر العربية أن من يوصفون بالفصاحة يتميزون برثاثة الملبس والفقر المدقع والجهل بأبسط مقومات الحياة المرفهة. وفي البيان والتبيين كثير من الأخبار التي تحمل هذه المضامين. وتبين كذلك أن البدو الذين أخذ عنهم كانوا يتحركون في مواطنهم في البادية ولا يختلطون بغيرهم.
وإذا تركنا التماثل الذي يكاد يكون تامًّا في مواصفات الممثل الحقيقي للغة الحقيقية الصافية، نجد تماثلاً بين مواقف علماء اللهجات الغربيين وما ترويه المصادر العربية من توجهات فيما يخص اللغة. ومن ذلك الخوف على اللغة من الفساد والتغيرات التي تصيبها نتيجة للتغيرات الاجتماعية.
فقد كان الخوف على اللغة من التغيرات وراء النشاط الذي قام به العلماء الغربيون لتسجيل لهجاتهم قبل أن تتغير بفعل التغيرات الاجتماعية والصناعية التي جدت في القرن التاسع عشر. ومن ذلك ما يقوله البريطاني رايت عند تأسيس جمعية اللهجات الإنجليزية: "لقد كانت واحدة من آمالي القديمة أن يقام بجهد مطرد لجمع الكلمات المحلية والمحافظة عليها، وذلك أنه خلال سنوات قلائل سيكون الوقت متأخرًا لعمل ذلك بسبب الأثر الذي تتركه السكك الحديدية والمدرسون المدربون، فلنسجل كل كلمة محلية واستعمالها، موردين مثالاً لذلك الاستعمال إن أمكن، معينين المكان الذي تستعمل فيه إن أمكن"(55). وبعد أن قامت جمعية اللهجات الإنجليزية بجمع قاموس اللهجات الإنجليزية، يقول رايت نفسه في مقدمة هذا القاموس: "ليس هناك أدنى شك أن الكلام اللهجي الخالص (الصافي) أخذ في الاختفاء بسرعة حتى في المناطق الريفية بسبب انتشار التعليم والوسائل الحديثة في الاتصال (حول لندن). فقد أصبحت اللهجات مختلطة إلى حد يدعو إلى اليأس مما جعلها عديمة الجدوى لعلم فقه اللغة"(56).
ومع الجهد العظيم الذي بذله هؤلاء في عملهم طوال أكثر من ثمانين سنة، لم يستطيعوا إلا جمع عدد قليل من الخصائص الصوتية والصرفية والنحوية ولم يستطيعوا إلا وضع حدود تقريبية بين اللهجات معتمدين على خصائص قليلة جدا. وقد بين البحث اللساني المعاصر أن ذلك العمل الضخم لم يكن له من فائدة إلا فيما يخص الدراسة التاريخية. إذ تبين أن ذلك العمل لم يستطع دراسة لهجة واحدة دراسة مستقصية.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2017 - 10:32 AM ]


ومثل هذا ما تبينه المصادر العربية إذ يقال إن نشأة النحو والدراسات اللغوية إنما كان مدفوعًا بشعور العرب بتدهور اللغة العربية نتيجة للاختلاط بين العرب وغيرهم من الداخلين في الإسلام. كما تكاد نتيجة عمل اللغويين العرب تماثل نتيجة ما قام به العلماء الغربيون. وهنا نتذكر المقولات التي سبق إيرادها من شعور كثير من علماء العرب أنهم لم يحيطوا بما قالته العرب كله.
ويضاف إلى شعور الغربيين بضرورة تسجيل اللهجات المحلية للغاتهم قبل أن تندثر ـ فيما يظنون ـ بسبب التغيرات الاجتماعية التي تعرضت لها مجتمعاتهم أن تاريخ الدراسات اللغوية للغة الإنجليزية الأدبية يحفل بمواقف تكاد تكون مطابقة للمواقف التي نجدها في المصادر العربية عن فترة تدوين اللغة العربية وظلت تردد على مدار تاريخها.
فلقد شعر الناس في القرن الثامن عشر ـ بحسب المصادر ـ أن اللغة الإنجليزية ليس لها نحو مدوَّن ومقنن، وهي معرضة للفساد كل يوم. لذلك تحتاج إلى التصحيح والتشذيب والتحسين. والغرض من ذلك أن تثبَّت قواعدها بشكل نهائي وأن تحمى من التغيرات. وكان الهمُّ الأول للمشتغلين بهذه المسألة البحث عن نموذج للغة الإنجليزية كي يقعَّد ويحتذى. وقد اختلفت الآراء في هذا الأمر، إذا اختلف في أي الفترات هي التي تمثل العصر الذهبي للغة الإنجليزية. فقد رأى الشاعر الإنجليزي درايدن أن العصر الذهبي لها بدأ مع تشوسر، لكنه لم يوضح متى انتهى. أما سوفت فرأى أنه عهد الياصبات. كما رأى أن الفترة التي تلت تلك الحقبة تتصف بأن التحسين الذي طرأ على اللغة فيها لا يكاد يساوي الفساد الذي أصابها. وهذا ما يراه د. جونسون، جامع أول قاموس للغة الإنجليزية. ومن المفارقات أن الكتّاب الذين جاؤوا في أواخر القرن الثامن عشر نظروا إلى الحقبة التي عدها سوفت حقبةً انحطت فيها اللغة الإنجليزية على أنها تمثِّل، هي نفسها، العصر الذهبي لها.
ولقد عرض بو Baugh في كتابه الذي أرّضخ فيه للغة الإنجليزية، لكثير من النقاش عن هذه المسألة، ولكتب النحو والقواميس التي ألفت لغرض إخضاع اللغة الإنجليزية للتقعيد وتثبيتها من ثم(57). ويتبين من عرضه ذاك أن الخوف الذي كان يبديه كثير من الباحثين على اللغة الإنجليزية في فترات مختلفة ليس له مسوغ.
كما عرض للآثار التي ترتبت على انفتاح اللغة الإنجليزية على الخارج إذا أصبحت لغة إمبراطورية يمتد سلطانها من أمريكا في الغرب إلى أستراليا في الشرق.
ومن الأمور المهمة التي نتجت عن ذلك الانفتاح دخول ألوف الكلمات والتعبيرات من لغات مختلفة، بالإضافة إلى اختفاء كثير من الكلمات منها، وظهور كلمات جديدة بعضها مشتق من كلمات أصيلة، وعلى الأخص في الجوانب العلمية. وتغيرت معاني كثير من الكلمات القديمة. يضاف إلى ذلك بعض التغيرات الصرفية والنحوية. وكانت هذه التغيرات سببًا لشكوى مُرَّة من كثير من الكتاب الذين رأوا في هذه التغيرات إفساداً للغة منذ القرن الثامن عشر إلى الآن(58).
وقد حدا ذلك ببعض الكتاب في أمريكا، مثلاً، أن ينادوا بالحد من "البربرية" التي أصابت اللغة الإنجليزية بسبب الاستعمالات اللغوية الجديدة التي نشأت في أمريكا. ويبين ذلك اعتقادُ أحد الكتاب أن الشكل النموذجي للغة الإنجليزية الذي يجب أن يحتذى هو النموذج الذي تستخدمه الطبقة الأفضل ثقافة، وهم أولئك الذين صقلت لهجتهم بالتفاعل الحميم مع الكتب الإنجليزية (المستخدمة في بريطانيا). بل إن ذلك الكاتب يستهزئ بالذين يرون "أن كتابة نحو للغة الإنجليزية وجمع معاجمها يمكن أن يقوم به الأمريكيون"(59). كما يقول أحدهم: "إننا لا نصاب بالهلع على تماسك اللغة الإنجليزية إلا إذا سمعناها على أفواه الأمريكيين"(60). ومما يلفت النظر أن الكتّاب البريطانيين في القرن الثامن عشر يرون أن اللغة الإنجليزية: "اغتنت وتغتني بشكل كبير جدًّا من انتشارها في القارة الأمريكية"(61).
وتكاد هذه المواقف فيما تخص الإنجليزية تتماثل مع المواقف التي نجدها في المصادر العربية. إذ ترى تلك المصادر ـ كما رأينا ـ أن انحلال النظام اللغوي العربي بدأ بخروج العرب من جزيرتهم ودخول غير العرب في الإسلام. وهو ما أتاح خلق كلمات وتعبيرات جديدة، وذلك بالإضافة إلى اضمحلال بعض السمات المميزة للغة العربية عندما كانت محصورة في الجزيرة العربية.
ومما تجد الإشارة إليه أن هذه المواقف التي ترى أن اللغة تنحدر وتنحل بمرور الزمن أصبحت موضوعاً للبحث اللساني الجاد الذي خلص إلى عدم صحتها، كما بين أن الخوف على اللغة ليس له مسوغ أبدا. وهناك عدد كبير من الدراسات في هذا الشأن، مما يمكن الاستشهاد به هنا، لكني سوف أقتصر على الاستشهاد بدراستين حديثتين وحسب، وهما تثملان الموقف العلمي الذي انتهت إليه اللسانيات المعاصرة من هذه القضية.
والدراسة الأولى قام بها عالم اللسانيات البريطاني ديفيد كرستال مساهمة منه في كتاب عن اللسانيات في الثلاثين سنة الماضية. فقد أورد رسالتين أُرسلتا إلى برنامج كان يقدمه في إحدى الإذاعات البريطانية، موضوعهما الشكوى من الفساد الذي أصاب اللغة الإنجليزية ثم قال:
"إن هاتين الرسالتين اللتين اخترتهما من بين عدد كبير من الرسائل التي وجهت إلى البرنامج الإذاعي الذي كنتُ أقدمه في الإذاعة الرابعة بعنوان "اللغة الإنجليزية المعاصرة" قبل سنتين، رسالتان ممثلتان (للموقف الشائع عن اللغة الإنجليزية). إذ تعبران عن واحد من أكثر المفاهيم الخاطئة عن طبيعة اللغة شيوعا: وهو أن اللغة في حالة تغير دائم يكتسح اللغة بشكل جذري لا هوادة فيه، كما أن هذا التغير لم يحدث إلا في الماضي القريب؛ وكان حدوثه أمرًا فجائيا. ونحن نعرف بوصفنا دارسين للسانيات أن اللغة في واقع الأمر لم تكن يومًا ساكنة؛ غير أننا نعرف كذلك أنه إذا ما قارنا بين لغة جيل معين باللغة التي يستعملها الجيل الذي يليه، فإن الانطباع الغالب الذي نخرج به هو بالتأكيد أن اللغة تتميز بالاستقرار والاستمرارية. فليس في الأمر أي درامية (تغيير مفاجئ)، فأجزاء التركيب اللغوي التي تكون موضوعًا للتغير قليلة ـ ومن ذلك مثلاً تغيير طفيف في رتبة الكلمات المكونة للجملة، أو تغير ضئيل لا يكاد يحس في حركة أعضاء النطق (ينتج عنه نطق صوت معين بشكل مختلف عن الشكل السابق). ولنا أن نسأل في ضوء هذه الحقائق: ماذا تمثل هذه التغيرات بمجموعها؟ أتمثل أقل من واحد بالمائة من تركيب اللغة، في أي وقت من الأوقات؟ وإذا كنت تظن أن هذا الرقم ضئيل جدًّا فإنني أشك أن يريد أحد الزعم بأن هذا التغير يمثل أكثر من خمسة بالمائة من اللغة، حتى وإن أضفنا إليه التغير المعجمي"(62).
ويبين كرستال أن مثل كاتبي هذه الرسائل إنما يُؤتَون من جهلهم بأن كثيرًا مما يعيبونه من ظواهر يرون أنها تغيرات حديثة فاسدة، كانت موجودة في اللغة الإنجليزية في فترات سابقة من تاريخها؛ بل إن كثيرًا منها يوجد في استعمالات النحاة والأدباء في تلك الفترات(63). ويلاحظ كذلك: "أن ما لا يعلمه هؤلاء اللسانيون(!) غير المتخصصين ولا يَملّ اللسانيون المتخصصون من الإشارة إليه أن معظم المسائل التي تزعج هؤلاء إن هي إلا خصائص موجودة في اللغة لفترات طويلة جدا، (وبعضها) لقرون"(64). ويشير كذلك إلى أن هذه الانطباعات الخاطئة عن اللغة موجودة عند المتهمين بتدريس اللغة أيضًا (وهو أمر مستغرب في رأيه).
ويمضي كرستال في تحليل بعض الظواهر التي يرى كثير من غير المتخصصين أنها حديثة. ويبين أن شعور هؤلاء الناس الخاطئ عن اللغة إنما يأتي من خلال مقارنتهم للمادة اللغوية التي تستعمل في تعليم اللغة، وتتميز بالوضوح والتعقيد التركيبي، بالمادة اللغوية التي تستعمل فعلاً في الكلام العادي في أثناء الحديث اليومي وهو ما يكثر فيه الحذف وتبسيط القواعد واللجوء إلى الجهد الأقل في نطق الجمل والكلمات.
أما الدراسة الثانية، فهي التي أنجزها ستيفن بنكر في كتابه "الغريزة اللغوية". فيعرض في فصل بعنوان "خبراء اللغة" إلى المسألة التي أشار إليها كرستال من قبل، وهي الشعور الدائم عند بعض الناس بفساد اللغة. وينتظم في سلك خبراء اللغة في الإنجليزية ـ كما يقول بنكر ـ المصحِّحون في المطابع، وجامعو مادة القواميس، ومؤلفو الكتب التي ترشد إلى الأساليب الصحيحة في الكتابة، ومدرسو اللغة الإنجليزية، وكتّاب المقالات، وأصحاب الزوايا الثابتة في الصحف والشغوفون بالتنقير عن الكلمات. وتقوم هذه المجموعة بحراسة اللغة في زعمها ـ كما يقول ـ بسبب عدم وجود مجمع لغوي يقنن للغة الإنجليزية، بعكس اللغة الفرنسية التي يقوم المجمعيون فيها كما يقول: "بإثارة فضول الصحفيين من الأقطار الأجنبية بقراراتهم اللغوية التي يصلون إليها بعد جدال حام مع أن اللغة الفرنسية لا تأبه بها ولا يلتفت لها المتكملون". ويتناول كذلك مسألة النحو المعياري الإنجليزي الذي تأسس في القرن الثامن عشر، ويشير إلى أن القواعد التي أتى بها لا تمثل إلا ملاحظات سطحية عن اللغة الإنجليزية، لذلك فمن الغرابة بمكان أن يلجأ إليها دائمًا في محاكمة ما يقوله الناس فعلا. ويمثل لذلك بتسع حالات مما يراه النحويون مخالفًا لقواعد اللغة الإنجليزية على الرغم من أن هذه الاستعمالات كانت موجودة في كتابات أشهر كُتَّاب اللغة الإنجليزية على مر العصور. ثم يبين أن هذه المخالفات المزعومة أبعد ما تكون عن عدم المنطقية التي توصم بها دائما. ويبين أن هذه المخالفات المزعومة أبعد ما تكون عن عدم المنطقية التي توصم بها دائما. كما يبين أن هذه الاستعمالات إذا فهمت كما يجب تدل على الاستعمال الحقيقي للغة أكثر من دلالة تلك القواعد التي يوجب النحو المعياري اتِّباعها(65).
ويُحلل في مواضيع أخرى من هذا الفصل كثيرًا من آراء من أسماهم بخبراء اللغة. فيكشف أن بعضهم يلجأ إلى الكذب عند تفسيره لأصول بعض الكلمات. ومن ذلك ما يقوله أحد كُتَّاب الزوايا عن معنى Pumpernicket، إذ أرجعها هذا الكاتب إلى قول لنابليون عندما قدم له خبز عافَه: "إن هذا الخبز يصلح لنيكول" (وهو اسم حصانه). لكن هذا الكاتب اعترف فيما بعد أنه وأصحابه اختلقوا هذا التفسير عندما كانوا في أحد البارات (ص 487، في الترجمة العربية للكتاب). وقد نال وليم سافير الذي يكتب عمودًا أسبوعيًّا في مجلة نيويورك تايمز الأسبوعية نصيبًا لا بأس به من سخرية بنكر الذي بيَّن أن كثيرًا من آرائه عن اللغة واستعمالاتها ليس دقيقا.
ونخلص من هذا أن الدراسات اللسانية أوضحت بشكل جلي أن الخوف على اللغة من الفساد ينشأ في كثير من الأحيان من فهم خاطئ للكيفية التي تعمل بها اللغة، ومن فهم خاطئ للقواعد التي تضمن اطرادها، ومن سيطرة بعض المقولات غير الصحيحة عنها التي تناقلها الأجيال من غير أن يبذل المتخصصون ما يكفي من الجهد لتبيين خطئها.
وإذا عدنا إلى مقارنة ذلك بما نجده في المصادر العربية، نجد التماثل الذي يكاد يكون كاملاً بين الحالتين. فقد نشأ النحو العربي ـ كما تقول هذه المصادر ـ من شعور العرب بالأثر السيئ الذي تركه دخول غير العرب الإسلام. كما أن كثيرًا من النشاط اللغوي كان ينصرف إلى محاولة بيان الأخطاء التي يقع فيها مستعملو اللغة انطلاقًا من القواعد التي قررها اللغويون والنحويون اعتمادًا على ملاحظة مادة لا تمثل ـ باعترافهم ـ كل ما قالته العرب.
ومادام أن اللسانين المحدثين قد كشفوا علميًّا تهافتَ كثير من المقولات المتعلقة بفساد اللغة، فإن المقولات المثيلة في التراث اللغوي العربي لابد لها من مواجهة المصير نفسه. فينبغي إذن أن نعرف أن تلك المقولات ليست ملزمة، ولا يمكن أن يحتج بها، ولابد من مراجعة التراث اللغوي العربي لنحاول اكتشاف الحقائق كما هي لا كما صورتها المصادر المدفوعة بمقولات تتكرر في الحضارات جميعها ولا تثبت للتمحيص. ومن هذا المنطلق يمكن أن تناقش قضية الاحتجاج ووقْفِه عند زمن محدد وقصره على مناطق محدودة من الجزيرة العربية.

نظرة في مسألة الشواهد:

تبين مما تقدم أن قضية الاحتجاج نبعت أصلاً من مواقف ليست علمية عن اللغة العربية. والدليل على عدم علميتها يأتي ـ كما تقدم ـ من مقارنة المقولات التي جاءت عن أفصح العرب، وعن القبائل العربية التي أخذت اللغة عنها. فقد تبين لنا تعدد القبائل التي كانت توصف بأنها الأفصح. كما أنه لم يبين المراد بالفصاحة. ثم إنه لم يظهر في كتابي الخليل وسيبويه مثل هذا التجديد.
والحجة الأخرى التي تدل على عدم دقة هذه المواقف أن هناك مواقف معاصرة لها تناقضها. وهذا يدل على عدم الاستقصاء عند من أطلقوا هذه المقولات.
وحجة ثالثة هي أن وراء هذه المقولات عوامل كثيرة يمكن رؤيتها بكل وضوح مثل العرقية والتنافس بين القبائل والعوامل السياسية والأذواق المختلفة وتغيُّر الاهتمامات.
أما الحجة الرابعة، فقد وجدنا أن هذه المقولات تشيع في حضارات كثيرة ومنها ما يشيع قديماً وحديثاً عن اللغة الإنجليزية. وقد بيّن البحث اللساني الجاد أنه لا صحة لهذه المقولات، وأنها جاءت نتيجة للجهل بالكيفية التي تعمل بها اللغة.
ويحسن هنا أن أناقش ما يتراءى لي بأنه هو الذي حدث فيما يخص قضية الاحتجاج. فينبغي في مناقشة هذه القضية أن ننظر في عمل الرواة منذ بداية التدوين.
يقول محمد بن سلام الجمحي: "ذكر العرب وأشعارها، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها، إذا كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وساداتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على مالا يجهله عالم، ولا يستغني عن عمله ناظر في أمر الشعراء، فبدأنا بالشعر"(66). ويقول ابن قتيبة: "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام أكثر من أن يحيط بهم محيط أو يقف من وراء عدهم واقف ولو أنفذ عمره في التنقير عنهم واستغرق مجهوده في البحث والسؤال ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه وقصيدة إلا رواها"(67).
يضاف إلى ذلك ما يروى من حفظ الرواة للآلاف من الأبيات وحفظ القرآن الكريم وقراءاته الكثيرة والأخبار والأمثال. فقد كان العلماء العرب الأوائل يتعاملون إذن مع كَمٍّ هائل من المادة اللغوية التي بدأوا في وضع قواعد اللغة العربية اعتمادًا عليها. كما شَعَر العلماء العرب بضخم هذه المادة اللغوية، وعبروا عن هذا الشعور. فمن ذلك ما يقوله الإمام الشافعي: "وهذه اللغة لا يحيط بها إلا نبي"(68). وما يرويه أبو عمرو بن العلاء من أن أحدهم قال لعيسى بن عمر: "أخبرني عن هذا الذي وضعت، يدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا. قال: قلت: فما ينفع كتابك"(69).
وما يرويه ابن نوفل قال: "سمعت أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: أخبرني عما وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله، فقال: لا. فقلت: فكيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات(70). وقول أبي عمرو بن العلاء ايضا: "ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا القليل".


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2017 - 10:34 AM ]


فتبين هذه النصوص جميعًا أن العلماء العرب الأوائل لم يحيطوا بكل ما قالته العرب أوَّلا، ولم يستطيعوا أن يدخلوا كل ما رووه عن العرب تحت القواعد التي استخلصوها، ثانيا: لذلك نجد أنهم كانوا يريدون في فترة التأسيس إنجاز مهمة ملحَّة وهي تقعيد اللغة. ومن هنا لم ينتظروا حتى يجمعوا كل ما قالته العرب ولم يحاولوا كذلك التعقيد لكل ما رووه. وهذا الموقف تمليه طبيعة اللغة أية لغة، إذ انه لا يستطاع الإحاطة بما يقوله الناس فعلا. فالقول السائد بأن العرب أحاطوا بلغتهم وجمعوها من مصادر محدودة ليس صحيحًا، إذن.
ويمكن لنا الآن أن نكشف عن طبيعة الشواهد في كتاب سيبويه التي أدى عدم فهم وظيفتها إلى كثير من الخلط في هذه القضية. ولابد أن يلاحظ أن منهج سيبويه كان امتدادًا للمنهج الذي اختطه العلماء الذين سبقوه، خاصة الخليل بن أحمد. ويبين هذا المنهج ذلك النص الذي رواه أبو القاسم الزجاجي عن بعض شيوخه قال:
"إن الخليل بن أحمد ـ رحمه الله ـ سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وان لم يُنقَل ذلك عنها. واعتللت أنا بما عندي انه علة لما عللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارًا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق اليقين أو بالبراهين الواضحة والحجج الملائمة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك. فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار. وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة. إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها"(71).
ويوضح هذا النص بجلاء المنهج الذي اتبعه العلماء العرب الأوائل في دراستهم للنحو. فبعد أن أرسى العلماء الأوائل القواعد العامة الغالبة التي تطرد في كلام العرب (ويقصد به القواعد التي تنتظم اللغة الأدبية) جاء الخليل لينحو بالدراسة النحوية في اتجاه التفسير. فدراسة النحو كما يبينها هذا النص إنما تقصد استجلاء معرفة المتكلمين العرب للغتهم. فليس القصد من الدراسة الاقتصار على وصف القواعد التي تضبط النصوص المنتجة بل يجب أن تتجاوز الوصف إلى استجلاء الأسباب الكامنة وراء سلوك المتكلمين على هذه الصفة. ويؤكد الخليل في هذا النص أن في ذهن المتكلم نظامًا للغة يتصرف بموجبه.
وبما أن المتكلمين لم يعبروا عن هذا النظام دائما، فمهمة دارس النحو أن يَفترِض صورة معينة تقوم في أذهان المتكلمين يصدرون عنها. وكما يفعل العلماء في الحقول المختلفة، فإن تفسيرهم للظواهر يقوم على افتراضات نظرية ويغيِّرون هذه النظريات بحسب ما يكتشفون من الواقع. لذلك يتغير تفسير الظاهرة الواحدة مع اكتشاف أدلة وحقائق جديدة. والواقع أن النظام اللغوي نظام محكم يكتسبه الإنسان في صغره ثم يتصرف بموجبه بعد ذلك تصرفًا يكاد يكون آليًّا بسبب كفاءة هذا النظام وهو لا يشعر به إلا إذا نبه إليه.
وتُقارب هذه النظرية للدرس النحوي النظرية التي يراها تشومسكي والمدرسة اللسانية التي اتبعتْه في الوقت الحاضر؛ إذ إن الهدف الأساسي من البحث اللغوي هو اكتشاف وتفسير معرفة المتكلم للغته.
لقد أصبحنا بفضل عمل الخليل نعرف كيف تعمل اللغة؛ فالذي ينتج اللغة ليس المتكلم بل هو، على وجه الدقة، النظام الذي يختزنه المتكلم في ذهنه. لذلك افترض الخليلُ العواملَ التي تجعل الكلمات يؤثر بعضها في بعض ويجعلها تظهر على شكل معين بدلا من شكل معين آخر.
ويحوي كتاب سيبويه تطبيقًا مفصَّلاً لهذه النظرية. فهو ليس وصفًا للأحداث اللغوية وحسب بل تفسيرٌ للاطراد الذي نلحظه فيها ويصدر عن مستوى مجرد يقبع في ذهن المتكلم. وقد بدأ سيبويه كتابه بمقدمة وضع فيها الخطوط العامة لتركيب اللغة الفصحى. فقد بّين فيها المقولات التي تندرج تحتها الكلمات في اللغة العربية، ثم انتقل إلى التفريق بين المعرّب والمبني وأثر العامل، والتفريق بين الثقيل والخفيف منها، والمعرّفة والنكرة، والمصروف والممنوع من الصرف، ثم بيان أن التركيب في العربية لابد أن يتكون من مقولتين فأكثر. وينتقل بعد ذلك إلى دراسة المفردات من حيث دلالتها على معنى واحد أو على معنيين ضدين أو دلالة مفردتين على معنى واحد. وينتقل بعد ذلك إلى ما يطرأ على الكلمات من الزيادة أو النقص بسبب عوامل مختلفة. ويتطرق إلى دلالة الجمل على المعنى إذ يمكن أن تدل هذه الجمل أو لا تدل، لكنها تظل جملاً تخضع للقوانين اللغوية التي تحكم العربية. ويميز بين اللغة المستعمَلة في الشعر وتلك المستعملة في النثر، فيبين أن للغة الشعر خصوصية، إذ يمكن أن تتجاوز القوانين اللغوية المطردة فيها لأسباب معظمها عروضية.
وتمثل هذه المقدمة هيكلا نظريًّا عامًّا للنظام اللغوي العربي الذي يضبط اللغة العربية. ومن الملاحظ أن سيبويه في معالجته للظواهر اللغوية في الأبواب المخصصة لا يبدأ في أغلب الأحوال بإيراد الشواهد، كما يتوقع ممن يريد الوصف؛ بل يضع القاعدة ممثلاً لها بجمل يصنعها هو أو أنها تكون من صناعة النحويين الذين سبقوه؛ وبعد ذلك يمكن أن يورد عليها شاهدًا من القرآن الكريم أو الشعر أو غيرهما. وعمله هذا يماثل ما يعمله دارسو اللسانيات اليوم، إذ يأتون بجمل من صنعهم يمثلون بها للقواعد التي يريدون مناقشتها. فهم في ذلك إنما يحاولون اختبار القواعد التي افترضوا وجودها وليس وصف الأمثلة التي سمعوها.
ومن الجدير بالملاحظة أن سيبويه في الغالب الأعم لا يمثل للقاعدة في شكلها المطرد بل يكتفي بالأمثلة المصنوعة. وغالبًا ما يأتي بالشواهد لبيان الخروج على القاعدة بسبب الضرورات أو اختلاف اللهجات أو غير ذلك من العوامل. وهو كثيرًا ما يصف البدائل للقاعدة التي يناقشها بأنها "عربية جيدة" أو "عربية جيدة كثيرة" أو يجوِّز الخروج على تلك القاعدة بسبب "سعة الكلام"، أو اختلاف المعنى؛ وهو ما يبين وعيه لحقيقة مهمة في اللغة، تلك هي أنه ربما يَخرج كثير من الناس في كلامهم عن القواعد المقررة فيقول: "والشواذ في كلامهم كثيرة"(72). لقد كانت معظم الشواهد في كتاب سيبويه إذن مسوقة لغرض محدد هو التمثيل لإمكان الخروج عن الشكل الأصل للقاعدة ولم يكن للتدليل على القاعدة نفسها.
وكما سبقت الإشارة، فقد استشهد سيبويه بشعراء من مختلف القبائل العربية كما أن تلك الشواهد ترجع لفترات متعددة للغة تمتد من العصر الجاهلي إلى المعاصرين لسيبويه. وربما يعود إكثار سيبويه من الاستشهاد بالجاهليين والمتقدمين من الإسلاميين بسبب أن ظواهر الخروج عن القواعد كانت أكثر في شعرهم بسبب الطابع الشفوي للغة. أما بعد أن أصبحت اللغة تستعمل في الكتابة أكثر وأصبح الشعراء يكتبون أشعارهم، فقد قلَّت نسبة الخروج تلك لخضوع معظم الشعراء للنموذج الذي وضع أسسه النحويون. فعدم الاستشهاد بالمولدين إذن لم يكن لضعف لغتهم، بل بسبب ندرة تلك الظواهر التي اهتم بها سيبويه في شعرهم (أما ما كانوا يخالفون فيه ما استقر من القواعد فهو مثيل لما كان يفعله الأقدمون لكن النحويين لم يحاولوا فهم هذه المسألة). ومن هذا، فأغلب الظن أن الذين قرؤوا كتاب سيبويه غاب عنهم هذا السبب وحسبوا أن سيبويه ينظر للغة تحدَّد نموذجها الأعلى بالشعراء الذين ينتمون إلى الفترات الماضية من تاريخ اللغة. واستنتجوا من ذلك أن الاستشهاد لا يجوز بمن جاء بعدهم.
وقد نتج عن هذا الفهم أن جمدت دراسة اللغة. وبدلاً من تطوير المبادئ وتقنيات التحليل التي جاء بها سيبويه والخليل من قبله، فقد أصبح الاهتمام محصورًا بإعادة إنتاج ما أنتجه سيبويه. وكان المنتظَر أن يتقدم البحث باتجاه التعمق في دراسة اللغة على هذا المنحى لكنه توقف عند المماحكات العقيمة التي نتجت عن عدم فهم عمل سيبويه.
وخلاصة القول أن وقف الاستشهاد كان واحدًا من المواقف التي اتخذها الأقدمون لأسباب غير مسوغة. فهي إذن من جملة تلك المواقف التي يجب أن يعاد النظر فيها.
كما تجب الإشارة إلى أن اللغة العربية صارت بعد الفترة التي وقف الاستشهاد عندها لغة عالمية تستعمل في الأدب والعلم والفلسفة وغير ذلك بدل اقتصارها على الشعر والخطب والأمثال. إن شعراء العربية العظام وكتابها البارزين إنما عاشوا في العصور التي جاءت بعد تلك الفترة؛ ومن أولئك الشعراء أبو تمام والبحتري وابن الرومي وأبو العلاء المعري والمتنبي، والكتاب أمثال الجاحظ وأبو حيان التوحيدي وغيرهم.

خاتمة:

تكثر في التراث اللغوي العربي المقولات التي ينظر إليها على أنها حقائق لا تناقش. ومن ذلك ما عرضت له هذه الورقة فيما يخص قضية الاحتجاج اللغوي ووقفه عند زمن ومكان محددين. وفي هذا العصر الذي تقدمت فيه الدراسات اللسانية فلابد لدارسي اللغة العربية من الاستفادة من هذه الدراسات. فمن أهم نتائج هذه الدراسات اللسانية الحديثة أن اللغات تتشابه إن لم تكن تتماثل، ليس في تركيبها النحوي وحسب وهو ما ثبت فعلاً، بل تتشابه كذلك في المواقف التي تُتخذ منها في الحضارات المختلفة. وهو دليل آخر على تماثل اللغات وتماثل الجنس البشري، الذي يتكلمها، في التفكير فيها.
وتُبين المسألة التي عرضت لها هذه الورقة أن المواقف التي اتخذها العلماء العرب الأقدمون ومن جاء بعدهم إلى اليوم وتتمثل في الخوف على اللغة من الفساد والتدهور بمرور الزمن ليست موجودة في اللغة العربية وحدها. وما دام أن هذه المواقف توجد في حضارات أخرى، فإن الزعم بوجود خصوصية للغة العربية في هذا الشأن ليس أمرًا مسلَّما. ولما لم تثبت هذه المزاعم للبحث اللساني الجاد في الحضارات الأخرى، فإن دارس اللغة العربية لابد له أن يستفيد من نتائج ذلك البحث لتخليص تاريخ العربية من هذه المزاعم حتى يتسنى له دراسة هذه اللغة دراسة علمية موضوعية.
والخلاصة أن اللغة العربية لم تفسد بدخول غير العرب الإسلام، وكانت نشأة النحو لأسباب أخرى كضرورتها في بناء الدولة الجديدة. كما أن وقف الاستشهاد بعد سنة 150 للهجرة في الحضر ونهاية القرن الثاني أو الرابع الهجريين في البدو لم يكن أمرًا مجمعًا عليه، بل كان نتيجة لانطباعات خاطئة لقراءة خاطئة للمصادر النحوية الرئيسة المبكرة مثل كتاب سيبويه.
لقد حَكَم وقف الاستشهاد على اللغة العربية بالتوقف عن النماء؛ وربما كان السبب في وجود كثير من المشكلات التي أدت إلى جعل اللغة العربية بعيدة عن متناول العرب، بل جعلها لغة ثانية لهم.

الهوامش

1ـ أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، حققه وقدم له وعلق عليه محسن مهدي، ط2 (بيروت: دار المشرق، 1990م)، ص ص 145 ـ 146.
2ـ الفارابي، كتاب الحروف، ص 146
3ـ الفارابي، كتاب الحروف، ص 147
4ـ انظر مثلاً: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي (بيروت: دار الأعلى للمطبوعات، 1408هـ /1988م)، 3/ 185، 5/ 90
5ـ الفراهيدي، كتاب العين، 3/ 185؛ 90/5
6ـ الفراهيدي، كتاب العين: 4/ 288
7ـ الفراهيدي، كتاب العين، 1/ 60
8ـ عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى وآخرين (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، د. ت)، 1/ 211 ـ212
9ـ خالد عبد الكريم جمعة، شواهد الشعر في كتاب سيبويه (الكويت: مكتبة دار العروبة، 1980م) ص ص 268 ـ 302
10ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1395هـ/ 1975م) 3/ 212 ـ 213
11ـ أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، الكامل، تحقيق محمد أحمد الدالي، ط1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1406هـ/ 1986م)، 2/ 765
12ـ انظر نص أبي عمرو بن العلاء عن فصاحة أهل السراة في: السيوطي، المزهر، 2/ 483
13ـ الفراهيدي، كتاب العين، 1/ 169
14ـ أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، معاني القرآن، تحقيق محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي، ط3 (بيروت: عالم الكتب 1403هـ/1983م)، 3/ 14
15ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 4/ 55 ـ 56
16ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 3/ 291
17ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1/ 56
18ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 2/ 69
19ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1: 45
20ـ الجاحظ، البيان والتبيين 1: 163
21ـ أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي، كتاب النقائض: نقائض جرير والفرزدق، تحقيق بيفان (ليدن: مطبعة بريل، 1905م)، 2/ 1026. وانظر لهامش رقم، ص في هذا الكتاب.
22ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط2 (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1385هـ / 1965م)، 2/150 ـ 151
23ـ الجاحظ، الحيوان، 6/252
24ـ الفراهيدي، كتاب العين، 5/115
25ـ الفراهيدي، كتاب العين،5/229
26ـ الفراهيدي، كتاب العين، 1/529
27ـ أبو بكر محمد الحسن بن دريد، كتاب جمهرة اللغة، تحقيق رمزي منير البعلبكي، ط1 (بيروت: دار العلم للملايين، 1987م) 1/370
28ـ الفراهيدي، كتاب العين، 8/319
29ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 4/24
30ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 4/23ـ24
31ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1/321
32ـ الجاحظ، البيان والتبيين،163:1
33ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 2/71ـ72
34ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1/69
35ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1 /70
36ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 2/210-211
37ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 2/210ـ211
38ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 2/210ـ211
39ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1/368
40ـ الجاحظ، الحيوان، 3/132
41ـ الجاحظ، الحيوان، 2/183ـ184
42ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1/308
43ـ الجاحظ، الحيوان، 3/130
44ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 3/349
45ـ أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، كتاب الأغاني (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، 1383هـ/1963م، مصور عن طبعة دار الكتب) 2/269
46ـ الأصفهاني، الأغاني، 3/143
47ـ الأصفهاني، الأغاني، 3/148
48ـ الأصفهاني، الأغاني، 4/383
49ـ الأصفهاني، الأغاني، 10/83
50ـ K.M. Petyt. The Study of Dialects: An Introduction to Dialectology (London: Andr'e Deusch,1980) 111.
51ـ الجاحظ، البيان والتبيين، 1/163
52ـ أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، كتاب الشعر والشعراء، تحقيقM.J. De Goeje ( ليدن: بريل، 1904م)، ص 209
53ـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص 111
54ـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص ص 333ـ334
55ـ Petyt, Dialects, 76 •
56ـ Ibid, 84
57ـ Albert C. Baugh. A History of English ********, 2nd ed. (Englewood Cliffs, N.J.: Prentice Hall, 1963), 306.
58ـ Baugh, History, 350-394
59ـ Ibid., 452.
60ـ Ibid., 461.
61ـIbid.
62ـ David Crystal, "The Changing English ********-Fiction and Fact," in Martin Putz, (ed) Thirty Years of Linguistics Evolution (Amsterdam
and Philadelphia: John Benjamins, 1992), 119.
63ـ Crystal, "The Changing English ********," P. 120
64ـ Ibid.
65ـ Steven Pinker. The ******** Instinct: How the Mind Creates ******** (New York: William Morrow and Company, 1994,
370 )
وقد ترجمتُه إلى العربية تحت عنوان، الغريزة اللغوية: كيف يخلق العقل اللغة. ونشرته دار المريخ بالرياض، 2000م
66ـ محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر (القاهرة: طبعة المدني، 1394هـ/1974م)، 1/ 3
67ـ ابن قتيبة: الشعر والشعراء، 1/ 3
68ـ محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر (القاهرة: د. ت. 1358هـ/ 1939م)، ص 42
69ـ أبو بكر محمد بن الحسن الأندلسي الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2 (القاهرة: دار المعارف، 1392هـ/ 1973م)، ص45
70ـ الزبيدي، طبقات، ص 39
71ـ أبو القاسم الزجاجي. الإيضاح في علل النحو. تحقيق مازن المبارك (بيروت: دار النفائس، 1394هـ/ 1974م)، ص ص 65 ـ 66
72ـ أبو بشر عثمان بن قنبر سيبويه. الكتاب: كتاب سيبويه. تحقيق عبد السلام محمد هارون (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977م)، 2/ 124

*نشرت في مجلة جامعة الملك سعود، م10، الآداب (1)، ص ص 3 ـ 33 (1418هـ/ 1998م)

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
استيضاح (61) : عصور الاحتجاج والمادة العلمية للتقعيد والتنظير للنحو واللغة قطرب المستنير أنت تسأل والمجمع يجيب 1 09-11-2017 05:34 PM
الاحتجاج في العربية: المحتج بهم – زمان الاحتجاج مصطفى شعبان البحوث و المقالات 2 01-16-2017 03:58 PM
دراسات العطية للنحو واللغة(2) أ.د أبوأوس إبراهيم الشمسان مقالات أعضاء المجمع 0 01-01-2017 12:55 AM
دراسات العطية للنحو واللغة(1) أ.د أبوأوس إبراهيم الشمسان مقالات أعضاء المجمع 0 12-24-2016 09:26 AM
الاحتجاج في العربية: المحتج بهم – زمان الاحتجاج شمس البحوث و المقالات 2 11-25-2016 05:35 PM


الساعة الآن 09:25 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by