حروف المعاني وبلاغة النص
الباحث: د. صلاح الدين محمد غراب
المصدر: المؤتمر العلمي الدولي الأول - معالم التجديد في علوم اللغة العربية وآدابها - كلية اللغة العربية بالزقازيق - جامعة الأزهر - مصر، مج 1
تاريخ النشر: 2009
مقدمة
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته أجمعين.
وبعد:
فإن حروف المعانى فى اللغة العربية تمثل الروابط الدقيقة فى نظم الكلام البليغ، والناظر فى بلاغة الكلام يجد لها دورا فاعلا فى بناء هيكل الكلام وتوجيه معانيه، وقد اهتم علماء العربية بها من اللغويين والمفسرين وشراح الأدب، وبعض الدارسين المعاصرين وقد أردت بهذا المقال أن أجمع متفرقها وأشكل منها صرحا متكامل الأركان، واضح البنيان، وذلك بالحديث عن بلاغتها فى النص حديثا يعطى الملامح العامة ويكشف عن الأسرار البلاغية واللطائف الأسلوبية من نظمها فى بعض النصوص، وقد انتظم المقال هذه المحاور:
الأول:
حديث عن حروف الجر من حيث التكرار أو التنوع أو الذكر والحذف أو التقديم والتأخير.
الثانى: حديث عن حروف العطف وبيان الحيثيات الدقيقة لحروف- الواو- والفاء- وثم.
الثالث:
حديث عن أدوات الشرط وقد تجاوزت به مقررات البلاغيين حول- إذا وإن ولو- وأسرار عدول صيغ الأفعال فى ظلال هذه الأدوات إلى تلك الأدوات التى تتركب منها مع غيرها أو تلك الأدوات التى تؤدى مؤداها فى الأسلوب.
الرابع: حديث عن حروف النفي وقد بينت أنها ليست من الترادف في شىء، فهي وإن كانت جميعها تدل على النفي إلا أن كل نفى له درجته من التوكيد وعدمه وأن كل أداة لها خصائصها الأسلوبية.
أولا-حروف الجر
حروف الجر مصطلح له دلالته:
وحروف الجر هو المصطلح الغالب على تلك الحروف العشرين التي ذكرها النحويون، وتسمى أيضا بحروف الإضافة وحروف الصفات.
فأما كونها حروف جر فلأن الاسم يأتي بعدها مجرورا وهذا الجر تابع لحركة الفك الأسفل أثناء النطق.
كما أن باقي علامات الإعراب من ضمة وفتحة وسكون إنما هو قائم على أوصاف حركات الفم.
وسميت بحروف الصفات لأنها تحدث صفة في الاسم كالظرفية والبعضية والإستعلاء ونحو ذلك([1]).
نظريات مقارنة:
1-إذا نظرنا إلى- حروف الجر-في اللغة الإنجليزية وهى تترجم إلى-prepositions- ومعناها سابقة المكان؛ لأنها تكون قبل الاسم أو الضمير؛ فهي تسمية باعتبار المكان لا باعتبار العمل؛ ووصفها بالجر لا معنى له لأن اللغة الإنجليزية ليس فيها جر ولا رفع وحروف الجر فيها من الكثرة بمكان ومنها:
At-in-into-of-off
on –after-before-about-above-by-to-till-under-with
ويلاحظ أن هذه الكلمات ليست خالصة للحرفية وإنما فيها بعض الظروف.
2 - أن حروف الجر في العربية تتكون تكونا طبيعيا من الحروف الأحادي والثنائي والثلاثي والرباعي ولكن اللغة الإنجليزية تبدأ من الثنائي فأكثر.
3-حروف الجر في العربية صالحة للدلالة الحقيقية والمجازية حسب مدخوله- نقول محمد على الفرس ومحمد على الهدى ومحمد في نعمة- فيعطينا الحقيقة ومبالغة المجاز ولكن في اللغة الإنجليزية يدور حول الحقيقة.
فإذا أردنا أن نقول: محمد في البيت. قلنا:
Mohamed is at home
وإذا أردنا أن نقول: محمد في نعمة. قلنا:
Mohamed is blessed
وترجمتها: محمد منعم .
ونقول محمد على الفرس. وترجمتها:
Mohamed is on the horse
Ali is right
ونقول على على الحق: Ali is right
وترجمها على محق.
أو نقول: He has the right
وترجمتها هو يملك الحق:
والفرق الدلالى واضح بين فلان محق أو فلان يملك الحق وبين فلان على الحق، وهذه الفروق لا تظهر واضحة إلا في العربية.
من ثرا ء الدلالة في حروف الجر:
من العسير أن نلم بالأسرار البلاغية لحروف الجر في هذه الورقات وحسبنا أن نقدم نماذج تشهد بالإبداع وعمق الدلالة في التراكيب القرآنية.
1- تكرار الحرو ف الجر:
وهذا التكرار إما أن يكون بالحروف المكررة وإما أن يكون بتنوع الحروف.
أ- تكرا ر الحروف المتماثلة:
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾([2]) فقد تكرر الحرف على- في الآية الأولى- وحرف
الباء في الآية الثانية؛ وجاءت الآية الأولى في مقابلة الآية السابقة التي وصف الله فيها المتقين بأنهم ﴿ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾([3]) حيث تشير- على- إلى التمكن من الهدى والاستقرار عليه بطريق المجاز ولاشك أن الاستعلاء أقوى أنواع التمكن فقوبل هذا الثناء بهذا الحجب والإقصاء لهؤلاء الكافرين الذين منعهم الله من نفاذ الإيمان إلى منافذ الإدراك فيهم- وهى- القلوب والسمع والأبصار - وبدأ بالقلوب لأنها أساس الفهم والإدراك ثم السمع لأنها المنفذ إلى القلب، ثم كانت الغشاوة على الأبصار لحجبها عن أدلة التوحيد؛ وفى اختيار حرف الجر- على- ما يدل على قوة المنع وعدم حصول فائدة إيمانية لهم على وجه الإطلاق؛ فالاستعلاء هنا استعلاء حجب وحرمان بطريق المجاز وإن كانت وسائل الإدراك موجودة لكنها عطلت، وقوله: (ومن الناس) هذه طائفة ثالثة هي طائفة المنافقين وهو من باب عطف القصة على القصة وقد أكدوا القول بإيمانهم بالله وباليوم الآخر بتكرير حرف الجر وجعلوا ذلك في إطار الجملة الفعلية التي تدل على تحقيق ذلك منهم في الماضي وهو مستمر في الحال؛ وكان
الرد عليهم بالنفي المؤكد كذلك ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ بدخول حرف الجر على خبر-ما-النافية الدالة على النفي في الحال؛ وهو يستلزم النفي في الماضي من باب أولى وإذا كانوا قد اهتموا بالفعل وهو- آمنا- وجاءوا بالجملة الفعلية لذلك فقد جاءت الجملة التي تنفى عنهم الإيمان اسمية لأن الاهتمام فيها يكون للفاعل، أي: أنهم كاذبون في قولهم آمنا([4]).
ويناظر تكرار حرف- على- ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾([5]) نجد أن حرف- على - يمثل استعلاء القهر وقدرة الله النافذة حيث لا يجدى علم ولا ينفع سمع ولا قلب ولا بصر؛ فكل ذلك مقهور لله عز وجل، وذلك بسبب الكفر؛ ولذلك كان اختيار- على- وتكراره تجسيدا للقهر والغلبة التي أحاطت بوسائل الأدراك فأحبطت عملها وأزالت إدراكها.
وكان الختم على السمع أولا هنا لأن الحديث عن كافر سمع ولكنه استكبر كما ورد في السورة- يسمع ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([6]) و كان في البقرة على القلوب أولا لأن الحديث عن كافرين كفرهم أشد والختم على القلب أقوى.
وتكرير حرف الجر في البقرة ثلاث مرات، وفى الجاثية مرتين يدل على أن توكيد الختم في البقرة أقوى واكد لأن الكفر أشد وأطغى؛ لأنه قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾([7])فالإنذار وعدمه سواء بالنسبة لهؤلاء الكافرين ولذلك لا يرجى منهم إيمان، ولذلك قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾([8])بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، وذلك بخلاف قوله في الجاثية:﴿ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾([9]) بالجملة الفعلية الدالة على التجدد والحدوث، والجعل معناه التصيير والتحويل ومعنى ذلك "أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل- يدل على ذلك
قوله تعالى:﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾([10]) مما يدل على أنه كان مبصرا قبل ترديه"([11]).
وقد يتكرر الحرف ليبين واقعا حقيقيا في عالم المخلوقات كما في قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ﴾([12]).
فتكرار- ومنهم، وعلى-لاستقلال كل قسم عن الآخر، وإن الكل محط نظر واعتبار، وقد غلب جانب العقلاء لأن الكل سواء في الدلالة على قدرة الله وبديع صنعه.
وكذلك وجد في قول الشاعر (الحصين المرى):
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا...ولكن على أقدامنا تقطر الدما
نفلق هاما من أناس أعزة ... علينا وهم كانوا أعق واظلما
يتمدح بالشجاعة على الأعداء والإقدام في الحرب حيث لم يجد لاستبقاء الحياة بعزة سوى التقدم كما قال:
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدما
ويدلل على شجاعة قومه؛ بأن الدماء والجراحات تقع على الأقدام لا على الأعقاب وجاءت الجملة الاستدراكية لتقرر أن الدماء والجراحات على الأقدام بعد أن نفت الجملة الأولى أنها تكون على الأعقاب وكل ذلك كناية عن شجاعتهم وقوة بأسهم، وبخاصة على نفر منهم كانوا يستحقون الإكرام ولكنهم بدأوا بالشر والعدوان، وانظر إلى قوله (أعزة علينا) وكيف أشاع حرف الاستعلاء- علينا
-الواجب الذى كان عليهم نحوهم من الإكرام والإعزاز ولكنهم كانوا أسبق إلى العقوق والظلم فألجأونا إلى الانتقام([13]).
ويقول الحارث الذهلى- الجاهلى:
ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد نابت الهرم
وتركنا لحما على وضم ... لو كنت تستبقى من اللحم
انظر إلى حرف الاستعلاء- على- وما أشاعه من القهر والذلة- على حنق- على وضم- اى: أن هذا الوطء أثر فيهم تأثير الحنق الغضبان كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ الشجرة وخص المقيد لأن وطأته أثقل. كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. وحكى عن العرب أعوذ بالله من وطئة الذليل؛ أى من يطأنى لأن وطأته أشد.
كما قال امرؤ القيس:
وأنك لم يفخر عليك كفاخر ...ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
كما أن قوله في البيت الثانى:
وتركنا لحما على وضم:-.............
مثل يضرب في الانقياد والذل ولذلك قالوا- النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه([14]).
وانظر كيف أثر الشاعر تعدية الفعل- زرى- بحرف الاستعلاء- على- دون- الباء- حيث يعدى بهما؛ فيقال: زريت عليه فعله إذا عبت عليه فعله، وزريت به إذا وضعت منه وقصرت به. يقول الشاعر:
فما أكبر الأشياء عندى حزازه ... بأن أبت مزريا عليك وزاريا([15])
أدخل الشاعر- الباء- في خبر- ما النافية- بأن أبت-تأكيدا للنفى، وهى تقع في خبر- ما- وليس- كثيرا- ويؤثر حرف الاستعلاء في قوله عليك، وفى- علينا- المحذوفة أى وزاريا علينا- لأنه أراد العيب، والمراد أنه لا يحز في نفسى أن ترجع دون أن تظفر بطلبك وأنت عائب علينا ومعيب عندنا.
وتأمل تكرار الباء في قول الشاعر:
فلئن فلت هزيل شباه ... لبما كان هزيلا يفل
وبما أبركها في مناخ جعجع ... ينقب فيه الأظل
وبما صبحها في ذراها منه ... بعد القتل نهب وشل
وتدور الأبيات حول ما فعله خال الشاعر في هزيل من القتل وبما ألجأها إلى أسوأ المنازل كالبعير وبما داهمها به في جبالها ومعاقلها من البطش والتقتيل والنهب، وقد رد ذلك إليه.
وتأمل بعد ذلك قوله- لبما - وبما أبركها- وبما صبحها- وكيف آثر- الباء- الدالة كما يقول الشيخ/ محمود شاكر على "المقابلة والعوض والجزاء والبدل كما تقول- هذا بذاك" لان المعنى قائم على الفعل ورد الفعل.
كما يلحظ رحمه الله من واقع نغم هذه الأبيات الثلاثة "أنها جيدة التقسيم، وبطء الحركة في البيتين الأولين- لاجتماع ستة
زحافات فيهما- يوحى ببقية من غيظ قديم مكظوم ولاسيما في هذه الأنغام الثلاثة- لبما كان- و- بما أبركها - وبما صبحها - وتوحى أيضا بالتصميم الخفي والصلابة([16]).
والباء الدالة على البدلية والعوض وردت كذلك في قول الشاعر:
فما الرشد في أن تشتروا بنعيمكم ... بئيسا ولا أن تشربوا الماء بالدم
ب- تكرار الحروف المتنوعة:
ومن بديع الحروف في النظم أن تتكرر وتتنوع في الأسلوب الواحد مثل أسلوب القسم، تأتى الواو، والباء، والتاء، والواو أكثر استعمالا ولا تختص بلفظ الجلالة، وإنما تأتى معه ومع غيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾([17])، ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾([18])، ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾([19])، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾([20]).
وتأتى- الباء- مع الله ومع غيره كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾([21])، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾([22]) وهى دالة على الطلب والاستعطاف .
وأما التاء: فخاصة بالله عز وجل كما في قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾([23])، ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾([24]) وهى دالة على معنى التعجب والتفخيم.
قال الزمخشري : "في قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ فإن قلت ما الفرق بين الباء والتاء؟ قلت إن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه لصعوبته وتعذره"([25]).
وفى قوله تعالى: ﴿۞إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾([26]) نجد أن- اللام- جاءت أولا للأربعة الأول، ثم جاءت- في- مع اثنين، ثم تكررت مع الاثنين الأخيرين، والعلة في ذلك كما يقول الزمخشري- للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره لأن- في- للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبا، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفى فك الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال.
وتكرير-في- في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السبيل فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين"([27]).
كما أن اللام مشعرة بتملك الأربعة الأوائل لما يصرف إليهم.
ولكن الأربعة الأواخر إنما هم محال لما يصرف إليهم من اجل إنقاذهم مما هم فيه ومن البين في ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾([28]) فقد أقسم الشيطان بأنه سيترصد لكل من يسلك طريق الحق ونلاحظ أنه قال: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، واللام تفيد الاختصاص في قوله: (لهم) أى: هم خصوصا أهل الحق والصلاح هم الذين يقعد لهم الشيطان في كل مكان يسلكونه ولذلك لم يقل: (في صراطك المستقيم) لدلالة- في- على خصوصية المكان وهو لا يريد مكان معينا وإنما يريد المكان على سبيل العموم أى: في أى مكان يرى فيه أهل الحق، وبعد ذلك ارتقى بطريق التراخي الرتبي في- ثم- ليحدد السبل التي ينفد فيها إلى أعدائه وهو يتسلل إليهم في خفية ولذلك عبر عن ذلك بالإتيان-لآتينهم- دون المجيء، وذكر جهتين-بــــــ/من — من بين أيديهم ومن خلفهم، وجهتين بــــــــ/عن- عن أيمانهم وعن شمائلهم.
وحرف من يدل على أن بداية الإتيان إليهم يكون من الأمام ومن خلف، وأما إتيانه من اليمين والشمال فإنه يكون منحرفا عنهم وذلك من منطلق أن- من- للابتداء- وعن- للمجاوزة- وهذه فروق دقيقة في بلاغة استعمال الحروف قلما توجد إلا في العربية.
نقول- جئته من يمينه- أى: أن ابتداء مجيئك كان من جهة اليمين.
وجئته عن يمينه؛ أى: أن المجيء كان منحرفا عن اليمين.
وجئته من عن يمينه؛ أى: أن بداية المجيء كان منحرفا عن جهة اليمين([29]).
وانظر إلى قوله تعألى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾([30]).
وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾([31]). تأمل قوله﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا- فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ تجد أن- فيها- ومنها- ترسم وترسخ مبدأ التعامل مع الأموال، والأمر الأول للأوصياء.
يقول لهم- اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق([32]).ويؤيد هذا المعنى قوله-صلى الله عليه وسلم - :(ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلها الزكاة).
والأمر الثانى للورثة الذين يجتمعون لقسمة الميراث أمروا بأن يعطوا هؤلاء الحاضرين شيئا من التركة ترضية لهم وجبرا لخواطرهم، ولذلك قيل: ﴿ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ أى: مما ترك الوالدان والأقربون.
ومما تراوحت فيه حروف الجر- اللام- و- إلى قوله تعالى من سورة الرعد: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾([33]) من سورة لقمان: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾([34]) ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾([35]) كل هذه الآيات ناطقة-بقدرة الله عز وجل حيث سخر هذه النجوم والكواكب لمصلحة الإنسان بما ينتج عنه من الليل والنهار وفصول السنة الأربعة، والفعل- يجرى- يدل على هذه الحركة الحثيثة المستمرة طوال هذه الحياة، وأن هذا الجري لهدف وغاية مقصودة، ثم إن هذا الجري سوف ينتهى عندما تصل الحياة إلى نهايتها. ولذلك تنوعت تعدية هذا الجري.
فعندما عدى باللام الدالة على الاختصاص وبيان التعليل، كان المقصود الجري الدنيوي لإدراك أجل مسمى.
وعندما عدى بإلى، كان المقصود الانتهاء إلى أجل مسمى في الأخرة التي ينتهى إليها كل شيء.