ها هو ذا يتحدث في تقديمه كتاب " الإسلام يتحدى " لوحيد الدين خان ، عما أريد له أن يكونه فأباه أشد الإباء ورصد حياته للثورة عليه ، قائلا : " جاء جيلنا ليتوهم ، أو ليراد له أن يتوهم أنه مجرد وارث لأجيال سابقة ، عليه أن يستغل تركتها في خلق ملذاته ، فإذا ما جوبِهَ بتحديات عصره لجأ إلى المباهاة بتراثه ، المباهاة وحدها ، المتمثلة في أكثر الكتابات المنشورة ، التي لا تمل أن تحكي وتحكي ، حكايات في حكايات ، وتقف أحيانا مستعلية من فوق منبر ، لتمطر على الحضور وعظا في وعظ ، دون أن تبلغ في ظن الجماهير أن تهز وجدانا ، أو حتى تحرك قشة . إن أخص صفات عصرنا هي أنه ينتج من الأفكار بقدر ما ينتج من الأشياء ، وليس من الضروري أن نتطلب من الأفكار المنتجة أن تكون نافعة دائما كالأشياء ؛ فإن المجتمعات التي تصدر إلينا أشياء الحضارة ترى في الأفكار سلعة ينبغي أن تتغير كل يوم ، كما تتغير طرز الأشياء ؛ ولذلك يقف مثقفونا مبهورين أمام موجات الفكر الواردة من الخارج : ماذا يأخذون ، وماذا يدعون ؟ بل قل : ماذا يقرؤون ، وماذا يترجمون ؟ ولا شيء أكثر من هذا ! يكفيهم أن يستطيعوا ملاحقة الأفكار دون أن يكون عليهم أن يواجهوها ، أو ينقدوها ؛ فهم إلى أن يصوغوا نقدا معينا لأحد الاتجاهات الجديدة نسبيا يكون الوقت قد فات ، وتَقادَمَ بمرور الزمن ما ينتقدون ، وغطت عليه أفكار أخرى أشد لمعانا وأكثر جاذبية وإشعاعا . ومما لا شك فيه أن العالم الإسلامي هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار ، نظرا إلى موقعه وخطورة موقفه بين الكتل المتصارعة أو بعبارة أخرى مراكز الإنتاج . والهدف من وراء التصدير واحد لدى كل هذه المراكز ، أن يبقى هذا العالم مفتقرا إليها على اختلافها ، وأن يحال بينه وبين أفكاره الأصيلة ، التي يمكن أن تغنيه عن الاستيراد ، وتحقق له الاكتفاء الذاتي " .
تلك كلمةٌ له في تقديم عملٍ لغيره ، ولكنها أوجز ما يعبر عن رسالة الثقة والطموح والسخط والجرأة ، التي وَطَّنَ عليها نفسه ورصد لها أعماله . والأمثلة كثيرة :
منها عمله بكتابه " القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث " ، الذي قال في مقدمته : " هذا كله ( أعمال اللغويين الحداثيين المعاصرين ) وغيره على كثرته وغناه ، لم يحاول أن يقترب من دراسة ظواهر اللغة العربية الفصحى دراسة نقدية ، تصفي آراء القدماء ، وتقومها ، وتضع حلولا جديدة للمشكلات التي بقيت دون حل ، أو التي نالت حلا خاطئا قام على تصور قديم خاطئ " ؛ فأغرى الدكتورَ الطيب البكوش بإنجاز مأموله ، وإن لم يبرأ من النعي عليه قائلا : " إن ما نجده في بعض عناوين هذه الكتب من إشارة إلى ذلك ( الدرس في ضوء العلوم اللسانية الحديثة ) لا يخلو من ادعاء ؛ فنحن لا نجد فيها من الألسنية الحديثة إلا بعض المصطلحات والمفاهيم الثانوية ، أما المبادئ الأساسية كالنظام ووظائف وحداته وعلاقة بعضها بالبعض ، فإننا لا نجد فيها أثرا لذلك ، وهو ما يستوجب إعادة النظر فيها بصفة أعمق وأحدث ، مع إثرائها وإنارتها بنتائج البحوث في اللهجات العربية العصرية على اختلافها " .
ومنها عمله بكتابه " المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي " ، الذي قال في مقدمته : " إن المهم دائما هو الوصول إلى الحقيقة ، ولكن وسيلة الوصول تختلف من عصر إلى عصر . ولقد كانت للأقدمين وسائلهم المناسبة لبلوغ ما طلبوا من الحقيقة ، ثم مضوا إلى مستقرهم تاركين بصماتهم على ما خلفوا من آثار ودراسات ، فيها وصف لما عرفوا من الحقيقة من وجهة نظرهم , وجاء بعد ذلك دورنا في محاولة الوصول إلى الحقيقة ، بوسائلنا لا بوسائلهم ، ومن وجهة نظرنا ، لا من وجهة نظرهم ، ولكن عوامل التقليد تقف دائما دون هذه المحاولة في ميدان الدراسات العربية ، ولا سيما النحو والصرف . والتقليد هنا يشبه ما يسمى بسياسة فرض الأمر الواقع ، على أنه حقيقة يستحيل تغييرها ، وليس في معارف البشرية ما يمكن أن يكون قد بلغ الكمال ، حتى يستحيل تغييره ، ما دام مصدره هو العقل الإنساني ؛ فهذا العقل يؤكد في كل لحظة نقصه ، بسعيه الدائب نحو كشف المجهول " ؛ فأغرى أستاذَنا الدكتور سعد مصلوح بتأمل عمله ، مُتَحَفِّظًا منه بمثل قوله : " أشهد أن هذا المنهج أثار حفيظتي بالفعل ، وليس حسنا أن تذهب هذه الدعوة الكريمة بَدَدًا دونما جواب ؛ ومن ثم عمدت إلى بعض ما عن لي من ملاحظات ، لأجعله تحت بصر مؤلف الكتاب وقرائه ؛ لعله ولعلهم واجدون فيها ما يقع في دائرة النقد البناء الذي يقوم المعوج ويسد الخلل " .
ومنها عمله بكتابه " أبي آدم : قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة " ، الذي قال في أثنائه : " لا يطلق ( لفظ إنسان ) بمفهوم القرآن إلا على ذلك المخلوق المكلف بالتوحيد والعبادة لا غير ، وهو الذي يبدأ بوجود آدم - عليه السلام - وآدم على هذا هو [ أبو الإنسان ] وليس [ أبو البشر ] ، ولا علاقة بين آدم والبشر الذين بادوا قبله تمهيدا لظهور ذلك النسل الآدمي الجديد ، اللهم إلا تلك العلاقة العامة أو التذكارية ، باعتباره من نسلهم " ؛ فأغرى أستاذَنا الدكتور محمد بلتاجي حسن بتأمل عمله ، مُتَحَفِّظًا منه بمثل قوله : " قد حاكمنا كتاب الدكتور عبد الصبور إلى المعيار الذي قَبِلَه ( مراعاة قداسة النصوص المنزلة وعدم مخالفة معلوم من الدين بالضرورة ...) ؛ فتهاوت مقولاته واحدة بعد الأخرى (...) فهل يعيد الدكتور عبد الصبور النظر في مقولات كتابه على ضوء ما فصلناه ؟ نرجو ونأمل " .
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
قال لي مرةً بعضُ تلامذتي : ألا تمر محاضرة من غير أن تذكر الأستاذ محمود محمد شاكر ! إن كثرة ترديد اللسان علامة تعلق القلب ، ولقد تعلق أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين بالدكتور إبراهيم أنيس ؛ فلم يكن يترك ذكره لنا ، ولا يمله ، تعبيرا عن أفضاله ، وتنبيها على أعماله . لقد حظي بالجلوس إليه كما حظي غيره - وإن استفاد ما لم يستفيدوا - ثم حظي بإشرافه عليه في عمله برسالتيه للماجستير والدكتوراه جميعا ، فكانت بينهما علاقة وثيقة طويلة ، أَثَّرَتْ تأثيرا كبيرا في بناء تفكيره العلمي اللغوي وممارسته العملية التعليمية ، حتى قال فيه من آخر مقدمة كتابه " أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي " ، الذي كان رسالته للماجستير : " أسجل هنا عرفاني لأستاذي المغفور له الدكتور إبراهيم أنيس ، على ما أمدني به من مراجع وتوجيهات كان لها أبعد الأثر في إنجاز مهمتي ؛ فكثيرا ما دلني على وجهة الحق كما جنبني مزالق كثيرة ، رحمه الله وجزاه عن العلم والمتعلمين جزاء العلماء ! ولئن كان هذا البحث قد أُنْجِزَ في حياته ، فقد كتب الله ألا ينشر إلا بعد وفاته ، راجيا أن يكون ذلك رضا له في بَرْزَخِه " . وقال من آخر مقدمة كتابه " تاريخ القرآن " ، الذي كان الجزء الأول من رسالته للدكتوراه : " لست أريد أن أضع القلم قبل أن أسجل هنا عرفاني العميق لأستاذي الدكتور إبراهيم أنيس الذي عاش معي هذه المحاولة ، دفعني إليها ، وسدد خطاي في طريقها " . وقال في أثناء مقدمته لكتابه " القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث " ، الذي كان الجزء الأخير من رسالته للدكتوراه : " قد انتقلت موجة البحث اللغوي هذه إلى الشرق على يد جماعة من الرواد ، الذين تلقوا مناهجه في أوربا ، ثم جاؤوا إلى الوطن ، ليقدموا إلينا ما تلقوه عن أساتذتهم في صور مختلفة . وكان في مقدمة هؤلاء أستاذنا الدكتور إبراهيم أنيس الذي يعد بحق أول من حاول تطبيق مناهج علم اللغة الحديث في الوطن العربي على تاريخ العربية الفصحى ، وخرج لنا بجملة من الملاحظات النظرية ، تدعمها الشواهد اللغوية ، وبخاصة في كتابه " في اللهجات العربية " ، كما درس عدة ظواهر لغوية هامة في كتابه " من أسرار اللغة " ، وخصص كتابا ثالثا لدراسة الأصوات اللغوية ، وكتابا رابعا لدراسة دلالة الألفاظ " . وفي إهداء كتابه " المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي " ، الصادر بعقب وفاة الدكتور إبراهيم أنيس في 1977م ، يقول : " أستاذي الدكتور إبراهيم أنيس ، إلى روحك في الرفيق الأعلى ، تحقيقا لأمل طالما تمنيته ، ووفاء ممن علمته ورعيته ، وعليك سلام الله ورحمته وبركاته " .
وكذلك تعلق بالأستاذ محمود محمد شاكر الكاتب الأديب الفذ ، وطاب لديه ذِكْرُه ، حتى دعانا في بعض محاضراته إلى الاستشهاد بلغته فيما نستشهد لِلُّغة العالية . وحكى لنا أنه كان يتردد على مجلسه في أثناء ترجمته لكتب مالك بن نبي صديقه العالم الجزائري الفذ ، فلا يجد لنفسه مكانا بين جبال الحاضرين الشامخة ، ثم اتصلت بينهما الأسباب ، حتى قال في مقدمة ترجمته لكتاب " الظاهرة القرآنية " لمالك بن بني : " كان من فضل الله أن تولى أستاذنا الكبير محمود محمد شاكر ، تقديم كتاب الظاهرة القرآنية إلى القراء ، هذا التقديم الثمين ، الذي يعد بحق من أروع ما كتب في مسألة اتصال بيان العرب في الجاهلية بقضية إعجاز القرآن . وإني لأرجو الله مخلصا ، أن يتولى عنا جزاء أستاذنا ، بقدر ما بذل من جهده وما ضحى من وقته ، على عظيم تبعاته وخطر مسؤولياته " . ولم يؤثر في تقديره هذا الكبير لبيان الأستاذ محمود محمد شاكر عن مسألة " اتصال بيان العرب في الجاهلية بقضية إعجاز القرآن " ، ميله الواضح في البيان عن إعجاز القرآن ، إلى الأستاذ سيد قطب خصيم الأستاذ محمود محمد شاكر ، عن الأستاذ مصطفى صادق الرافعي حميم الأستاذ محمود محمد شاكر ، حتى قامت لديه بعض عبارات " في ظلال القرآن " للأستاذ سيد قطب ، بـ" إعجاز القرآن " للأستاذ الرافعي ؛ فلم تكن كتابة الأستاذ الرافعي الغامضة على جمهور القراء ، لتعدل لديه كتابة الأستاذ سيد قطب الواضحة لجمهور القراء ، على رغم اعترافه بغلبة كتابة الأستاذ الرافعي عليه ، في مرحلة من حياته !
لقد أنتج له رضاه عن نفسه ، ثِقَةً واضحةً فيها ، وأنتج له سَخَطُه على حال أمته ، جُرْأَةً واضحةً عليها ، ثم تَأَيَّدَتْ تلك الثقةُ بتلمذته للأستاذ محمود محمد شاكر الذي رصد حياته لتَوْثيق تلامذته بما بين أيديهم ، وتَأَيَّدَتْ هذه الجرأةُ بتلمذته للدكتور إبراهيم أنيس الذي رصد حياته لتَجْريء تلامذته على ما بين أيديهم ؛ فامتزج في شرابه المزاجان ، والتأم في كسائه اللِّفْقانِ !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !