#شيء من اللغة: ماذا بين السّدّين؟
د. هادي حسن حمّودي
وصلت عدة أسئلة ذات علاقة بقصة ذي القرنين. لفت نظري من بينها سؤالان:
هؤلاء القوم طلبوا من ذي القرنين أن يجعل لهم سدا، فلماذا أراد أن يجعل لهم ردما لا سدّا؟ أم هل السد هو الردم؟
#قرآن_لغة_سدّان_ردما_معلقات
جوابي:
كلا. الردم ليس هو السد. السد خاصّ، والردم عامّ. فحين تقول ردمت البئر، فلا تعني أنك أقمت سدّا، بل طمست البئر بمختلف المواد المتردمة تُكدّس بعضها فوق بعض، بحيث لا يستطيع أحد أن يعيد حفرها. وأعني بالمواد المتردمة مثل تلك التي ذكر المعجميون أنها ما يسقط من الجدار إذا انهدم. فبين الهدم والردم تقارب. ذلك أن (ردم): دال على سدّ ثلمة سواء كانت في جدار أم غيره. فالثوب الرديم هو الممزّق، وأنت تصلحه بردم مِزَقِهِ وتخرّقاته. فإن فعلت ذلك فأنت قد ردمته. والتفت بعض المعجميين إلى هذا فقالوا: الرّدْم: أكثر من السّدّ.
وزعم ابن منظور في لسان العرب أن الردم: السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج. وقالوا إن المتردَّم: الموضع الذي يُستصلح. واستشهدوا عليه بقول عنترة:
هل غادر الشّعراءُ من مُتَرَدَّمِ / أم هل عرفت الدارَ بعد توهُّمِ
فمعناه، عندهم: مستَصْلَح. ورفضه ابن سيدة فقال: إنه الكلام الذي يُلصق بعضُه ببعض، ومعناه: سبقَنا الشعراء إلى القول فلم يَدَعُوا مقالا لقائل.
وكلا القولين غير صحيح. فمن أين لابن منظور أن يقرر أن الردم هو السد الذي (بيننا وبين يأجوج ومأجوج)؟
وبأي دليل قرروا معنى بيت عنترة بأنه المستصلَح؟ فأصل المتردِّمِ: المتهدّم الذي صار ركاما بعضه فوق بعض. وهو الوصف الذي عرفته قصائد الأطلال، لأن تلك الأطلال متهدمة (متردِّمة). ومن الأدلة على هذا نصوص شعر الأطلال، ومنها قول عنترة في المعلقة ذاتها:
حُيِّيْتَ من طلل تقادمَ عهدُهُ / أقوى وأقفرَ بعدَ أُمّ الهيثمِ
فهو متهدم مقفر وليس مستصلَحًا. وليس له علاقة بما قاله ابن سيدة.
أما (سدد) فهو إغلاق الخَلل، وردم الثلم. من ذلك سددت الثُلمَةَ سدّا. وقالوا: كل حاجز بين الشيئين سدّ. وهذا غير دقيق فما كل حاجز سدّا، فالستارة، مثلا: حاجز وليست سدا.
والسَّدّ والسُّدّ، بفتح السين وضمّها: الجبل والحاجز. وذكروا أنّ قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) قُرئ بالفتح والضّمّ. وروي عن أبي عبيدة أنه قال: بين السُّدّين مضموم، إذا جعلوه مخلوقا من فعل الله. وإن كان من فعل الآدميين فهي سَدّ بالفتح. ونحو ذلك قال الأخفش.
وهذا كلام خطير وغير صحيح لأنه يعني أن الامر متروك للقارئ، فإذا تصور أنّ السّدّ من صنع الله فعليه ضمّ السّين، وإذا تصور أنه من صنع البشر فعليه فتح السّين. والوحي لا يخضع لما يتصوره هذا القارئ أو ذاك.
ونرى أن (ردما) أشدّ من السدّ وأكثر قوة. فمن السدود ما يكتسحه أدنى فيضان في النهر المار به. وأما الردم فلا يحصل له ذلك. لأن الردم يجب أن يكون قويا جدا. وهو هنا مكوّن من صدَفين (جانبين) بينهما زبر الحديد المذاب إلى درجة الاحتراق (حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا) أفرغَ عليه القِطْر الذائب الذي هو النحاس الذي صهرته الحرارة حتى عاد سائلا قابلا للتقطير على زبر الحديد المحترقة.
وكان يمكن أن يوصف هذا بالسد القوي الشديد الصلابة والصلادة، مثلا، ولكن ذا القرنين وصفه بالردم، لسببين:
أ- نظرا لطريقة صنعه الموصوفة في النص.
ب- ولما سيؤول إليه عبر الزمان، إذ سيصير ردما منهدما في الوقت المحدد له. وهذا واضح في تتمة النص: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء). والتسمية بما سيصير إليه الشيء باب من أبواب البلاغة معروف. وذلك حتى لا يغترّ القوم بما أنجزوه، بل عليهم الالتزام بالقيم المطلوب استيعابها من مجريات هذه القصة الجميلة، وهي: تحقيق العدل، ورفض العدوان، واتخاذ العلم وسيلة لتنظيم الحياة، كما سبق أن ذكرنا.
المصدر