mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > الأخبار > أخبار المجمع و الأعضاء المجمعيين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د عبد الرحمن بو درع
نائب رئيس المجمع

أ.د عبد الرحمن بو درع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 140
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 806
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي ملخص الأطروحَة الجامعية حولَ السياق في القرآن

كُتب : [ 12-09-2013 - 07:48 PM ]


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

نوقشَت أطروحة دكتوراه، في إطار فرقة البحث الأدبي والسيميائي، في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، مساء الجمعة 29 نومبر 2013م في موضوع: المنهج السياقي في تفسير القرآن الكريم، ضوابطه ومميزاته، سورة النور أنموذجاً.
وإغناء لما جاء به البحث من أفكار واقتراحات، اقتضى ذلك تلخيصه ونشره، ليعم تداوله في الوسط الأكاديمي.

سياق البحث:
كان عطف النظر إلى موضوع السياق استجابة لمقتضيات عدة، تواترت دواعيها على الباحث، فأغرته بالنظر في تلك المباحث، من أهمها أن الحديث عن السياق، صار في الآونة الأخيرة حديثا مطروقا، وغَرضا مَروما، تكلم فيه الباحثون فأكثروا، وظهر للباحث صاحب الأطروحَة، أن ثمةَ فضلَ كلام في السياق، لم يوفَّ حقَّه من النظر، وموضعَ إغفال لم يتأتَّ الإلمامُ به على وجهه، فكان ذلك داعيةً إلى تجريد البحث في موضوع السياق من جهة المُنجز العربي فيه في إطار علاقته بالنص، وذلك بالنظر فيما افترق من مباحثه في كتب التراث، قصد تجميعها وإخراجها إخراجا يتلاءم وما للسياق من القيمة النصية، والحضور الوازن في منظومة لسانيات النص وتحليل الخطاب.
وبما أن من مُسلَّمات البحث؛ أن التراثَ العربي، كان مبتدأ أمره ومنتهاه النص، فإن من مقتضيات هذا؛ أن ما تم إنجازه في إطار الدرس النصي اللساني، قد صار التراث معنيا به، من جهة ما جد في هذه الدراسات من الإشكالات والمناهج والتصورات، وصار الباحثون مطالبين بالبحث عن الصلات ونقط الالتقاء التي يتلاقى فيها كل من التراث واللسانيات.
ولما كان الأمر على ما سلف كانت داعية التساؤل المنهجي، قاضية بأن يكون البحث عن السياق متعلقا بإطار عام يندرج فيه، ومرتكزا إلى باب من أبواب العلم يركن إليه، لهذا جردت النظر فيه إلى هذا موضوع السياق، وتناولت قضاياه مستهديا بمباحث علم النص وإشكالاته، ومسترشدا بمناهجه في مسار البحث، ولا ريب أن لسانيات النص كان لها أثر كبير في الكشف عن هذه المناحي الجديدة في السياق، والتعريف بها وتشهيرها، مما يجعل البحوث التي تنجز الآن معنية بالإسهام في دراسة مناحي السياق الجديدة، ومتابعة الأفكار الواعدة المتعلقة به.
وقد أصبحت لسانيات النص، بما راكمته من مناهج، وبما لها من آفاق واعدة، تلقي بظلالها، على الدراسات النصية في العالم العربي، وتفرض بما لها من حضور علمي وازن، على المتلقي في العالم العربي مسايرة معرفية لقضاياها، ومعرفة منهجية بطرائقها.

ومن ثم فإن الدافع المعرفي الأساس في اختيار هذا الموضوع، الاستجابةُ لمقتضى هذه المواكبة المعرفية، التي تغني الدراسة التراثية، بما تكشف عنه من تميز وإبداع فيها، وتسهم في إيجاد الصلة القوية بين الأفكار المعرفية الممتدة عبر التاريخ.
وإذا كانت العلوم في التراث الإسلامي، إنما نمت في دائرة القرآن الكريم، فإن ذلك يعني ضرورة أنها نمت في إطار النص، غير أن الاهتمامات المعرفية، وشروط الاشتغال المعرفي التي توفرت لهم، وطبيعة الإشكالات التي رافقت ميلاد هذه العلوم ونشأتها، كان له أثر في توجيه هذه العلوم، وتأليفها على الوجه الذي آلت إليه في الثقافة العربية.
ويؤكد البحث بهذا الصدد؛ أن الوعي النصي كان حاضرا في الممارسة العربية التراثية، منذ أن نزل القرآن الكريم، ودعا الناس إلى تدبر آياته، والنظر في أحكامه، فكانت هذه الدعوة تُلزم كل ناظر في القرآن الكريم، أن تكون له من العدة النصية، ومن المعرفة بالخطاب القرآني، ما يؤهله لتحقيق شرط التدبر، ويُمَكِّنُه من الاستجابة لمراد الشارع.

وقد كان هذا السبب الظاهر، داعيا إلى إعمال الفكرة، وطول التأمل، وإلى التماس وجوه الكشف والبيان، وإلى بذل قصارى الجهد واستفراغ الوسع في سبيل الوقوف على معاني الذكر، وتحرير مراد الشارع منه، امتثالا للدعوة المتكررة على لسان الشرع إلى التدبر ومدح المتدبرين.
ولا ريب أن هذه النهضة النصية في بدايتها، كانت تحدوها أسئلة موجهة، تتعلق بطبيعة فهم النص القرآني على أي وجه يكون؟ وكيف السبيل إلى فهمه فهما موافقا لمراد الله؟ وما الأدوات المنهجية المعينة على ذلك؟ في أسئلة أخرى متصلة بها، كانت مستبطنة في الوعي، كشف عنها ما أبدعه نظار المسلمين من وجوه النظر في القرآن الكريم، إذ كانت المعرفة في أصلها جوابا عن تساؤلات واردة، وإشكالات وافدة، فكانت هذه الأسئلة الموجهة، والإشكالات المؤطرة، مؤسسة لمعرفة نصية تتعامل مع النص القرآني الكريم، بما هو نصٌّ معجز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

ثم إن الوعي النصي في التراث، يكتسب قيمته من كونه بدأ من القرآن الكريم، فأكسبه ذلك مزيد خصوصية، كامنة في كونه تعامل مع أرقى النصوص وتفاعل معها، فاكتسب بذلك من الخبرة النصية، ومن المعرفة الحافة بالنص، ما أهله أن يخوض غمار النصوص الأخرى، بسهولة ويسر، لأن الأدنى مندرج في الأعلى ضرورة وحكما، وهذا ما يظهر جليا في الممارسات النصية الأخرى التي تمثلت في: كتب الحديث وشروحه، وفي فنون البلاغة والنقد وقرض الشعر، إلى شرح المتون العلمية وغيرها من أنماط الممارسات النصية في التراث العربي. "ويبدو للناظر المنصف في تراث اللغويين والمفكرين العرب القدماء في هذا المجال، أنهم قد تعجلوا قطع مسافة التطور اللغوي التي وصل إليها الدرس اللغوي الحديث، في كثير من وجوهها"
وعلى الجملة؛ فإن النهضة النصية في التراث، كانت آخذة بأسباب القوة وطرائق النمو، منذ أول نشأتها، وهذا أمر أكسبها فضل معرفة نصية رصينة، أثبتت جدارتها في تعاملها مع النص القرآني على مر الأيام.

وقد اهتدى النظار في نص الكتاب، إلى استنباط جمل من المناهج التي تخدم النص، وتكشف عن دلالته، وكان من أهم تلك المناهج، التي نبهوا عليها "منهج السياق"، الذي تناثرت مباحثه في المصنفات، من كتب التفسير والحديث والفقه وغير ذلك، مشكلة مجالا تطبيقيا واسعا، يزود الناظر فيه بكثير من النظر المبدع في هذه الأداة، والإعمال الدقيق لهذا المنهج.
وهم بهذا البيان التطبيقي، أكدوا على أهمية منهج السياق في الفهم، ووقفوا عنده وقوف عارف به وبقيمته، وجعلوا احتكامهم إليه في الدلالة، أمرا متعارفا، ورجوعهم إليه عند الاختلاف، عادة مستحكمة.

بيد أن انتشار مباحث السياق في التراث، وتشعب مسائله، أفضى إلى كونه لم يكن عندهم فنا قائما بذاته، ولا علما ذا أصول خاصة به، بل كان بابا من أبواب المعرفة، التي يتواصون بها، ونهجا من مناهج النظر التي يأخذون بها، قد استبطنوه عندهم في مناهج التحليل بالقوة، وظهرت تطبيقاته في مختلف النصوص التي تناولوها بالدرس والتحليل.

وهذه الدراسة السياقية المبثوثة في ثنايا الكتب، تمثل عمود دراسة سياقية، عربية المحتد والأرومة، وتشكل قوام منهج سياقي رصين، ما أحرى بمباحثه أن تجمع، وأن ينتظمها سلك النظر، لما فيها من دقة وحسن توظيف، ولما فيها من اقتراحات وإسهامات، تغني الدراسة السياقية الحديثة، وتعود عليها بعوائد وفوائد.

ويطمح البحث -كما يُبيّنُه عنوانه- إلى رصد المعالم الكبرى للممارسة السياقية، في الممارسة التفسيرية في التراث العربي على وجه الخصوص، بناء على أن هذه الممارسة التفسيرية، هي في بنيتها ممارسة نصية في الأساس، قائمة على تحكيم جمل من الأدوات النصية، المبنية على جهاز مفاهيمي متنوع، إذ لا يتأتى التعامل مع النص، دون استبطان واع، بمستوياته وأنماطه ومقولاته وقضاياه، ودون التوسل إليه بمصطلحات دالة، وجهاز نظري متماسك.
ورصد هذه المعالم يعني إعادة قراءة في مفهوم السياق انطلاقا من المنظور المعرفي الحديث، وهذه القراءة تتسم بسمتين؛ فهي:

أ‌- مؤكدة للقراءة الأولى، وداعمة لنتائجها، وهذا مما تفرضه طبيعة التأمل المشترك في الموضوع الواحد، وهو مما يوثق الأنساب بين الأفكار، ويعمق الوشائج بين المعارف، ويدل على أن المعرفة على امتداد تاريخها منبعها من مشكاة واحدة.

ب- وهي أيضا ضرورية وواجبة، لأن الحاجة ماسة في هذا الزمن إلى "ضبط تفسير كتاب الله تعالى، بنظريات منهجية تتسم بالدقة والعمق، بحيث تشكل مادة مركبة من ضوابط، وقواعد جزئية تترابط فيما بينها لتشكل في النهاية كليات جامعة مانعة تكون هي المسطرة العلمية المشروعة لتفسير القرآن الكريم"
ولعل هذا البحث يسهم في هذا المجال، في دراسته لقاعدة من قواعد التفسير، ومنهج من مناهج استنباط معاني النص.

ويحقق النظر إلى السياق من هذه الجهة؛ أربعة أغراض كبرى، تتجلى في كونه
- يغني الدرس اللغوي العربي، من خلال مقاربة السياق مقاربة جديدة.
- ويكشف عن مواطن الإبداع في الدرس السياقي العربي.
- ويحاول أن يكمل ما حقه أن يكمل من الجوانب التي أهملت، أو لم يستوفها النظر في السياق، مما يمكن أن يسهم به البحث اللساني المعاصر.
- ويسفر عن مدى التقارب بين النظر التراثي واللساني، هذا التقارب الذي "فرضته طبيعة التأمل في الظواهر اللغوية، وأملاه الانتساب إلى هذا الحقل اللغوي، الذي هو حقل بشري لا يتغير بتغير الظروف والأحوال"


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
أ.د عبد الرحمن بو درع
نائب رئيس المجمع
رقم العضوية : 140
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 806
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د عبد الرحمن بو درع غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-09-2013 - 07:50 PM ]


منهج البحث:
قام البحث على منهج الجمع والتنسيق، جمع المادة من مظانها، ثم تنسيق هذا المجموع، ومحاولة ربطه بتصور نسقي موحد، يجمع شتات هذه الجزئيات، وينظمها تحت أصول جامعة.
وباب الجمع والتنسيق من أبواب التأليف وأغراضه، يقوم على فنون من الاختيار وضم الأشباه والنظائر والمتماثلات، ويكون بابه في المتشعب من المسائل، والمفترق من المباحث، التي يراد لها أن تكون مجتمعة تحت غرض واحد كبير، يلم شعثها ويضم منتشرها.
وقد حاول البحث على مقدار الوسع، استجماع شرائط السياق ومقوماته، وتدقيق النظر في مكوناته وبنياته، وتتبع تجلياته ومظاهره.
واجتماع فصول المسائل، مبني على أصول سابقة، وشرائط معتبرة، يؤخذ بها عند الجمع والتنسيق، وقد كانت هذه الأصول في البحث، قائمة على تحكيم مبدأين:

1- مبدأ التأصيل، ويعنى به أن هذه المسائل المتفرقة، لا بد أن يجمعها أصل واحد من النظر، تتأطر به مباحثها، ويتوحد به عملها، وهنا تمت الاستعانة بعلم النص، بما أنه علم يجرد النظر في النص، ويوفر إطارا نظريا عاما، يمكن الإفادة من تصوراته وفرضياته وإشكالاته ومفاهيمه وقضاياه.

2- مبدأ التفعيل، ويعنى به أن مفردات السياق، تكتسب قوتها من عملها في إطار انتسابها للأصل، واجتماعها عليه، فما فيها من القوة التحليلية للخطاب، يمكن تفعيله على وجه أكمل، وتوظيفه التوظيف الأمثل، إذا ما جمعت هذه المفردات، ثم ركبت تركيبا جامعا، يراعي مستوياتها ووظائفها ومراتبها، وهنا تم جمع ما انتشر من مباحث السياق ومفرداته، وضمها تحت مفهوم واحد موسع هو السياق، مع إعادة توزيعها على مجالات السياق ومستوياته.
إشكالات البحث.

وقد استرشد البحث بمجموعة من الإشكالات سعى إلى تبين وجه الإجابة عنها، بقدر الوسع والطاقة، لعل من أهمها:

 هل يمكن الادعاء أن المفسرين بحكم طبيعة اشتغالهم في إطار النص القرآني، كانوا يصدرون عن وعي نصي، قائم على مراعاة خصوصية الخطاب ؟
 هل يمكن القول بأنهم قاربوا هذا النص بمجموعة من الآليات المنهجية، تمثل إلى حد ما أنموذجا تحليليا للخطاب القرآني، وذلك باستحضارهم علوم القرآن، وتوظيفها في النص القرآني ؟
 هل يمكن الزعم بأن مدونة علوم القرآن تقوم على بنية نصية في الأساس؟
 إلى أي مدى نعُدّ مفهوم السياق في التراث مفهوما ناضجا؟
 وهل كان حضوره في التراث حضورا قائما ضمن تصور معين؟ ونسق متكامل؟ أم أنه حضر اتفاقا من غير قصد؟
 ثم هل يمكن الحديث عن منهج سياقي تراثي متكامل؟
 وما الجوانب التي أغفلت في دراسة السياق في التراث، وكان ينبغي إكمالها أو تعديلها؟
 وما الجوانب التي حصل فيها الإبداع؟
 وهل كانت الاستعانة بالسياق قاصرة على وظيفته الدلالية؟ أم كان ثمة وظائف أخرى نيطت به؟ إلى غير ذلك من الإشكالات.

وينبغي التأكيد هنا على أن كلّ قراءة للتراث، تتم في اللحظة الحضارية الحالية، لا يشغلها هم الإجابة عن الإشكالات المعاصرة، التي هي إشكالات منبثقة من صميم الواقع المعرفي، ستحكم على نفسها ضرورة بالعجز، إذ لن تستطيع قراءةَ هذا التراث، إلا قراءة مكرورة مجترة، تعيده لغة ومحتوى، وحتى ذلك لن يتحقق لها بالقدر الكبير من النجاح، لأنها لن تتفوق -ولو اجتهدت- على أصحابه الذين أنجزوه انطلاقا من هموم اللحظة الحضارية التي عاشوها
والمشروع الذي سعى إلى تحقيقه البحث من خلال ذلك، رصد المنجز العربي في السياق، وإخراجه في حلة جديدة، تتناسب وما جد في باب لسانيات النص وتحليل الخطاب، استنادا إلى قضية أساسية انطلق منها وهي: أن الدراسة النصية في التراث العربي، معنية الآن، بتعرف حدودها وإشكالاتها ومنهجها، ومواطن إبداعها ومواضع الإضافة فيها، وذلك من خلال انفتاحها على الآفاق النصية الحديثة، والاستفادة منها في سبيل تطوير أنموذج نصي، يكون غنيا بالروافد والأمثلة والتطبيقات، غِنى يجعله أقدر على إعطاء مقاربة أشمل، وأجدر على إبداء نظرية أكمل، فمن ثم جاءت فصول البحث، مؤطرة بهذا التصور، ناظرة إلى هذا الغرض.

مراجع البحث:
الحديث عن هذا الموضوع جديد قديم، وطريف تالد، لأنه يرتد بالناظر فيه إلى الأعمال العلمية اللغوية الأولى التي اعتنت بهذا المفهوم، وينتهي به إلى الدرس اللساني الحديث، في رحلة طويلة متشعبة، راكم فيها موضوع السياق، حصيلة علمية وافرة، أغنت مباحثه، وكشفت عن جوانب من قيمته وفاعليته، وأبرزت مركزيته في كل دراسة نصية وازنة.
وقد اعتمد البحث على مراجع متعددة، تختلف فنونها ومذاهبها وأصحابها، وتجتمع في كونها تمت إلى موضوع السياق بالصلة الظاهرة والسبب القريب، حيث شمل مراجع في التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلوم الحديث واللغة والنحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه كما اعتمد على مراجع في تحليل الخطاب ولسانيات النص، إذ كان السياق حاضرا فيها على نسب متفاوتة، وضروب متباينة.

وإذا كانت مراجع التراث العربي، تمد الباحث بمجموعة من التطبيقات العملية، والجزئيات التفصيلية للسياق، فإن مراجع اللسانيات وتحليل الخطاب، تمده بالإشكالات الواردة، والمفاهيم الضابطة، والتصورات النظرية العامة، التي تؤطر ما انتشر من مباحث السياق، وتشعب من مسائله.

نسق أبوابه:
اقتضى وجه التدبير أن أسلك بالبحث مسلكا قائما على بابين، الأول منهما يمثل إطار النظر، والثاني مبني عليه ومركب على نتائجه.
وقد اقتضى موضوع البحث، التقديم له بمدخلين، ينظر الأول منهما في المجال والمضمار الذي يتجلى فيه السياق، وهو النص والخطاب، إذ كانت معرفة السياق متوقفة على معرفة موضع عمله، وهذا يحيل القارئ على مواطن التجلي السياقي
والثاني منهما: في الإطار العام الذي يشمل منهج السياق، وفيه الحديث عن "لسانيات النص"، والكشف عن كبرى معالمها ومدارسها، وبيان ملامح الدراسة النصية في التراث، على رسم الاختصار، ليوقف بذلك على المشترك الجامع، والأرضية التي سينطلق منها البحث.
وكل من المدخلين، يكتنفان السياق، ويساعدان على مقاربته وحصر مباحثه، ورصد ملامحه.
واقتضى النظر في الباب الأول، التركيز على جوانب من السياق، جمعت في أصلين، وعولجت في فصلين، الأصل الأول:
-الخِصّيصى الدلالية الكامنة في مفهوم السياق، وانصرف النظر فيها إلى تدقيق النظر في تعريفه وخصائصه ومكوناته.
-ثم الفصل الثاني في الخصّيصى التداولية؛ حيث كان النظر فيها في أنماط الحضور السياقي في التراث، وذكر مجمل وظائفه، ثم النظر في خصوص التداول اللساني للسياق.
وقد استعرض البحث على امتداد فصْلَيِ الباب النظري، السياقَ من مداخل متعددة، كان القصد منها مقاربة السياق مقاربة متنوعة غنية، تغوص في دلالاته ومعانيه، وتتبع امتداداته وتجلياته، وتقف عند مميزاته وضوابطه، وترصد تداوله واستعماله، وقد أسفرت هذه المقاربة، عن الكشف عن مناح جديدة، من القول في السياق.
وكان نتاج هذا الباب النظري خلاصة تركيبية جامعة، اقترحت فيها دوائر أربعة لعمل السياق، شكلت الإطار النظري للباب التطبيقي، وقد حاولت في الباب التطبيقي استثمار هذه الخلاصة التركيبية والإفادة منها في توظيف منهج سياقي متكامل.

جديد البحث:
لما كان موضوع البحث، مما توارد الباحثون على التأليف فيه، فقد كان رجائي أن يكون وِردِي عليه وِرْدَ ذي بصر، وأن يكون ما أسطره فيه من مباحث، فيه زيادات وإضافات تغني الموضوعات الواردة، وقد اجتهدت فيه في مواضع من الرأي، عسى أن أكون قد وفقت فيها.
ثم إن ما وصل إليه البحث في النهاية من نتائج واقتراحات، هو وقوف عند عتبة بحث جديد، من شأنه أن يفتح الباب أمام إشكالات جديدة متعلقة بها، وأسئلة واردة عليها، وهذا يقتضي النظر من جديد في الجوابات التي ينبغي أن تقال فيها، ثم هو بعد ذلك لا يوصل منه إلى غاية، ولا يُوقَف منه على حد ينتهى إليه.

ويمكن رصد جديد البحث في المستويات التالية:
1- المستوى العام:
-اقترح البحث منهجا سياقيا شاملا مندمجا، وهذا المنهج يتم تطبيقه عبر خطوات متتابعة، ووفق مستويات وطبقات يتدرج النص في الخضوع لإجراءاتها، والدخول تحت عملياتها، ويتعلق الأمر بالمستويات التالية:
- المستوى التواصلي
- المستوى البنائي
- المستوى الدلالي
- المستوى الجمالي
- ترتبط هذه المستويات فيما بينها، مشكلة بنية متكاملة، تنتظم في كليتها حول غرض واحد وهو خدمة المعنى، وبعبارة أخرى؛ إن هذه المستويات تترابط فيما بينها بصورة محكمة، بحيث يقومُ المستوى الدلالي بدور العنصر الناظم ونقطة الارتكاز، ويتم في كل مستوى من هذه المستويات، استدعاء مجموعة من الآليات، التي تيسر انتقال النظر السياقي، من مستوى التصور، إلى مستوى التطبيق، ففي المستوى الأول الذي سميته بالتعبيد وهو المستوى التواصلي، تُستحضر أسباب النزول وأنماط المخاطبين، والمكي والمدني، وطرائق النظم وفي الثاني المنعوت بالتشييد وهو المستوى البنائي تشتغل فيه آليات من قبيل أسباب النزول وتمييز المكي والمدني وتعيين السابق واللاحق ونحوها وفي المستوى الثالث وهو المستوى الدلالي، تندرح فيه عمليات التحديد والتجديد والتمديد والتقييد والتشييد، في تكامل وانسجام، متتبعة أنماط المعاني وتجلياتها في النص، وفي المستوى الرابع، وهو الذي وسمته بالتجويد وهو المستوى الجمالي تشتغل عناصر البديع اللفظي والمعنوي والمناسبات، في تشكيل صورة جمالية بديعة للنص، تخرجه إخراجا يسر السامعين.

2-مستوى التعريفات:
تم اقتراح مجموعة من التعاريف، كتعريف النص والخطاب والانتصاص والسياق والقرينة وغير ذلك.

3-مستوى المصطلحات:
- استعان البحث بوضع بعض المصطلحات الجديدة، وتوظيفها من أجل بناء المنهج السياقي، وهذه المصطلحات تمثل آليات إجرائية، تنقل منهج السياق، من مستوى التنظير إلى مستوى التطبيق، وقد أفرد لها البحث فهرسا خاصا بها. ومن هذه المصطلحات:
أ- علاقات التناسب السياقي داخل النص، تم اقتراح العلاقات التالية: التعليل –التذييل –التكميل –التمثيل-التفصيل –التدليل.
ب_الوظائف الدلالية الفرعية للسياق وهي: التحديد-التجديد-التمديد-التقييد.
ج-مستويات الحضور السياقي. تم اقتراح مستويين:
مستوى التأسيس، ووظيفة السياق فيه التوليد.
مستوى التأنيس ووظيفة السياق فيه التأكيد.
د-وفي مستوى الدلالة العامة للنص، تم اقتراح التشييد الدلالي، الذي يتفرع إلى قاعدتين:
التجميع السياقي – التعميم السياقي.
هـ-وعلى المستوى العام تم اقتراح أربع دوائر: وهي على الولاء دائرة التعبيد أو التمهيد، ودائرة التشييد وتتفرع إلى قاعدتين: التمكين والتعيين. ودائرة التشييد الدلالي، ثم دائرة التجويد.
كما تم اقتراح مصطلح الانتصاص وهو ما يقتضيه النص من المقومات الدلالية والتركيبية والتداولية التي تجعل منه نصا.
في مصطلحات أخر، تم الاستعانة بها في البحث، وأفرد لها فهرسها الخاص.

4-مستوى المراجع :
أما الجديد على مستوى المراجع، فهو الرجوع إلى الكتاب الجديد الذي ألفه العالم الهولندي فان دايك (Van Dijk) وقد كنت راسلته مستفسرا عن بعض ما عرض لي من القضايا، فأجابني مشكورا، وأرسل لي كتابه الخطاب والسياق Discours and Con****

5-التوصيات:
- أبان البحث من خلال تجميع أطراف المنهج السياقي من كتب التراث، وتأليفها تأليفا يراعي متطلبات النظم والتنسيق، عن أن هذا المنهج كان حاضرا في التراث حضورا مركزيا، بيد أنه لم يتسن التعامل معه بصفته منهجا موحدا، لأسباب ترتبط بشروط الاشتغال المعرفي في التراث، والأطر النظرية والتاريخية التي صاحبته، ولكنه مع ذلك يظل كامنا بالقوة يترقب من يسلط الضوء عليه، ويعمل آليات الكشف المعاصرة، لاستجلاء معالمه وحدوده.
- أكد البحث على أن الدراسات النصية الحديثة، يمكن الافادة منها في إعادة قراءة التراث، قراءة ثانية، تسهم في تجميع أفكاره وصياغتها صياغة مستجيبة لتطلعات اللغويين واهتماماتهم النظرية المعاصرة.
- يدعو البحث إلى إدراج السياق بصورته التي يقترحها في مدونات علوم القرآن، ليتخذ مكانه ضمن الجهاز المفاهيمي المؤطر لعملية التفسير. ويقترح البحث ضم المفردات السياقية المتشعبة في التراث، تحت مفهوم واحد موحد، هو السياق بمعناه الواسع والممتد.
- تطبيق بعض مقترحات الدرس النصي على علوم القرآن، من شأنه أن يدفع بهذه العلوم التي هي ذات منحى نصي في الأساس، إلى سبيل أرحب في تعاملها مع النص القرآني، وهو ما سعيت إلى استهلال القول فيه في طالعة البحث.
-يرجو البحث أن تتواصل الدراسات والبحوث حول السياق، تحت إطار البحث النصي، وأن تتضافر الحركة البحثية، لتتوج بتطوير منهجية سياقية محكمة.
- سعت هذه الدراسة إلى النظر في البنية الكلية الكامنة والخفية للسياق، وذلك لتجلي أطرها، وتبرز فرضياتها المضمرة، وتكشف عن أوجه الصلة بين هذه الفرضيات، وبين مناحي التشغيل التي نجدها مبثوثة في كتب النظار المسلمين.
- يؤكد هذا المنهج المقترح؛ أن السياق أداة ذات بنية متعددة، وقد اقتضى هذا التعدد فيها، ملاءمتها لطبيعة النص الذي هو متعدد في أصله وبنيته، فكانت الأداة مناسبة للموضوع، موافقة له، وهذا ما يعكس وجه القوة في السياق، ومدى قدرته التشخيصية، على سبر أغوار النص، والتهدي في مسالكه وطبقاته.
- وحَسبُ هذا البحث في الأخير، أن يكونَ قد وفق في عرض هذه المادة، وأن يكون ما انتهى إليه من نتائج وآراء، على قدر من الصحة والاعتبار، بحيث يغري الباحثين بمواصلة السعي في آفاق هذه الدراسة، تطعيما وتقويما، وتسديدا وتجديدا.
وفي الختام أرجو أن ينال هذا العمل الذي قمت به، حظه من النقاش والنقد والملاحظة، وأن أكون قد أحسنت بعض إحسان في صياغته وتقريبه، وأن يكون هذا البحث قد أثار إشكالات جديدة، تفتح المجال أمام الباحثين لاستكمال المسيرة.
ثم إني اجتهدت في هذا البحث على حسب ما أداني إليه النظر والاجتهاد، وأنا فيما قلت وكتبت، متردد بين خطأ وتقصير، هو مني وإلي، وبين صواب وتسديد، هو من الله المتفضل المنعم علي، هو الموفق والهادي، لا إله إلا هو.
وأسأل الله العلي القدير، أن يتقبل مني هذا العمل، وأن يجعل ما أنجزته خالصا لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عما وقع فيه من هفوة وزلة، إنه سميع مجيب.



التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع ; 12-09-2013 الساعة 07:56 PM

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الفرق بين ( إنا رسول) بالإفراد ،و( إنا رسولا) بالتثنية في القرآن ومعطيات السياق مصطفى شعبان البحوث و المقالات 3 03-04-2021 10:01 PM
الفتوى (1197) : اختلاف ترتيب اللفظ بحسب السياق في القرآن الكريم أبو عبدالله محمد الجد أنت تسأل والمجمع يجيب 2 06-19-2017 07:31 PM
الأفعال في القرآن الكريم ودلالاتها في السياق القرآني د.هاتف الثويني مصطفى شعبان دراسات وبحوث لغوية 0 01-06-2017 06:16 AM


الساعة الآن 10:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by