مِنْ أَثَرِ التَّغَيُّرِ الدِّلاليّ في الأحكامِ النَّحوية:
( جَعَلَ )
د. أحمد عيد عبدالفتاح حسن
يأتي هذا الفعل في العربية لمعانٍ، اتفق الحكم النحوي الخاص به في المعنيين الأول والثاني؛ لأنَّهما من فصيل واحد، واختلف فيما سواهما، وإليك البيان [1]:
المعنى الأول: معنى (اعْتَقَدَ)،ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، نحو قولك: جَعَلْتُ الدَّوَاءَ نَافِعًا، ومنه قوله -تعالى- ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ [2]فـ(الْقُرْآنَ) هو المفعول الأول، و(عِضِينَ) هو المفعول الثاني، وقوله - جل جلاله -﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ﴾ [3] فـ(الْمَلائِكَةَ) هي المفعول الأول، و(إنَاثًا) هو المفعول الثاني.
المعنى الثاني: معنى (صَيَّرَ)، ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، نحو قوله -تعالى-﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [4]، وقوله - جل جلاله-﴿ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ﴾ [5]، فـ(الهاء) العائدة إلى هؤلاء القوم هي المفعول الأول، و(حصيدًا) هو المفعول الثاني، وقوله - جل وعلا -﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [6]، فـ(الهاء) العائدة إلى العمل هي المفعول الأول، و(هباءً) هو المفعول الثاني.
المعنى الثالث: معنى (خَلَقَ، وأوْجَدَ)،وهذا يتعدى إلى مفعول واحد، نحو قول الله- جل جلاله - ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ [7].
المعنى الرابع: معنى (أَوْجَبَ)، يتعدى إلى مفعول واحد، نحو قولك: جَعَلْتُ لِلْعامِلِ الْمُخْلِصِ مُكَافَأةً.
المعنى الخامس: معنى (أَلْقَى)، يتعدى إلى مفعول واحد، نحو قولك: جَعَلْتُ بَعْضَ مَتَاعِي عَلَى بَعْضٍ، ومنه قوله - جل وعلا -: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ﴾ [8] والمراد: يُلْقِي، ويُلْقِيهِ، و(بَعْضَهُ) بدل من الخبيث.
المعنى السادس: معنى (شَرَعَ)، وهذا من الأفعال الناسخة الناقصة التي ترفع المبتدأ ويكون اسمًا لها، وتَجْعَل خبرَهُ خبرًا لها في محلَّ نصبٍ؛ لأنَّهُ يُشْتَرط في خَبَرِهَا أن يكونَ جملةً فعليةً، فعلها مضارعٌ مُسنَدٌ إلى ضميرٍ يعودُ إلى اسمها، ويجب تَجَرُّدُهُ من (أنْ)؛ وذلك لما بينه وبين (أَنْ) من المنافاة؛ لأنَّ المقصودَ به الحال و(أنْ) للمستقبل، نحو قولك: جَعَلَتْ سَلْمَى تَبْكِي، وجَعَلَ الْوَالِدُ يُسْكِتُها.
____
[1] ينظر: شرح الجمل لابن خروف 1/ 365، 366، والتذييل والتكميل 6/25، وتمهيد القواعد 2/ 1468، والمساعد 1/356، وشرح الأشموني 2/23.
[2] سورة الحجر- الآية: ٩١.
[3] سورة الزخرف- من الآية: 19.
[4] سورة النبأ- الآيات : 9، 10، 11.
[5] سورة الأنبياء- من الآية: 15.
[6] سورة الفرقان - من الآية: 23.
[7] سورة الأنعام- من الآية: 1.
[8] سورة الأنفال- الآية: 37.
المصدر