نون التوكيد الخفيفة في القرآن ومتعة التفسير النحوي...
د. أحمد درويش
لا تكاد نعثر على نون التوكيد الخفيفة في القرآن إلا في موضعين ... فيما أعلم ...
الأول: في سورة يوسف قال تعالى : ﴿ وَلَئِن لَم يَفعَل ما آمُرُهُ لَيُسجَنَنَّ وَ(لَيَكونًا) مِنَ الصّاغِرينَ﴾[يوسف: ٣٢]
والثاني في سورة العلق في قوله تعالى :﴿كَلّا لَئِن لَم يَنتَهِ (لَنَسفَعًا) بِالنّاصِيَةِناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾[العلق: 15-16]
ولعل ذينك الموضعين هما الموضعان الوحيدان لنون التوكيد الخفيفة في القرآن كله ... ما لم أغفل عن موضع ثالث ...
ولنا هنا سؤالان اثنان
الأول : لم جاءت النون الخفيفة في جانب الصغار في يوسف ( ليكونا من الصاغرين ) مع أن السجن جاء بنون ثقيلة ؟
الثاني : لم جاءت النون خفيفة في جانب الكافر مع أن الموقف شديد الوقع ، والتهديد قوي الدفع ...؟ وبعبارة أخرى : ما حكمة توظيف نون التوكيد الخفيفة لا الثقيلة في هذا الموقف العصيب ؟
أما فقه السؤال الأول فنقول : إنه الحب المفرط من جانب امرأة العزيز ليوسف ، ذلك الحب الذي يقهر صاحبه ، ولا يطيق أن يدفعه أو يمنعه ، ذلك أن التعبير في ( ليسجنن) جاء بالنون الثقيلة ؛ لحرص امرأة العزيز الشديد على سجنه ، لأنه في الأخير سيكون تحت مرآها ومسمعها ، وكلما اشتاقت ذهبت ، لكنها لا ترضى لحبيبها أن يكون صاغرا ، وإن صغر فلكي تنفي عن نفسها الميل إليه ...
هذا الكلام جاء من نفَس الشيخ الصبان ( ت : ١٢٠٦ ه) في حاشيته عندما يقول : : " إن امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه من كونه صاغرا ؛ لأنها كانت تتوقع حبسه في بيتها ، فتقرب منه وتراه كلما أرادت " حاشية الصبان١/ ٣١٢ ...
وقبله يقول الشيخ خالد الأزهري ( ت : ٩٠٥ ) في شرح التصريح : " إن امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه من كينونته صاغرا " ٣٠٠/٢ ... فإبعاد الحبيب أولى من إهانته ، حتى في قمة لحظات الغضب يبقى المحبوب محبوبا ...
أما فقه نون التوكيد الخفيفة في سورة العلق ( لنسفعا) فلم أجد من فسر ذلك من النحاة ... فيما قرأت ... غير أني رأيت في توظيف نون التوكيد الخفيفة عدة دلالات :
الأولى : لعل أقل سفع ... أي دفع وجذب... من الله مُذهِبٌ للعقل والفؤاد ، لا يستطيع أحد أن يجابهه أو يتحداه ، هذا في السفع الخفيف ، فما بالك بسفع استعملت فيه نون التوكيد الثقيلة ؟!
الثانية : مفردات السياق ، فقد يكون في التركيب ما أغنى عن التوكيد بالثقيلة كالحرف ( كلا) الذي هو زجر وردع وتنبيه ، واللام الواقعة في جواب قسم مقدر ( لنسفعا) ، فأغنت هذي الأشياء عن ذكر نون التوكيد الثقيلة مع دلالة نون العظمة في الفعل (نسفع ) فلم يأت ( أسفع)
الثالثة : سرعة السياق ؛ فالسياق سريع المتجه ، متلاحق الأنفاس ، وهذا يلزمه سرعة حديث ، وتلاحق ألفاظ ، فجاء بنون التوكيد الخفيفة ليناسب الموقف ، وهذا يؤكده حذف الواو من غير موجب في قوله تعالى ( سندع الزبانية ) ، فتآزرت هذي التخريجات في بسط دلالة نون التوكيد الخفيفة ... والقرآن لا تنقضي عجائبه ... وننتظر إضافاتكم لإثراء الموضوع ...
والعلم عند الله
المصدر