شيء من اللغة....تصحيح (الظالمين) مفهومًا ولغة
د. هادي حسن حمودي
ترون في مواقع الشبكة العنكبوتية مقالات عن وقوع أخطاء لغوية ونحوية في التنزيل العزيز. وكتابها يتهمون من لا يؤمن بمقالاتهم أن عقله (مبرمج) على قداسة القرآن، وأنه من عبيد الفقهاء.
ولا تهمنا توصيفاتهم. فنحن معنيون بالجانب اللغوي من مزاعمهم، ولو كان ما أعلنوه صحيحا لاصطففنا معهم. وقبل سنتين نشرت حلقة حول الآية (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). قدمت دليلا واحدا ردا على من زعم أن الصحيح رفع (الظالمون) على أنه فاعل.
وأقدم هنا دليلين على خطئهم:
الأول: الموقع الإعرابي: وهذه وجهة نحوية لا علاقة لها بالحجاج المنطقي القابل للجدل. ذلك أنّ في النحو قاعدة تحدد إعراب الكلمة على وفق موضعها من الجملة، ولا بد أن مرّ بك مثل قولهم: (في محل رفع فاعل) أو (والجملة في محل نصب صفة) وما أشبه ذلك. ومنه المثل النحوي المعروف: ضرب موسى عيسى، فموسى هو الفاعل وعيسى هو المفعول، لا بحسب الحركة بل بحسب الموقع من الجملة.
وها أنت ترى أنّ (عهدي) وقع بعد الفعل مباشرة، ولم يرد في الآية فاعل للفعل (ينال) بل ظهرت كلمة منصوبة (الظالمين) التي لا يمكن أن تكون فاعلا بحكم كونها منصوبة لا مرفوعة. فلا خيار أمامنا إلا اعتبار (عهدي) فاعلا ولم تظهر الضمة عليه، لأن الياء اقتضت كسر حرف الدال، كما لو قلت: كتابي جديد. فكتابي مبتدأ ولكن لا تظهر عليه الضمة.
الثاني: إن الرفع يعني التناقض في المفهوم القرآني للظلم: فالظلم، في القرآن، نقيض العدل. والعدل أول شرط لنيل العهد (وهو، في الآية: الإمامة) ولكن رفع الظالمين تعني أنه فاعل والفاعل هو القائم بالفعل، وعلى هذا، فهم الذين يطلبون العهد. والتناقض، هنا، أنّ الظالمين، لا يمكن أن يطلبوا العدل، وإلا خرجوا من إسار الظلم، إلى أفق العدل. ولا نتصور أن ظالما مصرّا على ظلمه يرغب في العدل أو يرتضيه. فكيف يسعى نحوه؟ فليست حركة السعي منه كي يقال إنه الفاعل. وإنما (العهد) هو الفاعل، والعهد يصل لمن أهّل نفسه للحصول عليه، وطلبه وسعى إليه حق السعي، تماما مثل الرزق، فرزقك لا يصل إليك إلا إذا تأهلت له بسعيك وجدك وعملك، فأنت تسعى نحوه وهو يسعى نحوك. وأنت تدري أن ثواب الآخرة ذاته لا يصل إليك إلا بعملك النافع، ألم تقرأ (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) وأمثالها؟
الفلسفة القرآنية في الشؤون كلها تعتمد على الجهد الإنساني يبذله المرء كي يصل إلى نتيجة ذلك الجهد.
ولا تحاجّني بأن ثمة قراءة (لا ينال عهدي الظالمون) فعن القراءات بحث أثبتناه في مقدمة (موسوعة معاني القرآن الكريم حسب تسلسل النزول) يمكن أن تتفضل بمراجعته.
المصدر