نُكتةٌ في إعراب
(16)
حكمة العطف في قوله تعالى:
(الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ النُّكْتَةُ فِي نَسَقِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ بِالْعَطْفِ مَعَ أَنَّ الْأَوْصَافَ الْمَعْدُودَةَ تُسْرَدُ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ. ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أَنَّ الْعَطْفَ يُفِيدُ كَمَالَ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّنَا لَا نَعْهَدُ مِنْ مَعَانِي الْوَاوِ الْكَمَالَ فِي مَعْطُوفَاتِهَا، وَمَنْ عِنْدَهُ ذَوْقٌ فِي اللِّسَانِ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ فَرْقًا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَمْثِلَةً مِنْهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لَاتَّقَيْتُهُ ... وَلَكِنَّهُ رُمْحٌ وَثَانٍ وَثَالِثُ
وَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ رِمَاحٍ، أَوْ رُمْحِ اثْنَانِ ثَلَاثَةٍ، وَقَالَ: إِنَّ بَيَانَ الْفَرْقِ رُبَّمَا لَا تَفِي بِهِ الْعِبَارَةُ إِلَّا مَعَ الِاسْتِعَانَةِ بِالسَّلِيقَةِ، وَيُمْكِنُ تَقْرِيبُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَوْصَافَ الْمَسْرُودَةَ بِغَيْرِ عَطْفٍ كَالْوَصْفِ الْوَاحِدِ وَأَمَّا عَطْفُهَا فَيُفِيدُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَصْفٌ مُسْتَقِلٌّ. أَقُولُ: وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ " وَتَوْسِيطُ الْوَاوِ بَيْنَهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَكَمَالِهِمْ فِيهَا، أَوْ لِتَغَايُرِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَا " وَهِيَ مُبْهَمَةٌ، وَإِيضَاحُ الِاسْتِقْلَالِ مَا قَرَأْتَ آنِفًا. وَأَمَّا تَغَايُرُ الْمَوْصُوفِينَ بِهَا فَمَعْنَاهُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا أَصْنَافٌ فَمِنْهُمُ الصَّابِرُونَ وَمِنْهُمُ الصَّادِقُونَ إِلَخْ. وَالْمُرَادُ: الْمُمْتَازُونَ بِالْكَمَالِ فِي الصَّبْرِ وَالصِّدْقِ إِلَخْ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ صِنْفٍ عَارِيًا مِنْ صِفَاتِ الْآخَرِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الرَّازِيُّ إِذْ قَالَ: " وَأَظُنُّ -
وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ - أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ دَخَلَ تَحْتَ الْمَدْحِ الْعَظِيمِ وَاسْتَوْجَبَ هَذَا الثَّوَابَ الْجَزِيلَ " وَعِبَارَتُهُ لَا تُفِيدُ اعْتِبَارَ كَمَالِ كُلِّ صِنْفٍ فِي وَصْفِهِ وَهُوَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ يَمْتَنِعُ عَطْفُهَا فِي مَقَامِ سَرْدِهَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهَا عِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ بِمَثَابَةِ الْأَعْدَادِ الَّتِي تُسْرَدُ: وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ، أَرْبَعَةٌ إِلَخْ. وَلَكِنَّهَا إِذَا لَمْ يَرِدْ سَرْدُهَا كَأَنْ ذُكِرَتْ لِلْحُكْمِ عَلَى مَدْلُولَاتِهَا ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ أَنْ تَجْمَعَ بِالْعَطْفِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ [9: 112] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ: أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ [66: 5] إِلَخْ. فَإِنَّ هَذِهِ أَوْصَافٌ سُرِدَتْ لِلتَّعْرِيفِ بِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، وَمِثَالُ الثَّانِي: الْآيَةُ الَّتِي نُفَسِّرُهَا وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى الْمَوْصُوفِينَ ابْتِدَاءً، وَيَتَعَيَّنُ إِذَنْ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَمِثْلُهَا: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [9: 60] إِلَخْ. فَإِنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ عَلَى مَدْلُولَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ابْتِدَاءً. وَمِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا قَبْلَهُ: أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ نُعُوتًا (نَحْوِيَّةً) لِلَّذِينَ اتَّقَوْا.
تفسير المنار
208/3