واشتغال الفعل الإشهاري يتأسس على وظائف متنوعة:
فالوظيفة الجمالية ترتبط بالصورة الثابتة أو المتحركة.
والوظيفة التوجيهية لدلالة الصورة، التي تصبح فضاءً مفتوحًا على كل التأويلات.
والوظيفة الدلالية؛ إذ تكون الدلالة نتيجة ما يتحصل من تأثير لدى المشاهد للصورة.
والوظيفة الإيحائية التي يتم التعويل فيها على التخييل؛ فالصورة تعبير يحاور الدواخل، وهو عالم مفتوح على مصراعَيه لكل التأويلات والتصورات.
والوظيفة التشخيصية أو التمثيلية؛ حيث تتحول الموجودات الذهنية إلى موجودات عينيَّة، تلامس وجودَ الإنسان، فيكون أقرب إليها، فتزداد رغبته المتولدة في امتلاكها.
الإشهار هو أحد الأنماط التواصلية المحورية لترويج البضائع والسلع، بشكل صريح؛ حين يتَّجِه المعلن فيه بإعلانه تجاه الزبون، أو بأسلوب غير صريح، عندما يقصد المشهر استمالة زبونِه وإغراءَه عاطفيًّا، من خلال الوسائط الإعلامية الشفوية أو المكتوبة أو المرئية، إنه عملية اتصال إقناعي، تتم عبر وسائل الاتصال المسموعة والمرئية والمقروءة، مستهدفة نقل التأثير من بائع إلى مشترٍ، على أساس غير شخصي، حاثة إياه على الإقبال على المعروض للانتفاع بخدماته، مرشدة إياه إلى مكان البضاعة ونوعها وطرق استعمالها، مقابل قيمة مالية محددة.
وينبني الخطاب الإشهاري على مكونات لسانية وأيقونية؛ مستهدفًا تحقيق مقاصد أساسية، ينتقي المشهر لتحقيقها تقنيات ومبادئ إشهارية محددة، لها دورها في إثارة عواطف الزبون ليقبل على السلعة ويقتني ما هو معروض برغبة موجهة لفكره.
وتتحدَّد كفاءة هذا الخطاب في كونه فعلًا كلاميًّا، له قوته الإنجازية، وبِنْيته الحجاجية، فهو بِنْية نصية مرتبة الحجج وعملية لسانية وعقلية، تتأسس على مبدأ استمالة الآخر، تمهيدًا لتعديل مواقفه وسلوكاته، نحو ما هو فكري أو مادي، وهو يشير إلى الطاقة الاستهلاكية المتنامية لدى الزبون، ويقوم بالسعي إلى توجيه الرأي العام السائد، عبر قدرته على تقنية التمرير المستهلكة آنيًّا، والتي تمر منها إيديولوجية الباعث وقيمه؛ وذلك اعتمادًا على شبكة متداخلة المكونات.
أما (الرسالة الإشهارية)، فتتأسس على نظام من العبارات، التي تتسم بالإيجاز المرفوق بالإيقاع الخفيف، وذلك في إطار تمتزج فيه الصورة بالصوت، ولكي يحقق الفعل الإشهاري نجاعته، فهو ينتظم في قواعد، تجعله موفقًا لكي يتم تداوله، ومن تلك القواعد:
أن تكون الرسالة الإشهارية ذات صبغة عمومية، فلا تختص بكل فرد على حدةٍ، وأن يكون حجمها ومدتها الزمنية متحكمًا فيها من المشهر، وأن تضخم السلعة وتهوِّن قيمتها.
وللبُعْد التأثيري حضوره في هذا الخطاب الإشهاري، فالترويج للسلعة المعروضة، سواء كانت مادية أو معنوية، يكون بإبراز الخصائص التي تميزها، (وهو ما يشكل تطابقًا مع مفهوم السمة المميزة ومبدأ القيمة الواردين عند رائد البنيوية)؛ وذلك بهدف إقناع جمهور الزبائن بأهمية الاقتناء، مما يجسد العملية الإشهارية، بوصفها فعلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا.
فالإقناع في المجال الإشهاري يرتكز على العاطفة والعقل معًا، انطلاقًا من مقولة (تصديق الناس ما يميلون لتصديقه)، ويصدقون ما يكون معززًا بشهادة أهل الخبرة والسلطة والجاه، من غير إضفاء طابع المبالغة، ولذلك فالإقناع الإشهاري يحصل بطرق عدة؛ منها:
• إبراز إقبال الجمهور على استعمال السلعة.
• سوق شهادة ذوي الاختصاص والخبراء.
• تقديم الضمان للسلعة لحيازة ثقة المستهلك[32].
كما يكون عن طريق:
• تصحيح الفكرة غير الصحيحة عن السلعة.
• تذليل مخاوف المشترِين فيما يتعلق بالسلعة.
• خلق صورة الشركة.
• إقناع المستهلِكين بالقيام بعملية الشراء فوره.
• إقناع المستهلكين بضرورة الاتصال مع الممثل التِّجاري للشركة.
• عدم إتاحة الفرصة للمستهلكين في الفترة ما بين المواسم.
• تعزيز إعلام المستهلكين حول السلعة"[33].
ومن الناحية الخطابية، فالفعل الإشهاري، هو خطاب له مكوناته ودلالاته، يبعثه مرسل إلى متلقٍّ، وهو يتقاطَع مع الخطابات الأخرى في بعض سماتها ومكوناتها، كما أنه يتضمن بُعدًا حواريًّا، يظهر بشكل صريح أو يتبدَّى بصورة ضمنية، عندما يتم افتراض متلقٍّ معلق، له آراؤه الشخصية، بخصوص الفكرة أو السلعة المروج لها؛ فالمستهلك يميل إلى البضاعة أو الفكرة، اعتمادًا على محاورة مشتركة يجريها مع مستمعٍ، وتغذيها بلاغة الصورة وتأثير الصوت وخصوبة الخيال.
وإذا كان للصور الفوتوغرافية والملصقات الإشهارية بلاغتها؛ فللغة المرافقة لها في الخطاب الإشهاري وظيفتها الترسيخية، التي تتحقق عندما لا يتجاوز تأويل الصورة حدودًا معينة، فتوجيه المتلقِّي إلى معنًى محدد، هو وظيفة هذه اللغة، التي تعمل على تثبيته في ذهنه، بوصفه معنى محوريًّا، كما أن لهذه اللغة وظيفتَها الداعمة لدلالة الصورة، فينتظم المعنى اللُّغوي مع دلالة الصورة لينتج معنى كليًّا، تنصهر فيه الصورة والكلمة.
والتحليل التداولي يمكن أن يعمَّ عدة نماذج إشهارية، تحضر فيها أنواع الحجج اللسانية والأيقونية، التي يتحقق الفعل اللُّغوي على أساسها، بِناءً على مبدأ الترويج للأفكار والسلع، شفويًّا وسمعيًّا وبصريًّا، في الملصقات الإشهارية والإعلانات التلفزية والبرامج الإذاعية، التي تعدُّ مجالًا لاستكشاف الفعل الإشهاري في بعده الحجاجي، ومعظم الأنماط الإشهارية تقومُ على عدد من السمات المميزة منها على (المستوى اللساني):
غياب القيمة الزمنية الواقعية، واستعمال الضمير الجمعي لتمتين العَلاقة بين المشهر والمشهر له، وجعل الخطاب الإشهاري غير قابل للدحض، وهيمنة الفعل الطلبي المباشر وغير المباشر، وبروز البِنْية اللسانية للخطاب الإشهاري، في بساطة جملتها وكثافة بِنْيتها، وتداخل مستويي الفصحى والعامية فيها، كما تتميز ببراعة المرور من السرد إلى الوصف، أو التفسير، أو البرهان، والمبالغة في اعتماد التخييل والمغامرة والسجع، وتَكرار العبارات والعناية بالدلالة السميائية والرمزية، والبُعْد الإيحائي للكلمة والصوت والصورة، وتبني إستراتيجية الحذف بدليل مقامي أو سياقي، والذي ينسجم مع مبدأ (الاقتصاد نصف المعيشة)؛ الذي يحرص المشهر وفقًا له على إقناع المقصود بالإشهار، بأهمية السلعة وسعرها البخس، من حيث هي قيمة اجتماعية متجذِّرة.
أما على (المستوى الأيقوني)؛ فالعلامة الإشهارية الدالَّة في الخطاب الإشهاري يسهم في تكوينِها الصوت والصورة واللون والحركة والموسيقا والديكور، فالمعنى اللساني المثبت في اللفظ ينعم بالحياة، في حركة مشهدية تُعِيد صياغته من جديد، فتنبعث القيم المجردة من طور الخفاء إلى حيِّز التجلي، فتصبح شيئًا محسوسًا، يستشعره المتلقي في ضوء المشاهد الإشهارية المنتجة، التي تتخلَّل الخطاب اللساني؛ فالعوالم المثالية المجرَّدة، قد تتحوَّل إلى عوالَم ممكنة، متَّسِمة بالغرائبية؛ كإشهار بذلة رياضية بالقفز من مسافات شاسعة، أو تناول مشروب معين ينقلب معه الضعف الإنساني إلى قوة خارقة.
وتساهم الإشارات والحركة الجسدية في توطيد عَلاقة المرسل والمستهلِك، فتجعله أكثر ثقةً ورغبةً في الإقبال على المنتوج المعروض، لا سيما عندما يدعم ذلك النغم الصوتي واللون المختار، المتلائمين مع موضوع الإشهار.
ومن الركائز الأساسية لعمليةِ الإقناع في الخطاب الإشهاري، بعد إعلانِ المشهر عن البضاعة، أن تكون الرسالة الإشهارية موجزة ومختصرة، وفقًا لقاعدة الكم التي تقوم عليها نظرية الحوار لـ(كرايس)، والقائمة على قاعدة تقديم القدر الكافي والمفيد من المعلومات، ووفقًا لقاعدة الكيف التي نصَّت عليها النظرية نفسها، ينبغي العمل بمبدأ (لكل مقام إشهار)، وإضفاء الطابع المثالي لما هو معروض.
ولكي يحقق الخطاب الإشهاري هدفه الإقناعي، يحسن به تأسيس كِيانه بحجج وبراهين داعمة للسلعة أو الأطروحة؛ حتى تكون مثالًا مقبولًا لدى المستهلِك؛ ولذلك فالحجاج اللُّغوي المحقق للإقناع يعتمد على ترتيب الأفكار بشكل تتسلسل فيها الجُمَل، واعتماد الشاهد الحجاجي المتمثل في الأقوال والأمثال والحكم المأثورة، والمبدأ الكوني المسلَّم به ونقل المتلقي من الجزئي إلى الكلي.
ويقوم النسق اللُّغوي بتقطيع دوال الصورة في الخطاب الإشهاري، وتسمية مدلولاتها؛ فالقيمة الإقناعية للصورة وأنظمة الحركة واللباس والموسيقا في الخطاب الإشهاري، لا تكون ناجعةً إلا بعد مرورها بمحطة اللغة.
وإذا كان الخطاب الإشهاري متأسسًا على مقوِّمات وعناصر متشابكة، لا تتم الفائدة إلا بها[34]، ونسقًا مشكلًا ودالًّا على قِيَم متعددة، نفسية واجتماعية وثقافية؛ فهذا ما يفترض استدعاءَ خبرات ومعارف تنهلُ مِن تخصصات مختلفة؛ قصد استكناهِ الإستراتيجية التي ينبني عليها والأغراض التواصلية اللسانية التي يروم تحقيقها؛ لذلك فأنسب مقاربةٍ لتحليل بِنَى الإشهار وتحديد أغراضه هي (المقاربة السيميائية)؛ لأن دراستها لا يمكن أن يؤطرها التحليل اللساني الصرف؛ فهناك مداخل لسانية ونفسية واجتماعية وثقافية, تفيد في المستوى التحليلي.
_______________
[1] ينظر: محمد العمري، ( 2006)، "تداخل الحجاج والتخييل"، سلسلة ندوات ومناظرات، تنسيق حمو النقاري، "التحاجج، طبيعته ومجالاته ووظائفه وضوابطه"؛ منشورات كلية الآداب الرباط، مطبعة النجاح الجديدة - الدار البيضاء، ص 9.
[2] ينظر محمد الولي، (2 أكتوبر ديسمبر 2011)، "مدخل إلى الحجاج أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان"، مجلة عالم الفكر، ص15.
[3] ينظر حازم القرطاجني (1981)، "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، تح/ محمد الحبيب بن الخوجة، منشورات دار الغرب الإسلامي، بيروت، ص19.
[4] حازم القرطاجني: "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، ص361.
[5] Voir :Roman jakobson )1977( Huit questions de poétique" ,ed. Seuil.PP 16 17.
[6] Voir :Roman jakobson " Linguistique et poétique in Essais de Linguistique générale" ed. Minuit,Paris." p218.
[7] ينظر: محمد الولي، "مدخل إلى الحجاج أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان"، ص 15.
[8] ينظر: محمد الولي، "المرجع نفسه"، ص 17 .
[9] ينظر: محمد الولي، "المرجع نفسه"، ص16.
[10] ينظر: محمد الولي، "مدخل إلى الحجاج أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان"، ص 17.
[11] ينظر: محمد العمري، "تداخل التخييل والحجاج"، ص 10 - 11.
[12] ينظر: محمد الولي، "مدخل إلى الحجاج، "أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان"، ص 19.
[13] صلاح فضل، (أغسطس 1992 العدد 164)، "بلاغة الخطاب وعلم النص"، عالم المعرفة، ص 253.
[14] ينظر: صلاح فضل، "بلاغة الخطاب وعلم النص"، ص 257.
[15] ينظر: صلاح فضل، "المرجع نفسه"، ص 259.
[16] ينظر: صلاح فضل، "بلاغة الخطاب وعلم النص"، ص 262.
[17] ينظر: محمد الولي، "مدخل إلى الحجاج، "أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان"، ص 18.
[18] ينظر: محمد العمري "تداخل الحجاج والتخييل"، ص 9.
[19] ينظر: رضوان الرقبي، (2 أكتوبر ديسمبر 2011)، "الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله"، مجلة عالم الفكر، المجلد40، ص 82.
[20] هنري بليت، (1999)، "البلاغة والأسلوبية"، "نحو نموذج سيميائي لتحليل النص"، ترجمة وتقديم وتعليق محمد العمري، إفريقيا الشرق، ص23.
[21] محمد العمري، (1991)، "المقام الخطابي والمقام الشعري في الدرس البلاغي"، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، مطبعة النجاح، العدد5، ص8.
[22] ينظر: رضوان الرقبي، "الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله"، ص 68.
[23] ينظر: عبدالسلام عشير، (2010) "تطور التفكير اللغوي، "من النحو إلى اللسانيات إلى التواصل"، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، ص 77.
[24] ينظر: هنري بليت "البلاغة والأسلوبية"، ص24.
[25] ينظر: محمد العمري، "تداخل الحجاج والتخييل"، ص 11 .
[26] ينظر: هنري بليت، "البلاغة والأسلوبية"، ص23 - 24.
[27] ينظر: هنري بليت، "البلاغة والأسلوبية"، ص25 .
[28] ينظر: رضوان الرقبي، "الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله"، ص 69.
[29] ينظر: فنور بسمة، (2007/ 2008)، "الرسالة الإشهارية في ظل العولَمة"، "دراسة تحليلية للرسالة الإشهارية في الفضائيات العربية؛ قناة الشرق الأوسط mbc نموذجًا"، مذكرة مكملة لنيل درجة الماجستير في الاتصال والعلاقات العامة، جامعة منتوري قسطنطينة، الجزائر، ص 107.
[30] ينظر: سمير شريف استيتية، (3 يناير، مارس 2006)، "ثلاثية اللسانيات التواصلية"، مجلة عالم الفكر، المجلد34، ص13.
[31] ينظر: سمير شريف استيتية، "ثلاثية اللسانيات التواصلية"، ص13.
[32] ينظر: فنور بسمة، "الرسالة الإشهارية في ظل العولَمة"، ص 99.
[33] فنور بسمة، "المرجع نفسه"، ص 91.
[34] ينظر: عبدالقادر الغزالي، "اللسانيات ونظرية التواصل، "رومان ياكبسون نموذجًا"، ص39.