.
هل مجتمعنا حي ؟
المجتمع بطبيعته صورة من الأجناس البشرية تتشكل معالمه بالتفاعل بين أفراده وشرائحه، يسعى كل فرد فيه إلى أن يكون قوله وفعله وسلوكه إضافة جديدة لشخصه أولا ثم لهذا المجتمع الذي يعيش فيه، وإذا لم يتولد هذا الحرص وتتوفر تلك الإضافة ويتحقق ذلك التفاعل فلا أقل من أن يستشعر الفرد في ذلك المجتمع أن يكون مقلصا لشر موجود أو دافعا لشر محتمل.
والذي ينعم النظر في تركيبة المجتمعات يجدها على نوعين: مجتمعات ميتة أو هشة البناء ضعيفة التكوين مهما حسن مظهرها وزان منظرها، لأنها لا تحمل مقومات الحضارة ولا تملك المقدرة على إنارة الفكر لأفرادها؛ لأسباب من أهمها طفو الحياة المادية عليها غير مصحوبة بنقلة فكرية ثقافية واعية. مجتمعات حية، وهي المجتمعات التي لها سبب وثيق بنتاج الأمم الطليعية والأمم المتقدمة في مناحي الحياة المختلفة، وتتجلى حياتها في أنها جعلت من هذه الصلة صلة الواثق الذي يرى في الاتصال والتواصل بناء للجسور مع من بلغ في العلوم شأواً عليا دون إلغاء لهويتها أو طمس لكيانها. ونحن في هذا البلد ننشد المجتمع الحي ونسعى إلى أن نعيش فيه لا أن نعيش له، ومقومات الحياة الحقة نملكها إرثا تأريخيا وطاقات فكرية وثقافية تحمل الإرادة والطموح القادر على التغير السريع في الاهتمامات لدى أفراد هذا المجتمع، لأنه اتجة ــ بآخرة ــ إلى أن لا يغلق على أفراده مزاليج المعرفة أو ينكب على ذاته فلا يرى إلا إياها ولا يبصر سواها.. فتحول من مجتمع يجتر أحلامه وأعوامه ويستند إلى ماضيه الذي يرى في تذكره نشوة وفخرا ينادم بها خيالاته ويدغدغ عواطفه إلى مجتمع يرى أن المستقبل له ومعه. أقول هذا وأنا أتأمل حركة هذا المجتمع وأدون التحولات في الاهتمامات والتساؤلات والتطلعات لديه، فألفيته مجتمعا يعيش حالة غير مسبوقة من الحراك والانفتاح والتفاعل فيجمح للأمام خشية أن يتآكل أو ينقرض، مدركا أن موته أو هشاشته مرهونان باسترجاعه لزمان الانتصارات دون أن يملك مقوماتها حاضرا، وموقنا أن اهتمامه بـ (كان) دون معرفة حاله ومستقبله يؤدي إلى موته دماغيا، وأن انقطاعه الكلي وبتره عن الماضي يقتلع أسسا بني عليها وجذورا غذته. إن من حق أي مثقف أن يفاخر بهذا المجتمع الذي بدأ يعلن قبوله لمنجزات الحضارات دون أن يتبرم منها أو من مصدرها، وبدأ يدرك ضالته ويأخذ بسبب من الحياة، موقنا أن حياة المجتمعات ليست قاصرة على جنس أو بقعة أو زمن، وليست حكرا على مجتمع، وأن لكل عصر جيلا ومعطيات تأخذ دورتها الزمنية نموا وازدهارا ثم شيخوخة وهرما ليتحقق قانون الاستبدال في قوله سبحانه: «إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد».
فقط أود أن أذكر موجهيه إلى ضرورة أن يطردوا من نفوس أفراده ما تبقى من الشعور بالكبرياء والعنترية وأن يتخلى بعض مثقفيه عن مناجاة «كان» و«كنا» وأن لا يدعي مفكروه احتكار الفضيلة وأن تتجرد طلائعه من النظرة الدونية للغير، وأن يتجنب أفراده التوزيعات القبلية أو الفئوية أو الجهوية؛ لتبقى لحمته واحدة، وفقنا الله لكل خير.
د. عبدالله عويقل السلمي
*رئيس نادي جدة الأدبي
.