mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي البيان في الفعل (آسَفُونَا) في قوله تعالى: ﴿فلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُم﴾

كُتب : [ 07-24-2025 - 12:43 PM ]


أَسرارُ البَيان في القُرآن:

البَيانُ في الفِعْل (آسَفُونَا) في قَولهِ تعَالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾






ذ. مصطفى بوعزة




وذَلكَ في سُورَة (الزُّخْرُف)، حيثُ جاءَت الآيةُ في سِياقِ بَيانِ العِبَر، فبعدَ إسْراف (فِرعَوْن) وقَومهِ في الطُّغيَان، وإفْراطِهِم في الضَّلَال والغَيّ، قالَ اللهُ تعَالى عَنهُم: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وبَـيّـنٌ للنّاظِر أنَّ قولَهُ: (آسَفُونَا)، منَ الفِعْل (أَسِفَ - يَأْسَفُ )، ثمَّ عُدِّيَ بالهَمزَة، فاجْتمَعَت هَمزَتَان: (أَأْسَفَ بوَزْن أَفْعَل)، فَأُبدِلَت الثَّانيَة حرفَ مدٍّ تَخفِيفاً: (آسَفَ). وَالاسمُ منهُ (الأَسَفُ). فَالمعنَى الغَالبُ عَليهِ والمشهُورُ في الاسْتِعمَال هوَ (الحُزْن)، كمَا جاءَ في المعَاجِم، أوْ كمَا قالَ (الجَوهريّ) في (الصِّحَاح)، و(الصَّغَاني) في (العُبَاب الزَّاخِر)، وكذلكَ صاحبُ (تَاج العَروس): «الْأَسَفُ: أَشَدُّ الْحُزْنِ».

لكنّ الكلمَةَ علَى ما يَبدُو للمُتأمِّل يَكمُن فيها مَعنىً خاصٌّ دَقيقٌ، وهوَ: أنْ يَكونَ الحُزنُ فيهَا وَاقِعاً على شيءٍ فَاتَ. فَفيهِ ظلالٌ منَ الحَسرَة والنَّدَم. وهوَ ما تَجدُهُ في قولِ (يَعقُوب)، عليهِ السلامُ، بعدَ فَقدِ (يوسُف)، عليهِ السّلامُ: ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيناهُ منَ الحُزْنِ﴾. فَشدّة حُزنهِ علَى (يُوسُف) مَشُوبةٌ بالحَسرَة والنَّدَم علَى مَا فعَل بهِ إخْوتُهُ، بعدَ أنْ رَاودُوهُ عَنهُ مَكْراً، فَسمَح لهُمْ باصْطِحابهِ. وإلى ذلكَ أشَار (أبُو عُبيدَة) في (مَجاز القُرآن)، فَقالَ عن هذهِ الآيةِ: «وَالْأَسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ وَالتَّنَدُّم». ومِثلهُ قولهُ تعالى مُخاطِباً النّبيّ، صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾، فهُو حزنٌ شَديدٌ تُصَاحبُهُ حَسرَةٌ منْ جهَة أنَّهُم كَذّبوهُ و خَذلوهُ، معَ نُصحهِ وحِرصهِ الشَّديدِ علَى إيمَانهِم ونَجاتِهم، وآيَسُوهُ منْ هِدايَتهمْ بِكِبرِهِم وغَيّـهِم. وهوَ ما أشارَ إليهِ قولهُ تعالَى في (فَاطِر): ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. قالَ (أبُو عُبيدَة) في (مَجَاز القُرآن): «﴿ بهِذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ أيْ: نَدَماً، وتَلَهُّفاً، وَأَسىً ».

وأنتَ تجدُ في هَذا الفِعل (أَسِفَ)،أيضاً، شَيئاً من معْنَى الرِّقّة والضَّعْف؛ جاءَ في مَعاجِم اللُّغة: (الأَسيفُ): السَّريعُ الحُزنِ، الرّقيقُ، المسْرعُ إلَى البُكاءِ، ومنهُ حديثُ (عَائشَةَ): «إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ». و(أَرضٌ أَسيفَةٌ): رَقِيقةٌ لَا تَكادُ تُنْبِتُ. و(الأَسيفُ): العَبدُ، لأنّهُ مَقهُور محزُونٌ، وهوَ الأَسيرُ أيضاً، والشّيخُ الفَانِي، وكأنَّ (الأَسَفَ) يَجمعُ حُزناً إلى حَسرَة وَرِقَّةٍ.

والآياتُ الّتي وردَتْ فيهَا هذهِ الكَلمةُ كُلُّها تَحتَملُ هذَا المعنَى المركّبَ منَ الحُزنِ، إلّا الآيةَ الّتي في (الزُّخرُف): ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. لذَلكَ يَستوقفُكَ وُرُودُ الفعْلِ في هذَا السِّياقِ، لأنَّ معنَى(الحُزن) لا يَحتَملهُ؛ فَلا يُستسَاغُ أنْ نَقُول: (فَلَمّا أَحْزَنُونَا)، فذلكَ ممَّا لا يَجُوزُ في حَقّ اللهِ تعَالَى. لذلكَ يَستلزمُ الأمْرُ فَضلَ تَدبُّرٍ ونَظَرٍ. وأنتَ تَقعُ علَى إشَارةٍ تهديكَ إلَى هَذا المعنَى الْـمُتفرّدِ في هَذهِ الآيَة؛ فقَدْ قالَ (أَبو البَقَاء الكَفَويّ-تـــ:1094هـ) في كتابهِ (الكُلّيّاتُ ،مُعجَمٌ في المصطلَحَات والفُرُوق اللُّغويّة): «كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ (الأَسَف)، فَمَعْنَاهُ (الْحُزْنُ)، إِلَّا ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَغْضَبُونَا».

وتَتصفَّح كُتُب اللُّغةِ ومُصنّفَات التَّفْسير، فَتكتَشفُ هذَا المعنَى الآخَرَ الَّذي يَحْتَملُه هذَا الفِعْل، وهوَ معنىً قد يَحجُبهُ المعنَى الأوَّل، لِكثرَةِ وُرُودِهِ وانصرافِ الفِكْر إليهِ، ذلكَ أنَّ (أَسِف) يَأتي بمعْنَى (غَضِبَ وَ سَخِطَ)، أَشدَّ الغَضَبِ وأشدَّ السُّخْط. جاءَ في (لِسَان العَرَب): « الْأَسَفُ: الْـمُبالَغَةُ في الحُزْنِ والْغَضَب. ثمَّ قالَ: «وأَسِفَ عليهِ أَسَفــاً أَيْ: غَضِبَ. وآسَفَهُ: أَغْضَبَهُ. وفي التَّنزيلِ العَزِيز: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ مَعْنَى آسَفُونَا أَغْضَبُونَا». وجاءَ في (المحْكَم المحِيط) (للصَّاحِب بْنِ عبَّاد): «الأسَفُ: الحُزْنُ. والغَضَبُ أيْضاً، وآسَفَني: أَغْضَبَني». ومنْ قبلُ قالَ (الفَرَّاء) في (مَعَاني القُرْآن): «﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾، يُريدُ أَغْضَبُونَا». وجاءَ (الطّبريّ) فذَكرَ نفسَ الكَلام، ونَسبهُ إلَى عَديدٍ منْ أئمّةِ التَّفسيرِ والتّأوِيل الّذينَ سَبقوهُ، فذَكرَ منهُم (ابنَ عبّاسٍ) و(مُجَاهدا) و(قَتادَة).

وهكذا، فالفِعلُ (أَسِف) لهُ هذَا الامتدَادُ الدَّلاليّ الّذي يَكادُ يَجمَع بينَ النَّقيضَينِ، إذْ تجدُ في الحُزنِ انْكِساراً ورقَّةً، بَينَما في الغَضَب اقْتِدَارا وَشِدَّة. لكنَّ العَربيّةَ ذاتُ فُنُون وافْتِنَان، فمَا تَزالُ تَفْجَأُكَ بمَكنُوزَاتٍ منَ الخَبايَا تُذهِلُك، وتُحلّقُ بكَ في بَدائِعَ منَ البَيانِ تَأخُذُ بِلُبّك، فقدْ يَخرجُ بكَ فِعْلٌ إلَى نَقيضِهِ: فَــــ(تَرِبَ الرّجلُ)، يَعني(افْتَقَرَ)، وَ(أَتْرَبَ الرَّجلُ)، يَعْني (اغْتَنَـى).وقدْ يُثْبِتُ لكَ مَعنىً، ثمَّ يَسلُبُهُ: (شَكَا الرّجلُ) بمَعنَى بَثَّ شَكواهُ، وَ(أَشْكَيْتُ الرّجلَ) بمَعنَـى أَزلتُ عنهُ شَكواهُ.

والَّذي يُوجّهُ المعنَى في الكَلام هوَ السِّياقُ. فتجدُ في قَولهِ تعالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنهُمْ﴾، مَعنَى الغَضَب والسُّخطِ، لا يَحتَملُ غَيرهُ. قالَ (القُرطبيّ) في (تَفسيرهِ): «﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾: عَن ابنِ عَبّاسٍ : غَاظُونَا وأَغْضَبُونا». وقالَ (الزَّمَخشَريّ): «آسَفُونَا، مَنقُولٌ منْ: أسِفَ أَسَفاً، إِذَا اشْتَدَّ غَضَبُه... ومَعناهُ أنّهُم أَفرَطُوا في المعَاصِي وعَدَوْا طَوْرَهُم، فاسْتَوجَبُوا أنْ نُعجِّلَ لهُمْ عَذابَنَا وَانْتِقامَنَا، وأَنْ لَا نَحْلُمَ عَنْــهُم ». فَلا يُصرَف المعنَى ههُنا إلّا عَلَى مَعنَى الغَضَب.

وأمَّا قولُ (يَعقُوب) عَليهِ السّلام: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ فَبَيّـنٌ أنّهُ ليسَ إلّا علَى مَعنَى الحُزْن والتَّندُّم. وأحيَاناً يَحتَمل الفعلُ المعنَيَــيْن معاً؛ كمَا في آيَة (الكَهْف) السَّابقَة: ﴿بهَذَا الحَديثِ أَسَفاً﴾، فقدْ ذهَب المفَسّرُون فيهَا إلى الْـمَعنييْن: (الحُزنِ والغَضَبِ). وقدْ ذكَر ذلكَ (الطَّبريّ) في (تَفسيرهِ) بتَفصيلٍ. غيرَ أنَّ النَّاظرَ المتفَحّص يُدركُ أنّ مَعنَى (أَسَفاً) هنَا، وإِنِ احْتَمَلَتْ مَعنى الغَضَب، إلَّا أنهُ بمَا عُرفَ بهِ النّبيُّ،صلّى اللهُ عليهِ و سلّم، منْ سَماحَة الأخْلاقِ، ومنْ حرصهِ الشَّديدِ علَى هدَايَة قومهِ، وبِمَا جَاءَ منْ ذكرِ حُزْنِه في آياتٍ أُخَرَ، فإنّ المعنَى الَّذي يَترجّحُ هنَا، هوَ الحُزْنُ الشَّديدُ؛ ويَسنُدُ ذَلكَ قولهُ عزّ وجلَّ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّه لَيُحْزِنُكَ الَّذي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لا يُكْذِبُونَكَ﴾. وهوَ ما ذَهبَ إليهِ (ابْنُ عَطيّةَ) في(المحَرَّر الوَجيز)،حيثُ رجَّحَ أنْ يكونَ علَى مَعنَى (الحُزْنِ) فقالَ: « وَ(الْأَسَفُ) في هَذَا الموْضِعِ (الحُزْنُ)، لأنّهُ علَى مَنْ لَا يَمْلِكُهُ، ولا هوَ تَحتَ يَدِ الأسِف، ولوْ كانَ الأسَفُ منْ مُقتَدرٍ علَى منْ هُوَ في قَبضَتهِ ومِلْكِهِ، لكانَ غَضَباً».

ويَسْتوْقفُكَ ههُنا هَذا التّعليلُ البَديعُ الّذي تلمحُ فيهِ تَفريقاً لَطيفاً مُحكماً بينَ حالِ الحُزنِ وحالِ الغَضَب، بالنَّظَر إلَى مَوقعِ (الآسِفِ) ومَنْــزلتِهِ، وتَستَجلي الأَمْرَ، فإذَا أنتَ أمامَ مَلحَظٍ لَطيفٍ تجدُ لهُ صدىً في بدَاياتِ النَّظَر اللُّغويّ، فقدْ جاءَ في مُعجَم (الْعَيْن) (للخَليلِ بنِ أَحمَدَ الفَراهيديّ) قولُهُ: «أسف: الأَسَفُ: الحُزْنُ في حَالٍ، والغَضَبُ في حَالٍ، فَإذَا جاءكَ أَمْرٌ مِمَّنْ هُوَ دُونَكَ فَأَنْتَ أَسِفٌ، أَيْ: غَضْبَان، وَإذَا جَاءَكَ مِمَّنْ فَوْقَك، أوْ منْ مِثْلِكَ فَأنتَ أَسِفٌ، أيْ: حَزينٌ. فقولُهُ جَلَّ وعَزّ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أيْ: أَغْضَبُونَا. وَقَولُهُم: (آسَفَني الْـملِكُ)، أَيْ: أَحْزَنَـــنِــــي».

وتستظهرُ الأمرَ غايَةَ الاسْتظهار فتقعُ علَى إشارَة منَ (الرَّاغبِ الأَصبهَانيّ) في كتابهِ (المفرَدَات في غَريبِ القُرآن)،تَنقلُنَا إلَى ما هُوَ أَقدَم، إذْ يَنـسِب ذلكَ إلَى (ابنِ عَبّاسٍ) رَضيَ اللهُ عنهُ، حيثُ قالَ: «الأَسَفُ: الحُزْنُ والغَضَب مَعاً، وقدْ يُقالُ لكُلِّ واحِدٍ مِنهُما علَى الانْفِرَاد. وحَقيقَتُهُ : ثَوَرانُ دَمِ القَلبِ شَهْوَةَ الانْتِقَام، فمَتى كانَ ذلكَ علَى مَنْ دونَهُ، انْتَــشَر فَصارَ غَضَباً، ومَتى كانَ علَى مَنْ فَوْقَهُ، انْقَبَضَ فَصارَ حُزْناً، ولذَلكَ سُئِل (ابنُ عبّاسٍ) عنِ الحُزْنِ والغَضَبِ فقالَ: مَخرَجُهما واحدٌ، واللَّفظُ مُختَلفٌ؛ فمَنْ نَازَعَ مَنْ يَقْوَى عَليهِ، أَظهَرَهُ غَيْظاً وغَضَباً، ومَنْ نازَعَ مَنْ لا يَقْوَى عَليهِ، أَظهَرَهُ حُزْناً وجَزَعاً».

ومنْ أَبْدعِ ما جَمعَ شاعِرٌ بَينَ الحُزْنِ والغَضَب علَى هذَا المعْنَى، في أَنّهمَا منْ مَخرَجٍ واحدٍ، قولُ (المتَنبّــي) في رثَاءِ أُختِ (سَيفِ الدّوْلَة):

جَزَاكَ رَبُّكَ بالأَحْزَانِ مَغْفِرَةً /// فَحُزْنُ كُلِّ أَخِي حُزْنٍ أَخُو الغضب





المصدر


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:12 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by