الفتوى (4408) :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
طبتم أيها السائل الكريم
من شروط صياغة (أفعل) التعجب: ألا يكون الوصف على وزن أفعل فعلاء، ومن ذلك صيغ الألوان، أو الصفات الدالة على عيوب، مثل أسود، وأعور، ورأوا أنه يمكن التوصل إلى التعجب من هذه الصفات بواسطة فعل مساعد، مثل: ما أشدَّ حُمْرَتَهُ، وما أقل بَياضَهُ، وما أحسن خُضْرَتَهُ...إلخ
والسبب في منعهم صياغة فعل تعجب من الألوان والعاهات، أنها مستقرة في الشخص ونحوه، ولا تكاد تتغير، فجرت مجرى الأعضاء الثابتة التي لا معنى للفعل فيها، كاليد والرجل، فلا نقول: زيد أيدَى من عمرو، ولا فلان أرجل (من رِجل).
وقد غَلَّط الحريري مثل قولهم: "ما أبيض هذا الثوب" ونحوه فقال في "دُرّة الغوّاص"، ص: (36):
"ويقولون في التعجب من الألوان والعاهات "ما أبيض هذا الثوب"، و"ما أعور هذا الفرس"، كما يقولون في الترجيح بين اللونين والعورين: زيد أبيض من عمرو، وهذا أعور من ذاك - وكل ذلك لحْن مُجْمع عليه، وغلط مقطوع به، لأن العرب لم تبنِ فعل التعجب إلا من الفعل الثلاثي الذي خصته بذلك لخفته، والغالب على أفعال الألوان والعيوب التي يدركها العِيان أن تتجاوز الثلاثي نحو أبيض وأسود وأعور وأحول، ولهذا لم يجز أن يبنى منها فعل التعجب.
فمن أراد أن يتعجب من شيء منها بنى فعل التعجب من فعل ثلاثي يطابق مقصوده من المدح والذم، ثم أتى بما يريد أن يتعجب منه- كقولك: ما أحسن بياض هذا الثوب، وما أقبح عوَر هذا الفرس.
وحكم أفعل الذي للتفضيل يساوق حكم فعل التعجب فيما يجوز فيه ويمتنع منه، فكما لا يقال: ما أبيض هذا الثوب، ولا ما أعور هذا الفرس، فإنه لا يجوز أن يقال "هذه أبيض من تلك"، ولا "هذا أعور من ذاك"".
إلا أنه قد وُجِد من لا يمنع التعجب مما هو لون أو عيب من النحويين اعتمادًا على أمثال العرب وأشعارهم:
قال أبو حيان في "التذييل والتكميل في شرح التسهيل" (10/234): " "الألوان، منعَ التعجب منها البصريون، وللكوفيين فيها قولان:
أحدهما: أنه يجوز من جميع الألوان، فأجاز الكسائي وهشام: ما أَحْمَرَه! من الحُمرة، إلا أنَّ الأجود عندهما: ما أَشَدَّ حُمرتَه!
والقول الثاني: إجازته في السواد والبياض خاصةً دون سائر الألوان المجيء ذلك فيه؛ ولكونهما أصلَي الألوان، والأصول يكون فيها ما لا يكون في الفروع، والمحفوظ من ذلك ما روى الكسائي أنه سَمع: ما أَسْوَدَ شَعرَه! وقالت أُمُّ الهيثم ـــ وهي من العرب الذين يُستشهد بكلامهم ـ: «هو أَسْوَدُ مِنْ حَنَكِ الغُراب»، وفي الحديث في صفة جهنم: (لهي أَسْوَدُ من القار)، وقال الراجز:
يا ليتَني مِثلُكِ في البَياضِ ... مِثلُ الغَزالِ زِينَ بالخَضاضِ
قَبَّاءُ ذاتُ كَفَلٍ رَضْراضِ ... أَبيَضُ مِنْ أُختِ بَني أَباضِ".
وقد سوَّغ مجمع القاهرة رأي الكوفيين في كتاب "في أصول اللغة"، ص: (121)، ورأى الأستاذ عباس حسن التقييد بقول البصريين في المنع تضييقًا لا داعي له.. والله تعالى أعلم.
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
د.مصطفى شعبان
(عضو المجمع)
راجعه:
أ.د.محروس بُريّك
أستاذ النحو والصرف والعروض
بكلية دار العلوم جامعة القاهرة
رئيس اللجنة:
أ.د. عبدالرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)