mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن الفتاوى اللغوية > أنت تسأل والمجمع يجيب

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
د. حاتم بن عارف الشريف
عضو المجمع
رقم العضوية : 238
تاريخ التسجيل : Jun 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 3
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

د. حاتم بن عارف الشريف غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-23-2012 - 05:39 PM ]


.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الجلال , والصلاة والسلام على رسول الله وأزواجه والآل .
أما بعد : فجوابا على سؤال عن حكم الكلام بلغة سوى العربية من غير حاجة إلى ذلك , أقول (وبالله التوفيق) :
أولا : هناك فرق بين من كانت لغته الأولى ولغة بلده وبني وطنه لغةً غير عربية , ومن كان عربيا في البلاد العربية .
فمن كانت لغته الأولى الفارسية أو الأُردية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها , فلا يُطالب بأن يتكلم بالعربية ؛ إلا ما يجب على الأعيان تعلمه مما يُقيم الفرائض الدينية من القرآن الكريم والأذكار الواجبة , إذا ما كان يستطيع ذلك .
وهذا بخلاف العربي في بلاد العرب , فلئن كان الحفاظ على اللغة العربية فرضًا كفائيا على المسلمين كلهم , إذا فرَّطَ فيه المسلمون بما يُهدّد لغةَ العرب بالزوال , فقد أَثِمَ المسلمون كلهم = فنصيب العرب من هذا التأثيم أكبر ؛ لأن العربية لغتهم وهم أولى من حافظ عليها , ولأن حِفْظَها عليهم أيسر .
ولهذا قال الإمام الشافعي : « يَنْبَغِي لِكُلّ أحد يَقْدِرُ على تعلُّم العربيَّة أن يتعلَّمها ؛ لأنَّه اللّسان الأَوْلَى بأنْ يكون مرغوبًا فيه , من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بأعجميَّة» .
وقد استدلَّ الله تعالى على عظيم قُدرته باختلاف الألسن (وهي اللغات) , وذكرها بعد دليل خَلْق السموات والأرض , فقال تعالى { وَمِنْ ءَايَظ°تِهِ خَلْقُ ظ±لسَّمَظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ وَظ±خْتِلَظ°فُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوظ°نِكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لّلْعَظ°لَمِينَ } الروم: 22 , ولا يستدلُّ الله تعالى على عظيم قدرته في سياق يجمع الاستدلالَ بالامتنانِ (كهذا السياق) بمكروه لديه , مما يدلُّ على أن ذِكْرَ اختلاف الألسن كما أنه دليلُ قُدْرة : فهو تذكيرٌ بمنّةٍ من مِنن الباري عز وجلّ . مما يعني أن اختلاف الألسن كما أنه حقيقةٌ قدريةٌ لا يصح السعي إلى زوالها , فهو أيضًا من بين اختلاف صور الشعوب الداعي لتلاقح الثقافات وتطوّر الحضارات ,
والذي أشار إليه الله تعالى في قوله سبحانه { وَجَعَلْنَظ°كُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ } الحجرات: 13 .
ولا ننسى أن صفوة الله من خلقه , وهم الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام) , كانوا يتكلمون بلغات مختلفة , وامتنَّ الله على عباده بذلك , فقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } إبراهيم: 4 . مما يعني أنه لا توجد لغةٌ مبغوضةٌ لله تعالى في نفسها , وأن الإسلام لا يذم لغةً من اللغات , ولا هناك لغة تسيء لمن يتكلم بها , ولا تنقص من خُلقِه ولا دينه .
وإلى ذلك أشار الإمام البخاري في صحيحه , عندما بوّبَ لبابٍ قال فيه : « باب من تكَلَّمَ بالفَارِسِيَّةِ والرَّطَانَةِ , وقوله تعَالَى {وَظ±خْتِلَظ°فُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوظ°نِكُمْ }{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } » . ثم أورد الإمام البخاري ثلاثة أحاديث تكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات فارسية أو حبشية .
فقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا التبويب : « وأشار المصنف إلى ضعف ما ورد من الأحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسية : كحديث : (كلام أهل النار بالفارسية) , وكحديث : (من تكلم بالفارسية زادت في خبثه , ونقصت من مروءته) , أخرجه الحاكم في مستدركه , وسنده واهٍ .
وأخرج فيه أيضا عن عمر , رفعه : (من أحسن العربية فلا يتكلمن بالفارسية , فإنه يورث النفاق ..) الحديث , وسنده واهٍ أيضا » .
وإلى ذلك أشار أيضًا الإمام النسائي , عندما بوّبَ في (سننه الكبرى) لباب بعنوان : «رَطانة العجم» , ثم أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه , قال : « أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة في فمه , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كِخْ .. كِخْ ؛ أما شعرتَ أنا لا نأكل الصدقة» . يشير الإمام النسائي بذلك إلى عدم صحة الذم المطلق للكلام بغير العربية , بدليل إدخال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الكلمات غير العربية في كلامه .
ومن لطائف إشارات المحدثين : ما بوّب به الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني (ت369هـ) , في كتابه (أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه) , حيث عقد فيه بابًا بعنوان : «ما ذُكر من تَـكَلُّمِه صلى الله عليه وسلم بالفارسية» , وأورد عدة أحاديث في ذلك . وكأنه يشير بذلك إلى سعة خُلُقه صلى الله عليه وسلم وسماحته مع اللغات والحضارات الأخرى , وبُعد أخلاقه صلى الله عليه وسلم عن العنصرية والعصبية للأعراق ولغاتها !
وهذا كله يدل على أن اللغات والتكلم بها الأصل فيه الإباحة , بل هي علمٌ من العلوم التي يُمدح من تعلّمه !
وما أحسن قول الشاعر صفي الدين الحلّي (ت752هـ) , كما في ديوانه (669) :
بقدر لُغاتِ المرءِ يَكْثُرُ نَـفْـعُـه **** فتلك له عند الـمُلِـمّـات أعوانُ
تهافتْ على حِفْظِ اللغات مجاهدًا **** فكل لسانٍ في الحقيقة إنسانُ
وفي السنن الصحيحة : عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أتعلم له كتاب يهود , قال صلى الله عليه وسلم : « إني والله ما آمن يهود على كتاب» . مما يدل على أن تعلم اللغة الأجنبية عند الحاجة إليها واجب شرعي , فكيف إذا كانت وعاءً للعلم المادّي والتقدّم التِّـقْني , كما هو الشأن اليوم ؟! فسيكون تعلمها فرضًا كفائيًّا على الأمة , لتلقي العلوم النافعة للأمة , تلك العلوم التي تجعلها قادرة على الرُّقي والمنافسة على منازل الرِّفْعة والقوة .
وأما ما جاء من النهي عن رطانة الأعاجم , فقد سبق أن شيئًا من ذلك لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا صحّ إطلاق النهي عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم .
وما يُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أنه نهى عن رطانة الأعاجم , فليس بصحيح عنه , ولم يصححه شيخ الإسلام ابن تيمية , كما توهم بعض النقلة , بل صحح شيخُ الإسلام طريقَ الإمام البيهقي به إلى سفيان الثوري فقط . فقد رواه البيهقي من طريق الثوري , عن ثور بن يزيد , عن عطاء بن دينار , قال : قال عمر رضي الله عنه : «لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم» . فشيخ الإسلام يصحح طريق البيهقي إلى الثوري , ولم يصححه إلى منتهاه , أي إلى عمر رضي الله عنه . كما ترى لفظه في اقتضاء الصراط المستقيم , حيث قال : « وروى البيهقي بإسناد صحيح , في باب كراهة الدخول على أهل الذمة في كنائسهم والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم : عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار قال قال عمر .... » إلى آخر كلامه .
ونحوه كلام ابن القيم في (أحكام أهل الذمة) , وابن كثير في (مسند الفاروق) : كلاهما إنما يصحح الحديث إلى الثوري فقط .
وهذا الإسناد ضعيف مضطرب لا يصح ؛ لأسباب :
الأول : أن عطاء بن دينار الهذلي هذا : من ثقات أتباع التابعين , لم يدرك أحدًا من الصحابة , فضلا عن متقدميهم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه . مما يعني أن حديثه عنه منقطع غير متصل الإسناد , وهذه أول علة تضعف هذه الرواية .
الثاني : أن راويه عن عطاء بن دينار مختلف فيه : فبينما سُمي عند البيهقي بثور بن يزيد , وثور بن يزيد الظاهر أنه الكَلاعي الحمصي من رجال الكتب الستة , وهو من الثقات . إلا أنه أُهمل في مصادر أخرى , كمصنف ابن أبي شيبة , حيث رواه عن وكيع بن الجراح عن ثور عن عطاء , هكذا دون أن ينسب ثورًا هذا . وما كان هذا الإهمال للنسبة أن يكون علة للأثر , لولا أن عبد الرزاق الصنعاني أخرج هذا الأثر في مصنفه : عن الثوري ، عن أبي [ثور] , عن عطاء بن دينار : أن عمر بن الخطاب قال : «لاتعلموا رطانة الأعاجم , ولا تدخلوا عليهم في كنائسهم يوم عيدهم ؛ فإن السخطة تنزل عليهم» . كما في مصنفه (1/411 رقم1609) , وما بين معكوفتين تصحيح من نقل ابن منده عن مصنف عبدالرزاق , حيث ترجم في كتابه (الكنى) لمن يكنى بأبي ثور فقال : « أبو ثور . حدث عن : عطاء بن دينار . روى عنه : سفيان الثوري . أخبرنا خيثمة , ثنا إسحاق , عن عبد الرزاق , عن الثوري , عن أبي ثور , عن عطاء بن دينار أن عمر رضي الله عنه قال : لا تعلموا رطانة الأعاجم» . فهو عند الحافظ أبي عبد الله ابن منده ليس ثور بن يزيد , وإنما هو رجل آخر مجهول , هو أبو ثور .
الثالث : أن وكيعا خالف الثوري , كما في (المصنف) لابن أبي شيبة و(الأدب) له , فجعل الأثر من كلام عطاء بن دينار , لا من كلام عمر رضي الله عنه , مما يجعله من كلام رجل من أتباع التابعين , لا من كلام الصحابة . فهذا أشهر طرق هذا الأثر , وقد تبيّن أنه لا يصح .
ومن طرق هذا النهي عن عمر رضي الله عنه :
ما أخرجه ابن أبي شيبة (رقم 26805) , قال : «حدثنا وكيع , عن أبي هلال , عن بن بريدة , قال : قال عمر : « ما تعلم الرجل الفارسية إلا خَبَّ , ولا خَبَّ إلا نقصت مروءته» , وتصحف في المطبوع إلى (إلا خَبُث ...ولا خبث) , والتصويب من كتاب الأدب لابن أبي شيبة . ومعنى (خبَّ) : أي خدع وغدر .
وهذا إسناد منقطع أيضًا , فعبدالله بن بُريدة لم يدرك من حياة عمر رضي الله عنه إلا سبع سنين , حيث وُلد لثلاث خلون من خلافته .
ولذلك نص أبو زرعة الرازي بعدم سماعه من عمر رضي الله عنه .
وأبو هلال محمد بن سُليم الراسبي : فيه ضعف , لا يجعله أهلا للاعتماد عليه , خاصة مع نكارة مرويّه .
وفي الأثر إطلاقٌ لا يليق بعمر رضي الله عنه , فلا يمكن أن يخص عمر رضي الله عنه لغةً ما بمثل هذا الإطلاق , ومن سادة الصحابة من هو فارسي كسلمان رضي الله عنه ,
ومن صلحاء التابعين وتابعيهم عددٌ جمٌّ غفير .
ومن طرق هذا النهي عن عمر رضي الله عنه :
ما رواه البيهقي في شعب الإيمان (رقم 1557) , من طريق زَيْدُ بْنُ الحباب : حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ : حدثنا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَمِعَ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الطَّوَافِ , فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ وَقَالَ: « ابْتَغِ إلى الْعَرَبِيَّةَ سَبِيلًا » .
ومع خلو هذا الأثر من النهي المطلق عن الفارسية , وإنما هو نهي عنها وكراهية لها في الذِّكر والعبادة = فالأثر لا يصح ؛ لانقطاعه بين عطاء وعمر رضي الله عنه , ولكون طلحة بن عمرو بن عثمان المكي شديد الضعف متروك الحديث .
وللأثر وجه آخر لا يزيده قوة , وهو ما أخرجه الفاكهي في (أخبار مكة) من طريق سُفْيَان , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: « سَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الطَّوَافِ، فَقَالَ: « ابْتَغِيَا إِلَى الْعَرَبِيَّةِ سَبِيلًا » . وبين ابن جريج وعمر رضي الله عنه وسائط عِدّة , وليس بعيدا أن يكون الواسطة هو ذلك الراوي المتروك ؛ فابن جريج معروف بأنه يسقط الضعفاء من أسانيده .
ومن طرق هذا النهي عن عمر رضي الله عنه :
ما أخرجه المعافى بن عمران في الزهد (رقم192) , قال : حدثنا عبد الله بن عمر , عن نافع , عن ابن عمر , قال : قال عمر : لا تَعلّموا رطانة الأعاجم ؛ فإن الرجا إذا تعلمها خبَّ » .
وشيخ المعافى : عبدالله بن عمر بن حفص العمري : رجل ضعيف , ويزيد روايته ضعفا انفراده بهذا الإسناد الصحيح (نافع عن ابن عمر) , والذي لو كان ثابتا عن نافع لكان مشهورا , ولَرَواهُ جِلّة الرواة عن نافع ممن تتلمذ عنه .
ولا يُـقوِّي هذا الطريق ما رواه الإمام مالك بلاغا عن عمر , كما في (المدونة) , قال : «وأخبرني مالك : أن عمر بن الخطاب نهى عن رطانة الأعاجم , وقال : إنها خب» . فمع قوة الانقطاع بين الإمام مالك وعمر رضي الله عنه , فلا يبعد أن يكون الإمام مالك إنما سمعه من أحد شيوخه مرسلا أصلا .
ومع ضعف طريق مالك ؛ إلا أنه أقوى طرق هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه ؛ لما عُرف به الإمام مالك من نقاوة الأسانيد , خاصة في (الموطأ) , وهذا الأثر ليس في (الموطأ) , فليس هو في نقاوة أخبار ذلك السِّفر الجليل من مرويات الإمام مالك .
وبهذا العرض يتبيّن أنه لم يثبت نهيٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم من أن يتكلم شخصٌ بغير العربية , فيرجع الأمر إذن إلى معانٍ عامة ومقاصد كبرى في الحفاظ على لغة القرآن والسنة , ولغة الحضارة العربية التي هي الوعاء الأكبر للحضارة الإسلامية .
ومن عبارات العلماء المهمة في تفصيل حكم المسألة : قول شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) : «وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب , وأكثر ما كانوا يفعلون إما لكون المخاطب أعجميا , أو قد اعتاد العجمية , يريدون تقريب الأفهام عليه ...(إلى أن قال ) :
وأما اعتياد الخطاب بغير العربية , التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن , حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله , ولأهل الدار , وللرجل مع صاحبه , ولأهل السوق , أو للأمراء , أو لأهل الديوان , أو لأهل الفقه : فلا ريب أن هذا مكروه , فإنه من التشبه بالأعاجم , وهو مكروه كما تقدم .
ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية , وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية , وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية = عوّدوا أهل هذه البلاد العربية , حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم , وهكذا كانت خراسان قديما , ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة , واعتادوا الخطاب بالفارسية , حتى غلبت عليهم , وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم . ولا ريب أن هذا مكروه» .
والتحرير عندي في هذا الباب أن نقول :
1- من جرى على لسانه من العرب الكلمة بعد الكلمة من غير العربية , بغير قصد سيء , كقصد التشبه بالكفار , ولا بسبب هزيمة نفسية أمام ثقافة الأجنبي : فلا يحرم عليه ذلك ولا يُكره .
2- من أكثر الكلام بغير العربية بقصد التعلم لتلك اللغة , لكونها علما أو ليتمكن من تعلم العلوم النافعة لتلك الأمة التي يتعلم لغتها : فهو مأجور على ذلك . وقد يكون هذا فرضًا كفائيا , كما هو اليوم مع اللغة الإنجليزية خاصة ؛ لكونها لغة تحوي أكثر العلوم المادية التي يحتاجها المسلمون .
3- من تعلم اللغة الأجنبية وتكلم بها ؛ بغضا للعربية , وحبا للغة الأخرى : فإن كان بغضه للعربية لا يعود بالنقص في دينه , كأن يكون بغضه لها لأن طبعه منافرٌ لها ولصعوبتها عليه = فلا إثم عليه . وأما إن كان بغضه للعربية ينقص من دينه , كأن يكون بغضه لها صادرا عن حب للكفار , فحكمه حكم حب الكفار : فمن أحبهم لكفرهم : فهذا كفر , ومن أحبهم لفسقهم : فهذا إثم , من أحبهم لأمر فيهم غير محرم : فلا إثم عليه .
4- يأثم الفرد إذا ترك العربية حتى عجز عن قراءة ما يجب عليه من القرآن والأذكار في صلاته .
5- تأثم الأمة كلها إذا فرطت في لغتها حتى أصبحت اللغة العربية غريبة بين أهلها , مستنكرة في أرضها . فاللغات شعار الأمم , ووعاء حضارتها , والتفريط فيها خيانة للأمة , يدل على عدم انتماء , وعلى هزيمة نفسية تؤذن باستلابٍ حضاريٍّ للأجنبي , وباندثار لمعالم التميز عنه .
6- تأثم الأمة كلها إذا فرطت في لغتها فأصبح فقهاؤها عاجزين عن فهم كلام الله تعالى وفهم كلام رسوله صلى الله عليه وسلم , وصارت عاجزة عن التفقّه في دينها .
وبذلك يتبين أن مناط حكم الكلام باللغة الأجنبية في البلاد العربية يرجع إلى أمور ثلاثة :
- بحسب درجة شيوع الكلام باللغة الأجنبية وتهديده للغة العربية . فقد تكون حالة من حالات الكلام باللغة الأجنبية مباحة أو مكروهة فقط , ثم قد تصبح محرمة عند وصول الأمر درجة التهديد الصريح لواجبات اللغة في الأمة (من حفظ الدين , وحفظ الحضارة) .
- وبحسب أثره على الفرد .
- وبحسب نية ومقصد المتكلم .
هذه أهم معالم الحكم , وهي خلاصة قواعد هذا الباب .
والله تعالى أعلم .

وكتب
د/ الشريف حاتم بن عارف العوني
1433/8/3هـ






.


التعديل الأخير تم بواسطة شمس ; 06-03-2015 الساعة 02:33 AM

رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الفتوى (1940) : أيهما أصح: بالقسم حاجة أم القسم بحاجة؟ مسلم الشمري أنت تسأل والمجمع يجيب 2 08-22-2019 09:58 PM
إجابة عن سؤال خاص: كتاب تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها رضوان علاء الدين توركو أنت تسأل والمجمع يجيب 1 08-06-2019 03:16 PM
الفتوى (900) : الإشباع والقصر في الشعر، ضرورة أم لغة مستعملة؟ سهيلة أنت تسأل والمجمع يجيب 2 09-05-2016 07:51 PM
الفتوى (335): سؤال حول أصل كلمة (لغة) في العربية محمد همامي أنت تسأل والمجمع يجيب 6 06-25-2015 03:33 PM
التحدث بغير العربية .. د. حاتم بن عارف الشريف مقالات أعضاء المجمع 1 07-15-2012 10:45 PM


الساعة الآن 09:52 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by