لكِ الله أرضَ صباي ومرتعي،
ومَن حُزتِ كلَّ مودّةٍ بين أضلُعي،
وجمعتِ الذي تفرَّقَ في الحَواضرِ
من جلالٍ، وجمالِ روحٍ، وطِيبِ مَنْجَعِ...
كلَّما نَظَرتُ إليكِ من فَوقِ رُباكِ المُطلّةِ على مَبانيك وأحيائكِ نظرتُ بعيْنِ الذّاكِرةِ، وعَيْن القَلبِ والحَنينِ، وعَيْن النظَرِ الأوّلِ، وعَبيرِ اللّحظَةِ المُثبتةِ في الزّمَنِ،
وتلاشت بينَ عيْنَيَّ صُوَرُ الحاضرِ الصّاخِبِ، وما رافَقَها من أحداثٍ سِراعٍ تلوثُ اليوم مَشْهَدَكِ، فكلّما استوْلى الجَديدانِ على جَديدٍ أدْنَياه إلى البِلى،
ومن البلى ما هو محمودٌ، وبِلاكِ المَحمودُ لا يَعْلوه البِلى.
كُلّما مَررْتُ بديارِ أهْلي وأحبَّتي وَقَفتُ أدعو لَكِ أن تَــسْـــلَمي على البِلى، و أناجي أسواركِ وأرسلُ عَبْرَةً من عيْنٍ تَجودُ غَيْرَ عاصيةٍ وبنَفْسٍ حَزينةٍ غَيْرِ صابرةٍ،
وأنا أردِّدُ ما قالَ أسامَة بنُ منقذ في كتاب المَنازل والدّيارِ: ما أحْلى بُكاءَ الدِّيارِ والأحبابِ، وذلِكَ لا يُفيدُ ولا يُجْدي، ولكنّه مَبْلغُ جهْدي.
تُبْصرينَ نَفْسَكِ أيتُها الطّيّبةُ، في مرآةِ الماضي فتُنكرينَ حالَكِ اليومَ، تُنكرينَ فَساتينَ مُستَوْرَدةً ألبسوكِ إيّاها زوراً، تكشفُ مَفاتنَكِ للسّيّاحِ الأجانبِ، أبْصَرَ الخاصُّ
والعامُّ أنّ لكِ اليومَ جَمالاً مَصنوعاً خَلَعوه عليْكِ، وخَلَعوا عنْكِ حُسْنَكِ القَديمَ، فالحُسْنُ ما استحْسَنَه الدّخيلُ والرأيُ ما رآه والقَرارُ ما أقرَّ بِه، أخذوا منكِ ما لذّ
وطابَ وتَرَكوا لَكِ كلَّ خَرابٍ.
أنتِ أيتُها المَدينةُ العريقةُ... لَكِ أن تَسكُني القلبَ سرّاً وجَهْراً، ولَكِ أن تَبوحي بديباجِكِ المُذهَّبِ حَيثُما صوّبَ النّاظرُ إليكِ فكْراً. ولَكِ أن تَسْحَبي ذُيولَ العزِّ تيهاً وفَخْراً،
فقد حقَّ لك من بين أترابكِ الفَخرُ... وثِقي أنّ جَمالَكِ في ماضيكِ قبلَ أن تُخْفِيَ مَعالمَه بَصماتُ الزُّورِ الأجنبيّ الذي تَسلَّلَ منه عُتاةُ المُفسِدينَ فَغيَّروا منكِ المُحيَّا
واتّخذوا من رُبوعِكِ مَوْطِناً فاغْتالوا منك ما كانَ حَيّا.
ألا فلْتعلَمي أنّ الفؤادَ من النَّوى أسْوانُ، ولا يهجرُ أرضَه جاحداً، إلا غافلٌ نَشوانُ، وكلّما زرتُك لثمتُ من مَبسَمِكِ الثّرى، ففي ثَراكِ الحبُّ والخصبُ والعَبيرُ الأطيبُ.
وأنتَ أيُّها العاتي المُفْسِدُ، لَكَ أن تَمْلكَ الأَرَضينَ، ولَك الدّنيا بينَ يَديْكَ، كيفَ تَشاءُ، اِرْحَلْ في أرضٍ غيْرِ أرضِكَ وجُلْ حيثُ يَحْلو لَكَ، وألْقِ عَصاكَ أيْنَما شئتَ، في دِيارِنا،
فلَيْسَ للدّارِ في زَعْمِكَ دَيّارٌ. واخْلَعْ عن فاس غِشاوَتَها التي ألْقِيَت عليْها تَجِدْ أمامَكَ عَذْراءَ في خدْرِها، حدَّثَ عنها التّاريخُ ودوَّنَ أخْبارَها على جُدْرانِ أحْيائها العَتيقَةِ
وبُيوتاتِها العَريقةِ.
ألا فلْيَعْلَمْ بُغاثُ الطّيْرِ العابثُ أنّ هذه الأرضَ وردَةٌ بِها أشْواكٌ تَحْمي جيدَها، فَمَن دَنا منها أدْمَتْ يَديْه...