محنةُ البَيانِ اللغويّ
د. عبد الرحمن بودرع
مِنْ "محنةِ البَيانِ" اللغويّ الذي تُعانيه اللغاتُ البشريّةُ أنّ الكلماتِ المُنْتَقاةَ من المُعجَم للدلالَة على مَعانٍ مُعَيَّــنةٍ، تستوقفُك دلالاتُها، لأنك لا تُسلِّمُ للمُتكلِّمِ أن يتصرَّفَ كما يَشاءُ في تركيب الكلام ونظمِه وفي الدلالَة عَلى ما يُريدُ هو من هذا التّركيب، وقد يَكونُ ما يُريدُه المتكلمُ إنما يُريدُ خَفيّاً لا يُطْلعُ الناسَ عليه ولا يُصرِّحُ به تصريحاً مباشراً، وظاهرُ اللفظ فضفاضٌ يتّسعُ له ولنقيضه، وإنما الذي مَنَعَه من اختيارِ أسهلِ الطرُق وأدقها وأقرَبِها للدلالة على مَعناه، خشيةُ انكشاف المقاصدِ المذمومة التي لا يَرتضيها كثيرٌ من المُتلقّينَ. ويغلبُ أن يُستَعمَلَ هذا الضربُ من التعبير في مَيدان السياساتِ والدعاياتِ وكلِّ مَيدانٍ يُحرَصُ فيه على تَحسين المذمومِ والحَثِّ عليه، وتَقبيحِ الحَسَن والتّحذيرِ منه.
مثلاً عبارةُ "تَدبير الشأن الفُلانيّ" يكمنُ وَراءَ التدبيرِ ما يَراه المُدبِّرُ في حاجةٍ إلى تَغيير قد يُناقضُ أصلا من الأصول، ونصيرُ إلى تغيير جذريّ يقلبُ سُلَّمَ القيم وينسفُ كثيرا من القواعدِ والأصول نسفاً ناعماً بطيئاً لا يشعرُ به المُستهدَفونَ بالتدبير ولكنَّ المدبِّرَ يعلَمه ويُخطط له بل يُنفذُ ما خُطِّطَ له، ولقد تسارَعَت خطواتُ تدبير الأركان الأربعَة التي تَبْني الإنسانَ وهي شؤونُ الدين والثقافة والتعليم والإعلام. تسارَعَت بعدَ تدبير شأن أكبرَ منها وهو التطبيعُ، فباتَ التدبيرُ والتطبيعُ مُصطلَحَيْن مُترادفَيْن أو مُتلازمَين؛ إذ يَترتبُ على كلِّ تَطبيعٍ إعادة النظر في كل تدبير ومراعاةُ الوَضع الجَديد حتّى يُبنى العهدُ الجَديدُ والنشءُ الجديدِ وفاقاً للشأن الجديد.
ومن نماذج العباراتِ التي تستوعبُ النقائضَ "النموذج التنموي الجديد" فقد سُطِّرَ هذا الأنموذَجُ الذي أريدَ لهذا البَلَد، على النّحو الذي أراده له مُخطِّطوه وواضعوه، ووفاقاً للنيات والمقاصد التي دَفَعَتهم إلى وضعِه على ذلكَ النحو. وخُلاصةُ القضية أنه مَفتوحٌ على فَضاء "الغَرْبِ المُعَيَّن" فَتحاً لا حدودَ له، ولا عبرةَ لمَن يقولُ من الواضعينَ والمُصَدِّقينَ إنه يَحترمُ خُصوصيةَ البَلَد وهويتَه وثوابتَه، فذلك كَلامٌ يُردَّدُ للاستهلاكِ الدّاخليّ، وهو احتجاجُ مَن لا حُجَّةَ له.
وأعزُّ مطلوبٍ غائبٍ عن النموذَج، الموقفُ من العربية، وهي اللغَةُ الوطنيةُ الرسميّةُ، بوصفِها لغةَ السيادَة وعُنصراً رئيساً لا يَخلو منه دستور من دَساتير العالَم، المسطور والمُنزَّل، ولا تَخلو منه سياسةٌ لغويةٌ ولا تخطيطٌ لسانيّ، فموقفُ "النموذج" من اللغة الوطنية الرسمية سالبٌ سلبيٌّ، والسلبُ موقفٌ مُعتادٌ، في كلّ نقاش وطنيّ وكل مَشروعٍ رَسميّ، حيثُ تجدُ الموقفَ الرسميَّ من العربيةِ التَّجاهُلُ وعَدَمُ المبالاة أو خَلطُ الأوراقِ وتَمييعُ المَشهَدِ؛ وكأنَّ البَلَدَ يَنبغي أن يسيرَ في سياسته وتعليمه وإعلامه وثقافته بعشر لغاتٍ ولهجاتٍ ولا حَرَجَ، أو على الأقل بلغة أجنبيّة يَدينُ بها واضعوه...
المصدر