الرسالة الثانية عشرة
في علم البديع
البديع لغةً هو : الإنشاء والإيجاد، عندما أوجد شيئًا على غير مثال سابق، ومن أخوات هذه الكلمة في المعنى : أبدع أي اخترع .
أما البديع اصطلاحًا فهو العلم الذي يعرف به الوجوه والمزايا التي تزيد الكلام حسنًا وطلاوة .
من أشهر ما يتبادر إلى الذهن ونحن نتحدث عن البديع :
- الطباق : الذي يعني العلاقة الضدية التي تجمع بين لفظتين في الكلام ( الليل والنهار) ، ( النجوم ، والكواكب )، (السماء والأرض)، ( الخير ، والشر) هذه العلاقة الضدية تسهم في تحسين الكلام عندما تزيده وضوحًا كما قال الشاعر العربي وبضدها تتميز الأشياء ، والحديث عن الطباق يأخذنا حديثا إلى فكرة الثنائيات أي الجمع بين طرفين نقضين، هذه الفكرة تشكل محورًا مهممًا من محاور ما نسميه الآن بالنقد الثقافي الذيي يعتمد في تحليله للنصوص على مسألة الثنائيات بدرجة كبيرة، ولا شك في أن مصطلح الطباق يمكن توظيفه بدرجة لا بأس بها في تحليل النصوص اللغوية، عندما نجد داخل النص السردي على سبيل المثال شخصيتين بينهما صراع وهذا الصراع سببه أن إحداهما تأتي على النقيض من الأخرى ، ولننظر مثلًا إلى ثنائية سليم البدري وسليمان غانم في رائعة أسامة أنور عكاشة ليالي الحلمية ومن ثم يمثل مصطلح الطباق في علم البلاغة مدخلًا مهمًا في دراسة فكرة الصراع داخل النص السردي والنص المسرحي، وتقودنا فكرة الطباق إلى فكرة المقابلة عندما نجد أنفسنا بين نص جملة أو أكثر على النقيض من نص آخر، هنا نجد أن المقابلة تتركز على المعنى، ولعلنا ونحن نقرأ بعض المشاهد الحياتية المعيشة وبعض النصوص السردية، نجد فكرة الأحزاب والجماعات المختلفة تطرح نفسها على الوعي؛ فالفكرة تمثلها شخصية أو عدة شخصيات داخل النص، في المقابل يأتي حزب أو فريق آخر له شخصياته التي تمثله وتعبر عنه .
- الجناس : يعني المواءمة والانسجام، هذه المواءمة قد تكون كلية عندئذ نستخدم الجناس التام : وهو توافق الكلمتين في الحروف مع اختلافهما في المعنى مثل قولنا: صليت المغرب في بلاد المغرب، ومثل قوله تعالى : "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة" إن هذا الاتفاق اللفظي/الظاهري والاحتلاف المعنوي قد نجده في الواقع المعيش وفي عالم الفن الحكائي أيضًا، إن الأخوين يولدان من أب واحد وأم واحدة ويتربيان تربية واحدة لكن كل واحد منهما قد يسلك في حياته طريقًا بعيدًا عن طريق الآخر تمامًا؛ ومن ثم نجد أن فكرة الاتفاق واحدة في جانب لكن الاختلاف على مستوى الطبيعة والدور الذي يمارسه كل واحد منهما واضح في الجانب الآخر، وإلى جانب الجناس التام هناك الجناس الناقص، وهو اتفاق الكلمتين في عدد من الحروف واختلافهما في البعض الآخر. ولا شك في أن هذه الصيغة لا نجدها فقط في النص الذي ننعته بالبلاغة ولكن نجدها في سياقنا الحياتي كذلك ، فما يسمى بالصداقه التي تقيم جسورًا للصلة بين للناس يتحقق فيها بشكل جلي هذا النوع؛ فالأصدقاء يتفقون في أشياء تبدو للعيون الرائية ويختلفون في أخرى، إننا لا نستطيع أن نجد صديقًا متماثلًا مئة بالمئة مع صديقه .
- الطي والنشر : أن يذكر متعدد ثم يذكر ما لكل واحد من أفراده من متعلقات مثل : "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " فمن الواضح في هذا النص أن المتكلم وهو في هذه الآية الذات الإلهية لم يحدد بأدوات لغوية كل لفظ وما يتعلق به اعتمادًا على أن ذهن السامع سوف يدرك ذلك دون التباس أو إيهام .
- الجمع : وهو أن يجمع المتكلم بين متعدد على مستوى اللفظ والمعنى تحت حكم واحد مثل قوله تعالى: " المال والبنون زينة الحياة الدنيا"؛ فالمال لفظ له معناه والبنون لفظ له معناه، لكن هذا التعبير يجمعه حكم واحد وهو أن الاثنين زينة الحياة الدنيا، ومثله أيضًا قوله تعالى : " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث " ، ومثال الجمع أيضًا قوله تعالى : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " .
- التفريق : على خلاف الجمع؛ هو أن يعمد المتكلم إلى شيئين من نوع واحد فيوقع بينهما تباينًا واختلافًا مع ذكر ما يفيد ذلك؛ مثل : " وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج " ، ومثل : ما يستوي هذان الطالبان في قسم اللغة الإنجليزية هذا مترجم ماهر يملك أدواته، وهذا قليل العلم والمهارة .
- المشاكله : أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في سياق المعنى المراد التعبير عنه، مثل قوله تعالى : " نسوا الله فنسيهم " فهناك نوع من الاتفاق الظاهري بحكم تكرار الفعل نفسه، لكن المعنى يختلف كلية؛ فنسيان العبد لربه يعني معصيته أو الكفر به، لكن نسيان الله يساوي عقابه وعذابه في الآخرة ، وقوله تعالى : " وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون " هنا نسأل سؤالًا : هل استهزاء هؤلاء الكفرة المنافقين كاستهزاء الله؟ الإجابة لا، هنا يتضح مفهوم المشاكلة عندما نجد لكل كلمة حكمها ومعناها الخاص .
في نهاية القول يتضح أن علم البديع لا يركز فقط على الجانب السمعي في الكلام الذي يبدو من مصطلحات عديدة مثل الجناس والترصيع ومراعاة النظير مثلًا، لكن يكتسب حسنه من قدرته على توضيح المعنى الكامن في النص، وبذلك يمثل جزءًا مهمًا في منظومة علم الجمال العربي الذي يصل بالنص إلى درجة بالغة الارتفاع في التشكيل والبيان، هذه المنظومة التي تتشكل من حقول ثلاثة: المعاني ، البيان ، البديع .