الطريق إلى تحقيق وحدة المسلمين
السنة الخامسة عشر ـ العدد 173 ـ (رجب - شعبان 1437 هـ ) ـ (أيار 2016 م)
بقلم: الشيخ جمال الدين شبيب
تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان
الصفحة الأساسية
الصفحة الأولى
أعـداد سـابـقة
المدير العام:
الشيخ محمد عمرو
رئيس التحرير:
غسان عبد الله
المدير المسؤول:
مصطفى حسن خازم
الإشراف على الموقع:
علي برو
للمراسلة
من أهم الفرائض الواجبة التي يغفل عنها كثير من المسلمين فريضة مغيبة لها أهمية كبرى في حياتهم لا تقل أهميتها عن الشهادتين والصلاة والصيام والحج والزكاة عنيت وحدة الأمة فهي مقصد أساسي من مقاصد الدين فالاتحاد والاجتماع والاتفاق والتكامل، وعدم التفرق والتنازع هو فريضة شرعية وضرورة اجتماعية.
وهذه الفريضة تقوم على وحدة الاعتقاد والإيمان بين جميع المسلمين، فما دام الفكر واحداً والمرجع واحداً فينبغي أن يجتمع عليه أهله ويتوحدوا ويتحابوا.والعبودية لله يجب أن تجمعنا وتجعلَنا أمةً واحدة كما أرادنا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾(الأنبياء: 92)، وقال سبحانه: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾(المؤمنون: 52).
فأمة إسلامية يجمعها دين الله وشريعته وأحكامه، وهو الحبل الذي نستمسك به ونتوحد عليه، قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(آل عمران: 103)، أَلَّف بين قلوبنا بالفكر الواحد والإيمان بالحق ، وأنقذنا بذلك من النار أيضاً، فقوله ﴿أصبحتم بنعمته﴾ أي بهذا الدين العظيم وهدايتكم إليه.
ولو تأملنا في كتاب الله لوجدنا النصوص الكثيرة التي تأمرنا بالأخوة والحب في الله، والتعاون والإصلاح بين المؤمنين. وكلها تقتضي وجوب الوحدة بين المسلمين، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(الحجرات: 10).
وهذا الواجب الشرعي المضيع واجب الوحدة له أثر عظيم على أحوال المسلمين، تقدمهم وتأخرهم لأن الأمة تتقدم وتقوى بمقدار التزامها بهذه الفريضة وإهمال العناية بها يؤدي إلى فساد حال الأمة وذهاب بأسها وقوتها وتأخرها، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(الأنفال: 46)، ومن نظر في حال الأمة اليوم يجد عمق هذه الآية، فإن تضييع الإخاء والمحبة والوحدة سببٌ في كل مشكلةٍ وتخلفٍ وظلمٍ وجهلٍ وضياعِ حقوقٍ وتسلطِ عدوٍ.
وإذا كانت الفرائض لها أثرها في تزكية النفس، فإن فريضة الوحدة بين المسلمين لها أثر في تزكية الأمة وقوتها، بأفرادها ومجموعها، وما يترتب على هذه الفريضة من قوة وتناصر؛ له أثره في دعوة الأمم الأخرى إلى الله وهدايتها إلى دين الله وإصلاحها.
ولا تقل أهمية هذه الفريضة عن أهمية إقامة الدين بل هي الركن الركين والأساس المتين في إقامته، لذلك أمرنا الله تعالى بالأمرين معاً، فقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾(الشورى: 13)، فكما أن إقامة الدين فرض من الفرائض؛ كذلك عدم التفرق فيه فرض أيضا.
ونجد في زماننا بعض المسلمين يحاولون إقامة الدين ويبذلون جهدهم فيه، لكنهم يجعلون ذلك على حساب الوحدة وعدم نبذ التفرق، ومن المسلمين من يبالغ في عدم التفرق فيتهاون في إقامة الدين ويتقبل الانحراف المرفوض، والمطلوب الموازنة بين إقامة الدين والوحدة، وتحقيقهما معاً، بحيث لا يتعارضان، فلا نُضيِّع شيئاً من الدين، ولا نتفرق عن أهل الحق والدين على أمر نختلف فيه لكنه لا يبرر الفرقة والبغضاء.
والله سبحانه وتعالى نهانا معشر المسلمين عن أن نعمل عمل المشركين الذي يفرقون الناس بأهوائهم وباطلهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾(الروم: 31-32)، وقوله تعالى: ﴿فرقوا دينهم﴾ دليل على أن التفرقة فيها تضييع لإقامة الدين.
وحينما يضعف الدين ويكثر الجهل؛ فإن الأرضية التي تصنع الوحدة والمودة تكون قد ضعفت، فتحصل الفرقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾(هود: 118- 119)، فالخلاف ناشئ عن فقد رحمة الله، والله ما خلقهم ليختلفوا ويتفرقوا، بل خلقهم ليكونوا أمة واحدة، لكن جعل من حكمته ابتلاءهم بذلك، والواقع أنه سيكون كثير من الناس مسيئين في ذلك فيكونون من أهل النار(والعياذ بالله).
أما الذين رحمهم الله فيجتمعون على الحق ويكونون أمة واحدة، والله يرحم المحسنين أهل الإيمان والتقوى والاستقامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ﴾(الأعراف: 56).
ووحدة الأمة الإسلامية، تعني التعاون على الخير والحق، وأن يلين بعضنا لبعض ويتواضع، وأن يكون لنا قيادة واحدة ورأس واحد ومرجع واحد نجتمع عليه ونحافظ عليه، وأن لا نسمح لأحد أن يخرج على الأمة وقيادتها بغير حق، وأن لا يتولى قيادة الأمة إلا من ترضاه وتختاره من أهل العلم والتقوى والخبرة.
ووحدة الأمة الإسلامية تعني أن يكون للمسلمين دولة واحدة ترعى المسلمين في العالم كله. دولة وشعب مسلم، لا يكتفون بحماية القوي للضعيف، بل يسعون إلى أن لا يكون فيهم ضعيف. الغنيُّ يعطي الفقيرَ والمحتاجَ، يكرمه ولا يهينه ويعزه ولا يذله، بل يسعى لإغنائه، حتى لا يكون في المجتمع محتاج.
الأمة بحاجة لتحقيق الوحدة الحقيقية وحدة لا يكتفي فيها بلد غني أن ينفق على بلد فقير، بل جميع المال للأمة كلها، بلادها وشعوبها. وحدة تجعل طاقات الأمة وعقولها في خدمة الأمة كلها، لا لبلد دون بلد من بلدان المسلمين. وحدة تحمي المسلمين في بلاد غير المسلمين، فلا يتجرأ أحد في العالم أن يعتدي على مسلم حيثما كان.
تحريم التفرق والنهي عن أسبابه
نهانا الله تعالى عن التفرق والشقاق والنزاع والاختلاف الذي يسبب التفرق، فقد علَّمنا الحقائق وأرسل إلينا بالعلم والبينات التي يجب أن تجمعنا، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(آل عمران: 105).
فالذين يفرقون الأمة ويعملون أعمالاً تفرقها؛ عليهم أن يراجعوا أنفسهم ويصححوا علومهم ويتخلوا عن أهوائهم. فالعلم لا يفرِّق، وإنما البغي والتعدي في التعامل معه هو الذي يفرق، فإما فهم خاطئ، وإما نفوس ذات أهواء، قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾(الشورى: 14).
وواجبنا أن نحذر من كل من يفرق كلمة الأمة وشأنها، فهم مسيئون باغون بأهوائهم أو جهلهم، أو هم أعداء للإسلام يدَّعون الانتساب إليه.
وإذا كان العالِم في الآخرة قد تسعر به النار(1)؛ فإن العالم إذا لم يكن قد زكى نفسه واتقى الله وتواضع للمسلمين فإنه قد يسعر نار الفرقة والحقد بين الناس في الدنيا، فضر بعلمه ولم ينفع.