خامساً : قواعد الجملة:
إنّ الجملة أكبر مركبات اللغة و منتهاها . و لعله بسبب من هذا ، يُنظر الی الجملة في الدرس اللغوي الحديث بوصفها الوحدة الأساسية للبحث ، ( ميشال زكريا ، بحوث ألسنية عربية ،ص51)، أو بوصفها أكبر وحدة يعرفها اللغوي ( صلاح الدين حسين، التقابل اللغوي ،ص113).
قد تكون الجملة أكبر وحدة للتحليل في كثير من الأحيان ) 173 , JOHN Lyons) ،غير أنها تنطوي علی " وحدات نحوية " أخری أصغر منها . و تعامل اللغة هذه التجمعات علی أنها " وحدات تركيبية " تساهم بوضوح في نظم الجملة . فالجملة ، في نهاية الأمر ، ليست حصيلة تفاعل مباشر بين الكلمات في الحالات كلها ، إنما تتفاعل الكلمات في بعض الأحوال لتدخل في مركبات ،تحكمها فيها علاقات خاصة . و تتحد هذه المركبات بعضها بعضاً ،و مع المكونات الأخری ، بغية انتاج الچملة .
صحيح أن الجملة سلسلة من المكونات تتفاعل فيما بينها كي تؤدي المعنی الواحد المنشود ، وأنّ هذا التفاعل يقوم علی أساس من النظام النحوي . ( مصطفی حميدة ، نظام الارتباط و الربط في تركيب الجملة العربية ، 131) ، إلا أنّ مكونات الجملة المتفاعلة " لاتكون جزئيات مستقلة في صورة كلمات فقط ، بل قد تكون جزئيات مركبة . ( محمد ابراهيم عبادة ، الجملة العربية ،27).
في تعليم قواعد الجملة لمتعلمي العربية من الناطقين بغيرها ، يجب أن نتفق ، و لو من بعض الأوجه ، مع منهج من مناهج النظر اللغوي الحديث ، و هو منهج " التحليل الی المكونات المباشرة " و هو منهج يقوم بتحليل الجملة ، و لكن ليس بوصفها مؤلفة من كلمات متتابعة مرصوفة بعضها بجانب بعض أفقياً ، بل بِعَدّها نسقاً منظوماً علی نحو مخصوص ، نری فيه الجملة مؤلّفة من مكونات بعضها أكبر من بعض ، الی أن يتمّ تحليلها الی عناصرها الأولية من الكلمات .( نهاد الموسی ، نظرية النحو العربي ، 29).
و لذلك يُعتمد هذا المنهج ، في بداية التطبيق ، علی تقسيم الجملة الی جزأينِ رئسيين ، ثم يُقَسّمُ كل جزء منهما الی جزأينِ ، و هكذا حتی يصل التحليل الی أصغر الوحدات اللغوية ، و هي الكلمة .(محمد ابراهيم عباده ،190) .
على هذا الأساس ، فالترابط في الجملة ليس بين الكلمات المفردة، بل بين المكوّنات الجملية.و هذا يعني أنه ليس ترابطاً طولياً كما يقول بعض السلوكيين ، بل انه ترابط هرمي. ( متقي زاده ، ص3).
3- التدرج في تعليم المادة اللغوية
يُعدّ التدرج في تعليم اللغة أمراً طبيعياً يتماشی مع طبيعة الاكتساب اللغوي نفسه ، و لذلك لابد من أخذ هذا العامل بعين الاعتبار مع مراعاة العناصر الأساسية الآتية :
3/1 السهولة :
التدرج من السهل الی أقلّ سهولة أمر طبيعي و ضروري في عملية التعلم ، إذ يرتقي المتعلم في اكتساب مهاراته اللغوية من العناصر اللغوية التي يسهل عليه استيعابها و استعمالها الی العناصر المجردة التي تتطلب نضجاً أكثر .
3/2 الانتقال من العام الی الخاص :
تهتدي العملية التعليمية بهذا المبدأ ، و تعمل علی تطبيقه في أي عملية تسعی الی اكتساب المتعلم مهارة لغوية معينة . و لهذا يجب أن تدرس القاعدة العامة قبل الخاصة التي ترتبط باجراءات تحويلية معينة ، و تدريس الألفاظ التي لها علاقة بموجودات محسوسة قبل الألفاظ التي لها علاقة بإحالات مجردة ، و التراكيب البسيطة قبل التراكيب المعقدة .
3/3 تواتر المفردات
مما لا شك فيه ، هو أن الألفاظ التي تشكل القاعدة المعجمية في اللغة و تختلف فيما بينها من حيث درجة تواترها ، فهناك ألفاظ تتواتر في الأداء الفعلي للكلام بدرجة أكثر من سواها ، و هي الألفاظ التي تنعت عادة بالألفاظ الأساسية ، و لذلك فإن التدرج في تعليم اللغة يقتضي بالضرورة الاهتمام بمبدأ التواتر أثناء وضع البرامج التعليمية للغة ما .
4- عرض المادة اللغوية
انّ لعرض المادة اللغوية دور هام في إنجاح العملية التعليمية ، و أستاذ اللغة مؤهل بحكم تكوينه الأولی لإتقان العرض و التقديم . ( أحمد حساني ، 2000، ص146) و لتحقيق ذلك لابد من أن يطرح علی نفسه الأسئلة التالية :
1- ما هي الوسيلة الناجعة لعرض المادة ؟
2- ما هي العناصر اللسانية التي يجب التركيز عليها في عرض المادة ؟
3- كيف يمكن لي تبسيط إدراك العلاقة بين الدال و المدلول لدی المتعلم ؟
تشكل الإجابة عن هذه التساؤلات وعياً عميقاً لدی معلم اللغة في وضع استراتيجية لعرض مادته و تقديمها ، و لذلك يجب التركيز أساساً علی الخبرة أو المهارة اللغوية المراد تعليمها للمتعلم من خلال عرض المادة اللغوية المنتقاة . و من ثمة فإن منهجية عرض المادة التعليمية حتی تكون ناجعة يجب أن تتوافر فيها العناصر التالية : ( المصدر نفسه )
- تحديد نظام اللغة المراد تعليمها .
- مراعاة مراحل التدرج في تعليم لغة معينة .
- مراعاة المقاييس اللسانية و النفسية لترتيب هذه المراحل .
- ضبط الوحدات الأساسية المكوّنة للعرض .
- تقسيم الوقت بين هذه الوحدات.
و من ثمة فإن عرض المادة التعليمية يشكل أساساً من الأسس التي يوضع عليها البرنامج الدراسي ، و لاتتحقق أهداف هذا البرنامج إلا بالعرض الناجح للمادة اللغوية ، و هي المادة التي تتضمن بالضرورة الخبرات التالية :
- اكتساب النظام الفونولوجي للغة ( الجانب الصوتي في اللغة ).
- إدراك العلاقات الدالة المكونة للنظام اللساني .
- إدراك العلاقة بين الكلمة و ما تحيل اليه في الواقع الحسي .
- إدراك العلاقة بين البنية المورفولوجية ( الصرفية ) و النظام الفونولوجي للغة ( الصوتي)
- إدراك آلية التركيب و التأليف .
- إتقان القراءة و الإملاء .
- إمتلاك آلية الحوار و الخطاب الشفوي و الكتابي .
غير أن هذه الخبرات لا يكتسبها المتعلم بسهولة و بسرعة إلا اذا كانت مؤسسة علی مقومات علمية تستمد أصولها من النظرية اللسانية بعامة و اللسانيات التطبيقية بخاصة .
خاتمة البحث
لايمكن تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها الا من خلال منهج علمي ، معدّ علی أسُس واضحة و بطريقة منظمة ، و مكون من عناصر محددة ، إذن من الواجب أن نُلقي الضوء علی الأسس العلمية لتصميم منهج تعليم اللغة العربية لمتعلميها من الناطقين بغيرها ، و تحليل مهام التعلم ، و تطوير الإستراتيجيات المناسبة له ، مع الإشارة الی كيفية تصميم المقرر، و تصميم وحدة الدرس .
انّ المشكلة الحقيقية في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها قد تعود الی :
- ندرة توافر منهج محدد واضع الأهداف ، مع غياب تصور واضح لأسسه النفسية و الثقافية .
- ندرة المواد التعليمية المقدمة لمتعلمي العربية من الناطقين بغيرها ، مع قلة استخدام الاستراتيجيات الحديثة المناسبة لهم .
- ندرة توافر المعلم الجيد ، المعدّ لغوياً ،و تربوياً ، و ثقافياً .
- ندرة اختيار المحتوی اللغوي و الثقافي و تنظيمهما ؛ لتحقيق الأهداف ، بما يشبع الحاجات العملية للدارسين .
فلذلك يهتم تنظيم المحتوی بتنظيم مهام التعلم في سلسلة متتابعة متكاملة بحيث تنسج خيوطاً متنوعة و متكاملة من المعارف و المهارات و الخبرات . . تنظم في أجزاء ، بحيث يحتوي كل جزء علی وحدات ، ثم مجموعات ، ثم نوعيات ، ثم كميات
المصادر و المراجع
1- ابراهيم عباده ، الجملة العربية : دراسة لغوية نحوية ، منشأة المعارف ،الاسكندرية ،1988م.
2- أحمد حساني ، دراسات في اللسانيات الحديثة : حقل تعليمية اللغات ،ط1، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر، 2000.
3- داوود عبده ،دراسات في علم اللغة النفسي ،ط1 ، مطبوعات جامعة الكويت ، 1404ھ – 1984م .
4- داود عبده ، نحو تعليم العربية وظيفياً ، ط2، دارالكرمل للنشر و التوزيع ، عمّان ، الأردن، 1990م.
5- دوجلاس براون ، مبادئ تعلم و تعليم اللغة ، ترجمة: إبراهيم بن أحمد القعيد وعيد بن عبد الله الشمري ، مكتبة التربية العربي لدول الخليج، 1414 ھ / 1994 .
6- رشدي أحمد طعيمة ، دليل عمل في إعداد المواد التعليمية لبرامج تعليم العربية ، جامعة أم القری ، معهد اللغة العربية ، وحدة البحوث و المناهج ، مكة المكرمة ،1406 ھ / 1985م
7- رشدي أحمد طعيمة ، تعليم العربية لأغراض خاصة ، المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ، معهد الخرطوم الدولي لتعليم اللغة العربية ، الخرطوم ، 1423/ 2003م .
8- صلاح الدين حسين، التقابل اللغوي و أهميته في تعليم اللغة، دار الكتاب ،بيروت ،د. ت.
9 - عاتكة أحمد محمد التل ، تحليل الأخطاء الكتابية لدی متعلمي اللغة العربية من غير الناطقين بها ،جامعة اليرموك ، 1989 م .
10- عبد الرحمن الحج صالح ، أثر اللسانيات في النهوض بمستوی مدرسي اللغة العربية ،مجلة اللسانيات ، العدد الرابع ، جامعة الجزائر ،السنة 1973 .
11- علي أحمد مدكور، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ، ط1، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 2006 م .
12- عمر يوسف عكاشه ، النحو الغائب ،ط1،المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، بيروت،
، 2003م.
13- قدور ، مبادي اللسانيات ، ط1، دار الفكر- دمشق ، دارالفكرالمعاصر،بيروت، 1416/1982م.
14- متقي زاده ،عيسى ، البنية السطحية و المضمرة في التركيب الاضافي و الوصفي وأثرها في تعليم اللغة ، مجلة الجمعيةالايرانية للغة العربية و آدابها ،العدد الحادي عشر.
15- مصطفی حميدة ، نظام الارتباط و الربط في تركيب الجملة العربية ، ط1 ، الشركة المصرية العالمية للنشر ، لونجمان ، مصر، مكتبة لبنام ناشرون ،بيروت ،1997.
16- ميشال زكريا، بحوث ألسنية عربية، ط1 ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر و التوزيع،بيروت، 1412 ھ/1985م.
17- نايف خرما و علي حجاج ، اللغات الأجنبية تعليمها و تعلمها ، سلسلة عالم المعرفة :126،الكويت ، 1408 ھ ،1988م.
18- نهاد الموسى، اللغة العربية و أبناؤها،أبحاث في قضية الخطأ و ضعف الطلبة في اللغة العربية ،ط2، مكتبة وسام ، مرج الحمام ، عمّان، 1401 ھ/1991.
19- نهاد الموسى ، نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث، ط2، دار البشير ، عمّان، الأردن، مكتبة وسام، الأردن،عمّان، 1408 ھ /1987م
20- نورمان ماكنري ، فن التعليم و فن التعلم ، ترجمة أحمد قادري ، مطبعة جامعة دمشق، 1973م .
21- ladia white , universal grammar and second ******** acquisition ,John Benjamins Publishing Company , Amseardam- pheladelphia, 1955
22- s.p.corder,The Significance of learner s Erros,in : John Schumanna and Nancy Stenson (eds ) New Feonteirs In second ******** Learning , Newbury house Publishers, Rowley
المصدر