منهج البحث:
قام البحث على منهج الجمع والتنسيق، جمع المادة من مظانها، ثم تنسيق هذا المجموع، ومحاولة ربطه بتصور نسقي موحد، يجمع شتات هذه الجزئيات، وينظمها تحت أصول جامعة.
وباب الجمع والتنسيق من أبواب التأليف وأغراضه، يقوم على فنون من الاختيار وضم الأشباه والنظائر والمتماثلات، ويكون بابه في المتشعب من المسائل، والمفترق من المباحث، التي يراد لها أن تكون مجتمعة تحت غرض واحد كبير، يلم شعثها ويضم منتشرها.
وقد حاول البحث على مقدار الوسع، استجماع شرائط السياق ومقوماته، وتدقيق النظر في مكوناته وبنياته، وتتبع تجلياته ومظاهره.
واجتماع فصول المسائل، مبني على أصول سابقة، وشرائط معتبرة، يؤخذ بها عند الجمع والتنسيق، وقد كانت هذه الأصول في البحث، قائمة على تحكيم مبدأين:
1- مبدأ التأصيل، ويعنى به أن هذه المسائل المتفرقة، لا بد أن يجمعها أصل واحد من النظر، تتأطر به مباحثها، ويتوحد به عملها، وهنا تمت الاستعانة بعلم النص، بما أنه علم يجرد النظر في النص، ويوفر إطارا نظريا عاما، يمكن الإفادة من تصوراته وفرضياته وإشكالاته ومفاهيمه وقضاياه.
2- مبدأ التفعيل، ويعنى به أن مفردات السياق، تكتسب قوتها من عملها في إطار انتسابها للأصل، واجتماعها عليه، فما فيها من القوة التحليلية للخطاب، يمكن تفعيله على وجه أكمل، وتوظيفه التوظيف الأمثل، إذا ما جمعت هذه المفردات، ثم ركبت تركيبا جامعا، يراعي مستوياتها ووظائفها ومراتبها، وهنا تم جمع ما انتشر من مباحث السياق ومفرداته، وضمها تحت مفهوم واحد موسع هو السياق، مع إعادة توزيعها على مجالات السياق ومستوياته.
إشكالات البحث.
وقد استرشد البحث بمجموعة من الإشكالات سعى إلى تبين وجه الإجابة عنها، بقدر الوسع والطاقة، لعل من أهمها:
هل يمكن الادعاء أن المفسرين بحكم طبيعة اشتغالهم في إطار النص القرآني، كانوا يصدرون عن وعي نصي، قائم على مراعاة خصوصية الخطاب ؟
هل يمكن القول بأنهم قاربوا هذا النص بمجموعة من الآليات المنهجية، تمثل إلى حد ما أنموذجا تحليليا للخطاب القرآني، وذلك باستحضارهم علوم القرآن، وتوظيفها في النص القرآني ؟
هل يمكن الزعم بأن مدونة علوم القرآن تقوم على بنية نصية في الأساس؟
إلى أي مدى نعُدّ مفهوم السياق في التراث مفهوما ناضجا؟
وهل كان حضوره في التراث حضورا قائما ضمن تصور معين؟ ونسق متكامل؟ أم أنه حضر اتفاقا من غير قصد؟
ثم هل يمكن الحديث عن منهج سياقي تراثي متكامل؟
وما الجوانب التي أغفلت في دراسة السياق في التراث، وكان ينبغي إكمالها أو تعديلها؟
وما الجوانب التي حصل فيها الإبداع؟
وهل كانت الاستعانة بالسياق قاصرة على وظيفته الدلالية؟ أم كان ثمة وظائف أخرى نيطت به؟ إلى غير ذلك من الإشكالات.
وينبغي التأكيد هنا على أن كلّ قراءة للتراث، تتم في اللحظة الحضارية الحالية، لا يشغلها هم الإجابة عن الإشكالات المعاصرة، التي هي إشكالات منبثقة من صميم الواقع المعرفي، ستحكم على نفسها ضرورة بالعجز، إذ لن تستطيع قراءةَ هذا التراث، إلا قراءة مكرورة مجترة، تعيده لغة ومحتوى، وحتى ذلك لن يتحقق لها بالقدر الكبير من النجاح، لأنها لن تتفوق -ولو اجتهدت- على أصحابه الذين أنجزوه انطلاقا من هموم اللحظة الحضارية التي عاشوها
والمشروع الذي سعى إلى تحقيقه البحث من خلال ذلك، رصد المنجز العربي في السياق، وإخراجه في حلة جديدة، تتناسب وما جد في باب لسانيات النص وتحليل الخطاب، استنادا إلى قضية أساسية انطلق منها وهي: أن الدراسة النصية في التراث العربي، معنية الآن، بتعرف حدودها وإشكالاتها ومنهجها، ومواطن إبداعها ومواضع الإضافة فيها، وذلك من خلال انفتاحها على الآفاق النصية الحديثة، والاستفادة منها في سبيل تطوير أنموذج نصي، يكون غنيا بالروافد والأمثلة والتطبيقات، غِنى يجعله أقدر على إعطاء مقاربة أشمل، وأجدر على إبداء نظرية أكمل، فمن ثم جاءت فصول البحث، مؤطرة بهذا التصور، ناظرة إلى هذا الغرض.
مراجع البحث:
الحديث عن هذا الموضوع جديد قديم، وطريف تالد، لأنه يرتد بالناظر فيه إلى الأعمال العلمية اللغوية الأولى التي اعتنت بهذا المفهوم، وينتهي به إلى الدرس اللساني الحديث، في رحلة طويلة متشعبة، راكم فيها موضوع السياق، حصيلة علمية وافرة، أغنت مباحثه، وكشفت عن جوانب من قيمته وفاعليته، وأبرزت مركزيته في كل دراسة نصية وازنة.
وقد اعتمد البحث على مراجع متعددة، تختلف فنونها ومذاهبها وأصحابها، وتجتمع في كونها تمت إلى موضوع السياق بالصلة الظاهرة والسبب القريب، حيث شمل مراجع في التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلوم الحديث واللغة والنحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه كما اعتمد على مراجع في تحليل الخطاب ولسانيات النص، إذ كان السياق حاضرا فيها على نسب متفاوتة، وضروب متباينة.
وإذا كانت مراجع التراث العربي، تمد الباحث بمجموعة من التطبيقات العملية، والجزئيات التفصيلية للسياق، فإن مراجع اللسانيات وتحليل الخطاب، تمده بالإشكالات الواردة، والمفاهيم الضابطة، والتصورات النظرية العامة، التي تؤطر ما انتشر من مباحث السياق، وتشعب من مسائله.
نسق أبوابه:
اقتضى وجه التدبير أن أسلك بالبحث مسلكا قائما على بابين، الأول منهما يمثل إطار النظر، والثاني مبني عليه ومركب على نتائجه.
وقد اقتضى موضوع البحث، التقديم له بمدخلين، ينظر الأول منهما في المجال والمضمار الذي يتجلى فيه السياق، وهو النص والخطاب، إذ كانت معرفة السياق متوقفة على معرفة موضع عمله، وهذا يحيل القارئ على مواطن التجلي السياقي
والثاني منهما: في الإطار العام الذي يشمل منهج السياق، وفيه الحديث عن "لسانيات النص"، والكشف عن كبرى معالمها ومدارسها، وبيان ملامح الدراسة النصية في التراث، على رسم الاختصار، ليوقف بذلك على المشترك الجامع، والأرضية التي سينطلق منها البحث.
وكل من المدخلين، يكتنفان السياق، ويساعدان على مقاربته وحصر مباحثه، ورصد ملامحه.
واقتضى النظر في الباب الأول، التركيز على جوانب من السياق، جمعت في أصلين، وعولجت في فصلين، الأصل الأول:
-الخِصّيصى الدلالية الكامنة في مفهوم السياق، وانصرف النظر فيها إلى تدقيق النظر في تعريفه وخصائصه ومكوناته.
-ثم الفصل الثاني في الخصّيصى التداولية؛ حيث كان النظر فيها في أنماط الحضور السياقي في التراث، وذكر مجمل وظائفه، ثم النظر في خصوص التداول اللساني للسياق.
وقد استعرض البحث على امتداد فصْلَيِ الباب النظري، السياقَ من مداخل متعددة، كان القصد منها مقاربة السياق مقاربة متنوعة غنية، تغوص في دلالاته ومعانيه، وتتبع امتداداته وتجلياته، وتقف عند مميزاته وضوابطه، وترصد تداوله واستعماله، وقد أسفرت هذه المقاربة، عن الكشف عن مناح جديدة، من القول في السياق.
وكان نتاج هذا الباب النظري خلاصة تركيبية جامعة، اقترحت فيها دوائر أربعة لعمل السياق، شكلت الإطار النظري للباب التطبيقي، وقد حاولت في الباب التطبيقي استثمار هذه الخلاصة التركيبية والإفادة منها في توظيف منهج سياقي متكامل.
جديد البحث:
لما كان موضوع البحث، مما توارد الباحثون على التأليف فيه، فقد كان رجائي أن يكون وِردِي عليه وِرْدَ ذي بصر، وأن يكون ما أسطره فيه من مباحث، فيه زيادات وإضافات تغني الموضوعات الواردة، وقد اجتهدت فيه في مواضع من الرأي، عسى أن أكون قد وفقت فيها.
ثم إن ما وصل إليه البحث في النهاية من نتائج واقتراحات، هو وقوف عند عتبة بحث جديد، من شأنه أن يفتح الباب أمام إشكالات جديدة متعلقة بها، وأسئلة واردة عليها، وهذا يقتضي النظر من جديد في الجوابات التي ينبغي أن تقال فيها، ثم هو بعد ذلك لا يوصل منه إلى غاية، ولا يُوقَف منه على حد ينتهى إليه.
ويمكن رصد جديد البحث في المستويات التالية:
1- المستوى العام:
-اقترح البحث منهجا سياقيا شاملا مندمجا، وهذا المنهج يتم تطبيقه عبر خطوات متتابعة، ووفق مستويات وطبقات يتدرج النص في الخضوع لإجراءاتها، والدخول تحت عملياتها، ويتعلق الأمر بالمستويات التالية:
- المستوى التواصلي
- المستوى البنائي
- المستوى الدلالي
- المستوى الجمالي
- ترتبط هذه المستويات فيما بينها، مشكلة بنية متكاملة، تنتظم في كليتها حول غرض واحد وهو خدمة المعنى، وبعبارة أخرى؛ إن هذه المستويات تترابط فيما بينها بصورة محكمة، بحيث يقومُ المستوى الدلالي بدور العنصر الناظم ونقطة الارتكاز، ويتم في كل مستوى من هذه المستويات، استدعاء مجموعة من الآليات، التي تيسر انتقال النظر السياقي، من مستوى التصور، إلى مستوى التطبيق، ففي المستوى الأول الذي سميته بالتعبيد وهو المستوى التواصلي، تُستحضر أسباب النزول وأنماط المخاطبين، والمكي والمدني، وطرائق النظم وفي الثاني المنعوت بالتشييد وهو المستوى البنائي تشتغل فيه آليات من قبيل أسباب النزول وتمييز المكي والمدني وتعيين السابق واللاحق ونحوها وفي المستوى الثالث وهو المستوى الدلالي، تندرح فيه عمليات التحديد والتجديد والتمديد والتقييد والتشييد، في تكامل وانسجام، متتبعة أنماط المعاني وتجلياتها في النص، وفي المستوى الرابع، وهو الذي وسمته بالتجويد وهو المستوى الجمالي تشتغل عناصر البديع اللفظي والمعنوي والمناسبات، في تشكيل صورة جمالية بديعة للنص، تخرجه إخراجا يسر السامعين.
2-مستوى التعريفات:
تم اقتراح مجموعة من التعاريف، كتعريف النص والخطاب والانتصاص والسياق والقرينة وغير ذلك.
3-مستوى المصطلحات:
- استعان البحث بوضع بعض المصطلحات الجديدة، وتوظيفها من أجل بناء المنهج السياقي، وهذه المصطلحات تمثل آليات إجرائية، تنقل منهج السياق، من مستوى التنظير إلى مستوى التطبيق، وقد أفرد لها البحث فهرسا خاصا بها. ومن هذه المصطلحات:
أ- علاقات التناسب السياقي داخل النص، تم اقتراح العلاقات التالية: التعليل –التذييل –التكميل –التمثيل-التفصيل –التدليل.
ب_الوظائف الدلالية الفرعية للسياق وهي: التحديد-التجديد-التمديد-التقييد.
ج-مستويات الحضور السياقي. تم اقتراح مستويين:
مستوى التأسيس، ووظيفة السياق فيه التوليد.
مستوى التأنيس ووظيفة السياق فيه التأكيد.
د-وفي مستوى الدلالة العامة للنص، تم اقتراح التشييد الدلالي، الذي يتفرع إلى قاعدتين:
التجميع السياقي – التعميم السياقي.
هـ-وعلى المستوى العام تم اقتراح أربع دوائر: وهي على الولاء دائرة التعبيد أو التمهيد، ودائرة التشييد وتتفرع إلى قاعدتين: التمكين والتعيين. ودائرة التشييد الدلالي، ثم دائرة التجويد.
كما تم اقتراح مصطلح الانتصاص وهو ما يقتضيه النص من المقومات الدلالية والتركيبية والتداولية التي تجعل منه نصا.
في مصطلحات أخر، تم الاستعانة بها في البحث، وأفرد لها فهرسها الخاص.
4-مستوى المراجع :
أما الجديد على مستوى المراجع، فهو الرجوع إلى الكتاب الجديد الذي ألفه العالم الهولندي فان دايك (Van Dijk) وقد كنت راسلته مستفسرا عن بعض ما عرض لي من القضايا، فأجابني مشكورا، وأرسل لي كتابه الخطاب والسياق Discours and Con****
5-التوصيات:
- أبان البحث من خلال تجميع أطراف المنهج السياقي من كتب التراث، وتأليفها تأليفا يراعي متطلبات النظم والتنسيق، عن أن هذا المنهج كان حاضرا في التراث حضورا مركزيا، بيد أنه لم يتسن التعامل معه بصفته منهجا موحدا، لأسباب ترتبط بشروط الاشتغال المعرفي في التراث، والأطر النظرية والتاريخية التي صاحبته، ولكنه مع ذلك يظل كامنا بالقوة يترقب من يسلط الضوء عليه، ويعمل آليات الكشف المعاصرة، لاستجلاء معالمه وحدوده.
- أكد البحث على أن الدراسات النصية الحديثة، يمكن الافادة منها في إعادة قراءة التراث، قراءة ثانية، تسهم في تجميع أفكاره وصياغتها صياغة مستجيبة لتطلعات اللغويين واهتماماتهم النظرية المعاصرة.
- يدعو البحث إلى إدراج السياق بصورته التي يقترحها في مدونات علوم القرآن، ليتخذ مكانه ضمن الجهاز المفاهيمي المؤطر لعملية التفسير. ويقترح البحث ضم المفردات السياقية المتشعبة في التراث، تحت مفهوم واحد موحد، هو السياق بمعناه الواسع والممتد.
- تطبيق بعض مقترحات الدرس النصي على علوم القرآن، من شأنه أن يدفع بهذه العلوم التي هي ذات منحى نصي في الأساس، إلى سبيل أرحب في تعاملها مع النص القرآني، وهو ما سعيت إلى استهلال القول فيه في طالعة البحث.
-يرجو البحث أن تتواصل الدراسات والبحوث حول السياق، تحت إطار البحث النصي، وأن تتضافر الحركة البحثية، لتتوج بتطوير منهجية سياقية محكمة.
- سعت هذه الدراسة إلى النظر في البنية الكلية الكامنة والخفية للسياق، وذلك لتجلي أطرها، وتبرز فرضياتها المضمرة، وتكشف عن أوجه الصلة بين هذه الفرضيات، وبين مناحي التشغيل التي نجدها مبثوثة في كتب النظار المسلمين.
- يؤكد هذا المنهج المقترح؛ أن السياق أداة ذات بنية متعددة، وقد اقتضى هذا التعدد فيها، ملاءمتها لطبيعة النص الذي هو متعدد في أصله وبنيته، فكانت الأداة مناسبة للموضوع، موافقة له، وهذا ما يعكس وجه القوة في السياق، ومدى قدرته التشخيصية، على سبر أغوار النص، والتهدي في مسالكه وطبقاته.
- وحَسبُ هذا البحث في الأخير، أن يكونَ قد وفق في عرض هذه المادة، وأن يكون ما انتهى إليه من نتائج وآراء، على قدر من الصحة والاعتبار، بحيث يغري الباحثين بمواصلة السعي في آفاق هذه الدراسة، تطعيما وتقويما، وتسديدا وتجديدا.
وفي الختام أرجو أن ينال هذا العمل الذي قمت به، حظه من النقاش والنقد والملاحظة، وأن أكون قد أحسنت بعض إحسان في صياغته وتقريبه، وأن يكون هذا البحث قد أثار إشكالات جديدة، تفتح المجال أمام الباحثين لاستكمال المسيرة.
ثم إني اجتهدت في هذا البحث على حسب ما أداني إليه النظر والاجتهاد، وأنا فيما قلت وكتبت، متردد بين خطأ وتقصير، هو مني وإلي، وبين صواب وتسديد، هو من الله المتفضل المنعم علي، هو الموفق والهادي، لا إله إلا هو.
وأسأل الله العلي القدير، أن يتقبل مني هذا العمل، وأن يجعل ما أنجزته خالصا لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عما وقع فيه من هفوة وزلة، إنه سميع مجيب.