بسم الله، وعلى بركة الله:
#لطائف_سورة_الحج.
تأملات في سورة الحج، ونسأل الله الهدى والسداد.
1438 هـ.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
1)سورة الحج وسورة النساء:
بدأت السورتان بالنداء للناس فيهما بتقوى الرب عز وجل: "يا أيها الناس اتقوا ربكم"، وكذلك النداء للناس في ختام السورتين
2)النداء في ختام النساء: "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم.."، والنداء في ختام الحج: "يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له.."؛ فعلام يدل ذلك؟
3)الأسماء والصفات في نهاية مطاف سورة النساء والحج:
نهاية النساء بقوله تعالى: "والله بكل شيء عليم"، والحج: "هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير".
4)سُكَارَى وسَكْرَى:
هذه المفردة هي رابط فريد بين سورة النساء وسورة الحج؛ حيث ورد قوله تعالى: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" في سورة النساء.
5)سُكارى على فُعالَى، وسَكرى على فَعْلَى.
والضم في فعالى أقوى من الفتح في فعلى، وألف الإشباع في فعالى تضفى نوعا من التكثير والمبالغة في الوصف.
6)لاحظ أن سكارى أنسب لوصف حالة تثاقل في الرأس وترنح في الحركة، وسكرى أنسب لوصف حالة خفة في العقل وطيش في الأفعال جراء السكر، والأوصاف متلازمة.
7)يأتي الجمع على صيغ فُعالَى وفَعْلى من أحوال وأوصاف على صيغ فَعيل وفَعْلان، مثل أسارى وأسرى من أسير على فعيل، وسكارى وسكرى من سكران على فعلان
8)"وترى الناس سكارى وما هم بسكارى": نفي وإثبات.
وترى الناس سكارى: إثبات، وما هم بسكارى: نفي.
أثبت للناس هيئة السكران، ونفى عنهم حقيقة السكر.
9)تاء الخطاب في الفعل ترى من قوله: "وترى الناس سكارى" لمن؟
للنبي، ولآحاد الناس، يرون أنفسهم كالسكارى، وما هم بسكارى، وللآمنين يوم الفزع الأكبر
10)زلزلة الساعة، وأمر الساعة:
في الحج وصف زلزلة الساعة بالشيء العظيم، وفي النحل وصف أمر الساعة بأنه أقرب من لمح البصر.
وتنكير شيء لغرض التهويل.
11)في الحج: "إن زلزلة الساعة شيء عظيم" يصف حدث الزلزلة نفسه، وفي النحل: "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" يصف زمن الأمر لوقوع الزلزلة.
12)مرضعة وحامل:
صنفان من النساء ضمن مشهد هول زلزلة الساعة، فما النكتة في اختيارهما؟
الجواب: شدة التعلق بين التابع والمتبوع أظهر فيهما من غيرهما
13)"تذهل كل مرضعة عما أرضعت":
جاء بصيغة المضارع تذهل حال فعل الإرضاع، وجاء بالفعل الماضي بعد مفارقة الرضاعة فقال: أرضعت، وتذهل وحيدة في القرآن.
14)"وتضع كل ذات حمل حملها":
إسقاط الحامل لحملها من غير علة أو عارض هو بسبب شدة الفزع والهلع، وفيه إشارة إلى أن الإجهاض يحتاج إلى جهد بقدر ذلك.
15)لاحظ أنه لم يستثن في المرضعة ولم يستثن في الحامل، فقال: "كل مرضعة"، وقال: "كل ذات حمل"، وفي هذا تأكيد على فظاعة الأمر، وأنه لا يسلم منه أحد.
16)تقديم المرضعة على الحامل؛ لأن ذهول المرضعة عن رضيعها أظهر للعيان، وأبلغ في التأثير؛ للمفارقة بين ذوات أرواح، خلافا لمن أسقطت حملها لغير تمام
17)﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾:
رقة ولطافة تصور الحركة الصغيرة، وتصف الهيئة بتراكيب أعضائها، ثني العنق مع الكتف، ولمحة جانبية لذلك المجادل عن جهل مطبق
18)﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه﴾.
الفرق بين: "انقلب على وجهه"، وبين: "ينقلب على عقبيه"
أ)قلب جذر حركيّ بالأساس.
الانقلاب على الوجه انكفاء للأمام، والانقلاب على العقب تقهقر للخلف.
استعمل الفعل الماضي مع الوجه، والمضارع مع العقب.
ب) استعمل الماضي مع الانقلاب على الوجه، فقد حسم الأمر، ولا رجعة فيه.
استعمل المضارع مع الانقلاب على العقب، فقد يمكن تدارك الأمر وعدم السقوط.
ت) رتب على الانقلاب على الوجه خسران الدنيا والآخرة، ورتب على الانقلاب على العقب أنه لن يضر الله شيئا، وهذا تأكيد على خطورة الانقلاب على الوجه
ث)"ينقلب على عقبيه" ظاهر في الردة، والردة ينفع معها توبة صادقة، ويكون معها رجوع للحق، أما من "انقلب على وجهه"، ففيه مضي وثبات على طريق الكفر
19)يعبد الله على حرف:
حرف: حافة
هذا حال من يدخل في الدين ويريد أن (يجرب) المعاملة مع الله أولا، فإن رأى خيرا قبل بالأمر، وإن رأى سوءًا لم يقبل.
20)﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾:
السبب: حبل موصول.
من قواعد الترجيح: تناسق الألفاظ.
ألفاظ يمدد ويقطع تناسب الحبل
21)﴿والمسجدِ الحرامِ الذي جعلناهُ للناس سَوَاءً العاكفُ فيه والبادِ﴾:
سواء: ظاهر أنه ليس أحد أحق بالمسجد الحرام من أحد، ولا يختص به أحد دون أحد
22)في كل القرآن: "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله"،
وفي الحج وحدها: "الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله".
ويصدون: يفيد أن الصّدّ ديدن لهم بعد كفرهم
23)من الثنائيات في سورة الحج:
المرضعة والحامل،
العاكف والباد،
الراجل والضامر،
القانع والمعتر،
البئر المعطلة والقصر المشيد،
الطالب والمطلوب.
24)﴿ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾:
لم قدم العاكف على الباد؟،
وما الوجه في رسم البادي محذوفة الياء: البادِ؟
وما الوجه في تعدية العاكف بالظرفية؟
25)قراءة العاكف بالرفع ونصب سواء هو على القطع، والمعنى: العاكف فيه والباد فيه، أي فيه العاكف وفيه الباد، والوقف على سواء تام: جعلناه للناس سواء
26)العاكف: اسم الفاعل من عكف، والباد: اسم الفاعل من بدا، وهما متعلقان بالحرم، العاكف فيه هو المقيم بحاضرة الحرم، والباد هو المقيم ببادية الحرم.
27)قدم العاكف فيه على الباد؛ لأنه أقرب إلى الكعبة وألصق بالبيت منه، واستعمل الظرفية مع العاكف لأن العكوف للإقامة والسكنى، كما هو للعبادة والنسك
28)﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾:
يأتوك رجالا وذلك مناسبة لحال العاكف فيه، وعلى كل ضامر مناسبة لحال البادي
29)الفرق بين: وأذن للناس بالحج، وأذن في الناس بالحج:
وأذن للناس: على جهة الإعلام بالوقت، وأذن في الناس: على جهة التبليغ بالفرض.
في الناس: كافة.
30)(يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين):
قال: "يأتوك"، بإسناد الفعل إلى كاف الخطاب، وقال: "يأتين"، فلم يسند الفعل إلى كاف الخطاب، ولم يقل: يأتينك.
31)دعا إبراهيم عليه السلام الطير إليه، وجاء نفس الفعل يأتين مسندا إلى كاف الخطاب: "ثم ادعهن يأتينك سعيا"، فلم عدل مع الحاج على الضامر ولم يسند؟
32)في فريضة الصلاة قال: "فرجالا أو ركبانا"، أتى بالركبان في مقابل الرجال، وفي فريضة الحج قال: "رجالا وعلى كل ضامر"، ذكر على كل ضامر بدل الركبان
33)في صلاة الخوف لا يتسع المقام للبسط؛ مراعاة لحال الخائف، ذكر الركبان في بيان جواز الصلاة على الراحلة، وقي الحج بيان صفة تلك الراحلة أنها ضامر
34)أذّن على زنة فعّل، مضعف العين، يدل على تكرار فعل التأذين في الناس ، ويأتوك مشعر بأن الأذان كان من البيت العتيق، فناسب نسبة الإتيان لإبراهيم.
35)"ضامر": أثنى على الضامر من الإبل الرواحل؛ لأنها أخف في الحركة وأنشط.
"والبُدن": أثنى على البدن من إبل الهدي والأضاحي؛ لأنها أكثر لحما وشحما.
36)لماذا تقدم الفعل يأتي في حالة الراجل فقال: "يأتوك رجالا"، وتأخر في حالة الراكب فقال: "وعلى كل ضامر يأتين"، ولم يقل: ويأتين على كل ضامر مثلا؟
37)"وعلى كل ضامر".
ضامر: وصف الراحلة بخفة الحركة.
ويستفاد من ذلك أن على الحاج أن يتخفف من متاعه وأن يكون خفيف المحمل؛ طلبا لسهولة أداء المناسك.
38)وتأخير الفعل يأتين مع الضامر لئلا يوهم التقديم: ويأتين على كل ضامر، أن الإتيان خاص بالنساء، وألا تحج المرأة إلا راكبة، فكان التأخير لنفي ذلك
39)عبّر بالاستجابة لتلبية النداء بالحج بلفظ الإتيان: يأتوك ويأتين، وذلك لما في الفعل أتي من السرعة، وقوة الحضور والمجيىء، وتحقق الامتثال للأمر.
40)"يأتوك رجالا": لمن سمع الأذان من قريب،
"وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق": لمن سمع الأذان من بعيد.
سماع الأذان تكون له الاستجابة حسية وقلبية
41)"وعلى كل ضامر يأتين":
دليل على جواز الإرداف على الراحلة في الحج.
لاحظ أنه قال: وعلى كل ضامر يأتين بالجمع، ولم يقل: وعلى كل ضامر يأتي بالمفرد
42)بيان أكلة لحوم الهدي والأضاحي:
قوله: "فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير".
وقوله: "فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر".
فكلوا منها: بدأ بصاحبها
43)البائس الفقير: وصف جامع، فصّله بالقانع والمعتر.
البائس: من ظهر عليه البؤس في هيئته,
القانع: من ترفع عن السؤال، والمعتر: من تلحقه معرة السؤال
44)أقسام الهدي والأضحية:
"فكلوا منها": قسم الأكل.
"وأطعموا": قسم الصدقة.
والقسم الثالث، وهو الادخار، ورد في صحيح السنة:
"كلوا وأطعموا وادخروا".
45)﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
لم يجعل علينا في الدين من حرج؛ فهل يجعل علينا في الدنيا من حرج.
الإسلام سعة الدين والدنيا
46)مسك الختام:
قوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ فيه البشارة بأن هذه الأمة مصنوعة على عين الله سبحانه وتعالى؛ فضلا من الله ونعمة.