ب. أعلام الطبقة الثانية:
الكسائي: هو أبو الحسن علي بن حمزة: مولى بني أسد، فارسي الأصل، سئل عن تلقيبه بالكسائي فقال: (لأني أحرمت في كساء)، وقيل في السبب: لأنه كان يلبس كساء أسود ثمينًا، وُلد بالكوفة في سنة تسع عشرة ومائة للهجرة، ونشأ بها، وأكبَّ منذ نشأته على حلقات القرَّاء، وتعلَّم النحو على كبر؛ ذلك لأنه حادث قومًا من الهباريين لحنوه فأنف من التخطئة، وقام مِن فوره وطفق يتعلم النحو، فأخذ عن معاذ الهراء ما عنده، ثم توجه تلقاء البصرة، فتلقى عن عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب المناظرات، له مصنفات كثيرة، منها في النحو مختصر، ولما ذاعت شهرته طلبه المهدي ليتخذه مؤدبًا لابنه هارون الرشيد، حتى إذا ولي الخلافة بعد أبيه اتخذه مؤدبًا لابنيه الأمين والمأمون، خرج مع هارون الرشيد ومعه صاحبه محمد بن الحسن الشيباني في رحلته إلى فارس حتى كانوا في رنبويه (بلد قرب الرَّي)، وأحس الكسائي بقرب المنية ثم مات هو ومحمد، فقال الرشيد: اليوم دفنت الفقه والنحو برنبويه، وذلك سنة 189هـ[25].
ت. رُوَّاد الطبقة الثالثة:
• الأحمر: هو أبو الحسن علي بن الحسن المعروف بالأحمر، كان جنديًّا مِن رجال النوبة على باب الرشيد، ثم سَمَتْ نفسُه إلى العلم، فكان يترصد في الطريق الكسائي عند حضوره للرشيد ويسير في ركابه وبحاشيته جيئة وذهابًا، يستفيد منه المسألة بعد الأخرى، حتى عُدَّ في أصحاب الكسائي، وناظر سيبويه عند مقدمه بغداد كما سلف، فلما أصيب الكسائي بالبرص، وكره الرشيد ملازمته أولاده، فأشار عليه باختيار نائب عنه، فاستخلف الأحمر إبقاء على مجده واطمئنانًا منه على خضوع الأحمر له، وعاهد الأحمر على أن يلقنه يومًا فيومًا ما يُؤدِّب به أولاد الخليفة، وكان الأحمر يقظًا فطنًا، فأجاد التعلم والتعليم حتى قُدم على سائر أصحاب الكسائي، وتبوأ مكانته، ونعم بسعة العيش، وقد أملى شواهد نحوية واجتمع عليه الناس، وصنف كتاب التصريف، ومات بطريق الحج سنة 194هـ[26].
• الفراء: هو أبو زكريا يحيى بن زياد، مولى بني أسد، لقب بالفراء (لأنه كان يفري الكلام)، ولد بالكوفة من أصل فارسي، وتلقى عن (الكسائي) وغيره، وتبحَّر في علوم متنوعة، فكان فذًّا في معرفة أيام العرب وأخبارها وأشعارها، والطب والفلسفة والنجوم، وتقصى أطراف علم النحو حتى قيل فيه: (الفراء أمير المؤمنين في النحو، وهو الذي قال: أموت وفي نفسي شيء من حتى؛ لأنها ترفع وتنصب وتخفض).
وأحاطه الخليفة برعايته، ورغب إليه أن يؤدب ابنيه، كما اقترح عليه أن يؤلف كتابًا يجمع أصول النحو، وهيأ له دارًا خاصة فيها وسائل النعيم متكاملة، فأخرج له كتاب (الحدود) بعد سنتين، وما زال الفراء وجيهًا عند المأمون، مغبوط المنزلة بين الأمة، يؤلف ويفيض علمه حتى توفي سنة 207هـ[27].
• اللحياني: هو أبو الحسن علي بن المبارك من بني لحيان، أخذ عن الكسائي وأبي عمر والشيباني من الكوفيين، وعن أبي زيد والأصمعي من البصريين، وله كتاب النوادر، توفي سنة 220هـ، وكان من مقدمي أهل الكوفة، وقيل عنه: إنه كان من أحفظ الناس للنوادر عن الكسائي والفراء، وله كتاب (معاني القرآن)؛ حيث تجد المسائل النحوية منثورة في هذا الكتاب، وهو يعرض لشرح آية مثلًا، ولقد نعتَهُ ابن النديم بغلام الكسائي[28].
ث. أعلام الطبقة الرابعة:
• ابن قادم: هو أبو جعفر محمد بن عبد الله بن قادم، أخذ عن الفراء، وحذق النحو وتعليله، واتصل بالعباسيين فأدَّب المعتز قبل الخلافة، وله مؤلفاتٌ منها في النحو: الكافي، والمختصر، توفي ببغداد سنة 251هـ[29].
• ابن سعدان: هو أبو جعفر الضرير محمد بن سعدان، نشأ بالكوفة، وأخذ عن (أبي معاوية الضرير) وغيره، ثم اشتهر بالعربية والقراءات، صنف كتابًا في النحو وتوفي سنة 231هـ[30].
ج. أعلام الطبقة الخامسة:
• ثعلب: هو أبو العباس أحمد بن يحيى، المعروف بثعلب، مولى بنى شيبان، ولد ببغداد في عصرها الذهبي سنة مئتان للهجرة، ألحقه أبوه منذ نعومة أظفاره بكتَّاب تعلَّم فيه الكتابة وحفظ القرآن الكريم وشَدَا بعض الأشعار، وتلقى عن ابن الأعرابي وابن قادم وسلمة بن عاصم وغيرهم، غير أنه كان للنحو من بين علوم اللغة العربية النصيب الأوفى مِن عنايته، واعتماده فيه كان على سلمة بن عاصم.
وهبه الله حافظة واعية، مكَّنته أن يستظهر ما يقرؤه، فحفظ كتب الكسائي والفراء، واستطاع أن يقرأ بنفسه كتاب سيبويه، فتزعم رياسة النحو للكوفيين، إلا أنه كان لا يحبذ القياس، اتصل بالخلفاء والأمراء كأسلافه الكوفيين، فأدَّب ابن المعتز وابن طاهر، وجمعتْ بغداد بينه وبين أبي العباس المبرد زعيم البصريين الذي نافسه شرف الرياسة العلمية والزلفى عند الخلفاء والأمراء، فكانتْ بينهما مناظرات، وكان المبرد يتطلَّب لقيا ثعلب كثيرًا فيراوغه ويتلكَّأ عن إجابته، ولثعلب مُجالَسةٌ مع الرياشي أيضًا، له مصنفات شتى منها في النحو: اختلاف النحويين وكتاب (المجالس)، وكانت وفاته ببغداد من صدمة دابة له في الطريق، لم يسمع وقع حوافرها وراءه لصممه، سنة 291هـ عن ثروة كبيرة[31].
وقد وقف الكوفيون من هذا البناء العلمي المحكم موقفًا يدل على نقص فهمهم لما ينبغي للقواعد العلمية مِن سلامة واطراد؛ إذ اعتدوا بأقوال وأشعار المتحضرين من العرب، كما اعتدوا بالأشعار والأقوال الشاذة التي سمعوها على ألسنة الفصحاء مما خرج على قواعد البصريين وأقيستهم ومما نعتوه بالخطأ والغلط[32].
4- خلافهم مع المدرسة البصرية:
جاء في كتاب شوقي ضيف: لعل أهم ما يميز المدرسة الكوفية من المدرسة البصرية اتساعها في رواية الأشعار وعبارات اللغة عن جميع العرب بدويهم وحضريهم، وقد كان أئمة الكوفة يرحلون إلى قبائل البدو الفصيحة، وكانوا يأخذون عمن سكن من العرب في حواضر العراق.
وقد حَمَل البصريون على الكوفيين حملات شعواء حين وجدوهم يتسعون في الرواية، وخصوا الكسائي بكثير من هذه الحملات قائلين: (إنه كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن وشعر غير أهل الفصاحة والضرورات، فيجعل ذلك أصلًا ويقيس عليه حتى أفسد النحو)! وكان ذلك بدءًا لخلاف واسع بين المدرستين؛ فالبصرة تَتَشَدَّد في فصاحة العربي الذي تأخذ عنه اللغة والشعر، والكوفة تتساهل، وامتد هذا الاتساع في القياس وضبط القواعد الفقهية، ذلك أن البصريين اشترطوا في الشواهد المستمد منها القياس أن تكون جارية على ألسنة العرب الفصحاء، وأن تكون كثيرة بحيث تُمَثِّل اللهجة الفصحى، وبحيث يمكن أن تُستنتج منها القاعدة المطردة[33].
نماذج من مصطلحات المدرسة الكوفية:
• عبارة: الخلاف، وهو عامل معنوي كانوا يجعلونه علة النصب في الظرف إذا وقع خبرًا، بينما كان البصريون يجعلون الظرف متعلقًا بمحذوف خبر للمبتدأ السابق له.
• ومن ذلك اصطلاح الصرف، جعله الفراء علة لنصب المفعول معه، وذهب جمهور البصريين على أنه منصوب بالفعل الذي قبله بتوسط الواو.
• اصطلاح التقريب، وقد اختصوا به اسم الإشارة (هذا) في مثل: (هذا زيد قائمًا)، وجعلوه من أخوات كان؛ أي: إنه يليه اسم وخبر منصوب، بينما يعرب البصريون "قائمًا" حال، ويجعلون ما قبلها مبتدأ وخبرًا.
• ومن ذلك اصطلاح المكنى والكناية، ويقصدون به الضمير، وكانوا يصطلحون على تسمية ضمير الشأن باسم المجهول في مثل (إنه اليوم حار) وتسمية ضمير الفصل باسم "العماد" في مثل محمد هو الشاعر.
• وكانوا لا يطلقون كلمة المفعول إلا على المفعول به، أما بقية المفاعيل فكانوا يسمونها أشباه مفاعيل، وسموا الظرف (الصفة والمحل)، والبدل (الترجمة)، والتمييز (التفسير)، وسموا لا النافية للجنس في مثل: (لا رجل في الدار) باسم (لا التبرئة).
• سموا حروف النفي باسم حروف الجحد أي الإنكار، وسموا المصروف والممنوع من الصرف باسم (ما يجري وما لا يجري).
• سموا لام الابتداء في (لمحمد شاعر) لام القسم، زاعمين أن الجملة جواب لقسم مقدر[34].
وهذه النماذج التي ذكرتها هي بعض الاختلافات عند هاتين المدرستين.
الخاتمة:
وهكذا تبين لدينا أثر هذه المدرسة العظيمة في خدمة لغة القرآن العظيم، والسنة المعطَّرة، والحفاظ على لغة الأجداد من التحريف والزوال بالقواعد والمصطلحات، بغض النظر عن بعض الخلافات مع باقي المذاهب والمدارس النحوية، وقد بينت نشأة هذه المدرسة، وأبرز أعلامها وأهم أعمالها، وبعض نقاط الخلاف بينها وبين المدرسة البصرية.
أسأل المولى عز وجل أن يرشدنا لما يحب ويرضى
إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين
المصادر والمراجع:
1- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم - شيخ الإسلام ابن تيمية - دار عالم الكتب - بيروت - ط7.
2- التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية - محمد محي الدين عبد الحميد - دار الفجر دمشق.
3- جامع الدروس العربية - مصطفى الغلاييني - المكتبة العصرية - صيدا بيروت ط39.
4- السنن الكبرى للبيهقي - ط1.
5- سير أعلام الأدباء - شمس الدين الذهبي - مؤسسة الرسالة - ط3.
6- شرح الآجرومية - حسن حفظي.
7- الفهرست لابن للنديم - أبو فرج بن أبي يعقوب المعروف بالوراق، تحقيق رضا.
8- قواعد اللغة العربية - حفني ناصف ومحمد دياب ومصطفى طموم ومحمود عمر وسلطان محمد- مطبعة الشام - ط1.
9- المدارس النحوية - شوقي ضيف - دار المعارف - القاهرة - ط7.
10- المدارس النحوية (مدرسة البصرة) - أحمد الفقيه - مقالة.
11- المدارس النحوية أسطورة وواقع - د. إبراهيم السامرائي - دار الفكر عمان - ط1.
12- معجم الأدباء - ياقوت الحموي الرومي - دار الغرب الإسلامي - تحقيق إحسان عباس ط1 بيروت.
13- الموسوعة العربية العالمية- اعتمد في بعض أجزائه على النسخة الدولية من دائرة المعارف العالمية World Book International. المصدر: موقع مكتبة صيد الفوائد.
14- النحو إلى أصول النحو - عبد الله بن سليمان العتيق.
[1] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ج1/ص519.
[2] انظر: النحو إلى أصول النحو، عبد الله بن سليمان العتيق.
[3] انظر: المرجع السابق.
[4] انظر: جامع الدروس العربية - مصطفى الغلايني 1 /9.
[5] انظر: قواعد اللغة العربية - حفني ناصف ومحمد دياب و مصطفى طموم ومحمود عمر وسلطان محمد - ص11.
[6] انظر: التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية - محمد محي الدين عبد الحميد - ص14.
[7] انظر: السنن الكبرى للبيهقي 2/ 18 - حديث 2366.
[8] انظر: شرح الآجرومية - حسن حفظي 1/ 2.
[9] انظر: المرجع السابق.
[10] انظر: المرجع السابق.
[11] انظر: تاريخ النحو - علي النجدي ناصف - ص 6، 7.
[12] انظر: المدارس النحوية (مدرسة البصرة) - مقالة لأحمد الفقيه.
[13] انظر: المرجع السابق.
[14] انظر: المرجع السابق.
[15] انظر: المرجع السابق.
[16] انظر: الموسوعة العربية العالمية - اعتمد في بعض أجزائه على النسخة الدولية من دائرة المعارف العالمية.
3 انظر: المدارس النحوية أسطورة وواقع - د. إبراهيم السامرائي - ص31
[18] انظر: المدارس النحوية - شوقي ضيف - ص 153.
[19] انظر: نفس المصدر السابق - ص 154.
[20] انظر: المدارس النحوية أسطورة وواقع - د. إبراهيم السامرائي - ص32.
[21] انظر: المرجع السابق.
[22] انظر: نفس المصدر السابق - ص 34.
[23] انظر: معجم الأدباء - ياقوت الحموي الرومي - ج6/ص 2486.
[24] انظر: سير أعلام الأدباء - شمس الدين الذهبي - ج8 / ص 483.
[25] انظر: معجم الأدباء - ج 4/ ص 1737.
3 انظر: معجم الأدباء - ج4/ ص 1670.
[27] انظر: سير أعلام النبلاء - ج 10 / ص121.
[28] انظر: الفهرست لابن للنديم - أبو فرج بن أبي يعقوب المعروف بالوراق - ج 1/ ص 54.
[29] انظر: معجم الأدباء - ج 6 - ص 2544.
[30] انظر: معجم الأدباء - ج 6 - ص 2537.
[31] انظر: معجم الأدباء - ج 2 - ص 536 - و الفهرست - ص 80.
[32] انظر: المدارس النحوية - شوقي ضيف - ص161.
[33] انظر: المرجع السابق.
[34] انظر: المدارس النحوية - شوقي ضيف - ص165 /166.