وهذا " ابن هشام القرطبي " [25]، وقد ولى شبابه، ولم يبق من طيبه شيء إلا الخمر، التي لا يزال مقيما عليها وفاء لها، لا لهوا ولا طربا ولا حمقا - يتحسر على شبابه، ويجزع لفراقه، مُعَرِّضا بغدر الزمان، وتقلب الإخوان قبل قضاء مآربه، ونيل رغائبه،
فيقول: [26] [من الكامل]
وأبي المُدامةُ ما أُرِيدُ بِشُرْبِها
صَلَفَ الرقيع ولا انهماكَ اللاهي [27]
لَمْ يَبْقَ مِنْ عَهْدِ الشَّباب وطِيبهِ
شَيءٌ كَعَهْدي لم يَحُلْ إِلاّ هي
إِنْ كُنْتُ أَشْرَبُها لِغير وَفَائِها
فَتَركْتُها لِلنّاس لا للهِ
وهذا " حبيب بن أحمد الأندلسي " [28]، يتحسر على شبابه، وأطايب أيامه اللائي مضين سراعا، ولم يشعر بهن ولم يدر، مبينا مدى ترويع المشيب للشباب، فيقول: [29] [من الطويل]
ثَلاثُونَ مِنْ عُمْرِي مَضَيْنَ فَمَا الذي
أُؤَمِّلُ مِنْ بَعْد الثَّلاثين مِنْ عُمْري؟
أطَايبُ أيَّامي مًضًيْن حَميدةً
سِراعًا، وَلَمْ أَشْعُرْ بهنّ وَلَمْ أَدْرِ
كَأَنّ شَبَابي والمَشِيبُ يَرُوعُه
دُجَى لَيْلةٍ قَدْ رَاعَها وَضَحُ الفَجْرِ
فيصور الشاعر ذعر الشباب بالمشيب، بظلام الليل المروع ببياض الفجر يقول أحد المحللين النفسيين للأدب والأديب: " إن من يتقدم به العمر يكف عن اللعب، ويستغني ظاهرا عن اللذة، التي استمدها من اللعب الطفيلي، لكن ما من شيء أصعب على الإنسان من الاستغناء عن المتعة التي سبق أن خبرها.. " [30]
وبناء عليه، نرى هذا الشاعر، يصور رضاه بقضاء الله -تعالى- وقدره، ووصف وهنه، فهو محسن الظن بربه، مفوض إليه أمره، فيقول من قطعة قالها في كبره: [31] [من السريع]
الحمدُ لله على ما قَضَى
فَكُلّ ما يقضي ففيه الرضا
قد كنت ذا أيدٍ وذا قُوَّةٍ
فاليومَ لا أَسْطِيعُ أَنْ أَنْهَضا
فَوَّضْتُ أَمْرِي لِلّذي لم يُضِعْ
من أَحْسَن الظَّنَّ وَمَنْ فَوَّضَا
أبيات تبين رضاه عن ربه وقناعته، وعظيم ميراثه الديني، وثقافته، وهي من معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-، في جواب جبريل - عليه السلام - عن الإيمان: " وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. " [32]، أما البيت الأخير فمن معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله. " [33] ولما بات هذا شأنهم، تغير كان ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 8] [34].
كأن الشاعر يرسم طريق الصلاح، الذي اندثرت معالمه، لشيب وشباب المسلمين، للفوز بالراحة والنعيم، في الدنيا والآخرة.
لما رأى الشعراء الأندلسيون العجز يلاحق أعضاءهم، أو حواسهم، إثر حلول المشيب واستهلاكه لجلها، وهو في طريقه إليها كلها، أحسوا بعظم مصابهم في فقد شبابهم، فأقاموا على رثائه وندبه، ولكن بلا جدوى، فالمصيبة قائمة، وما عليهم إلا التكيف معها.
سحابة من الكآبة اعترت، واعترضت كثيرا ممن افتقد شبابه، وكأنه فيروس انتشر بينهم، فقضى على باقي شبابهم، وسلبهم كل ما كانوا يتمتعون به في ظلاله.
وهذا ابن حمد يس - مثل الكثير - يجنح إلى الواقع، في إخراج صور رثائه لشبابه، وندبه لأيامه، حيث كانت ذكريات الشباب ماثلة أمام ناظريه، وفؤاده، فلما كان الاغتراب على يد الدهر والمشيب، نزف جرحه، فتملكه الأسى، ووضح ضره، فأصبح حينئذ بحاجة إلى ماء الشباب، ورؤية الخلان والرفاق، ولكنه لم يقف إلا على سراب، فيقول [35] [من الرمل ]:
كَيْفَ لا أَبْكِي بهذا كُلِّه
وأنا الفَاقِدُ رَيْعانَ الشَّبابِ
صَدَّتْ البيضُ عن البيضِ أَمَا
كانَ مَا بَيْن الشبيهين انْجِذَابُ
أفلا أَبْكي شَبابًا فَقْدُه
قَلَبَ الماءَ لظمآنٍ سراب
فمما دعا الشاعر إلى رثاء شبابه، صدود البيض - الحسان -، لرؤية الشعرات البيض - المشيب - فصار كل شيء سرابا، وفي هذا عظيم الدهشة والتعجب، للنفور من الشبيه، والعدل، والإلف.
ويستمر ابن حمد يس في رحلته الطويلة، مع ندب شبابه، والتحسر على لياليه وأيامه - المزدانة بالسرور، وأكؤس الصفا والأماني، فقد كان الزمان منصفا له في الأمال، ولما رحل الشباب، وعانده المشيب كان الحزن والأسف والعويل، فيقول: [36][من الطويل]
صِفَا لي من وِرْد الشبيبةِ ما صَفَا
وجادَ زَمَاني بالأماني فأَنْصَفا
وشَنّف أذني بالهوى حُسْنُ مَنْطقٍ
بنجواه غازلت الغزال المُشَنَّفَا
ليالي كَانَتْ بالسُّرورِ منيرةً
وكانَ قِناعي حَالِكًا لا مُفَوَّفا
أَمَا وشَبَابٍ بالمشيب اعتبرتُه
فَأشَرْقَتْ عيني بالدُّموعِ تَأسُّفا
صفت له حياض شبيبته، وأنصفه الزمان بالأماني، فأنصفه بالثناء وشنف أذنه بالهوى منطق حسن، أسعفه في الغزل، فيمن فاق الغزال حسنا ودلالا، أما بعد شيب القذال، فقد أصبح كل شيء من المحال وكان النحيب، وكان البكاء.
لقد حظي بكاء الشباب بالنصيب الأوفر من شعر الشعراء الأندلسيين في الشباب والذين منهم الأديب، أبو محمد بن مالك القرطبي [37].
_____________
[1] انظر العقد الفريد 3 / 46، المستطرف للأبشهي صـ 512، 515، وفيه: وما بكت العرب على شيء ما بكت على الشباب.
[2] انظر المستطرف. صـ 516، ومثله في العقد الفريد حـ 3 / 47، يتيمة الدهر. حـ 2 / 87.
[3] الديوان صـ 221، وفي العقد إلف وهذا يكسر الوزن، انظر العقد الفريد 3/48، يتيمة الدهر حـ2/78، وله بيتان يذكر فيهما قدرته على التحكم في لذات الشباب، والاستكثار من ثمار التصابي، فيقول - انظر الديوان صـ 300 العقد حـ 3 / 47 [ من الطويل ]
وَلَوْ شِئْتُ رَاهَنْتُ الصّبابةَ والهوى
وأجْرَيْت في اللذّاتِ من مائتين
وَأَسْبلت من ثوب الشباب وللصِّبا
عَلَىّ رِدَاءٌ مُعْلَمُ الطرفين
وللغزال أبيات يتحسر فيها على أيام شبابه وتصابيه - في ديوانه تحقيق د / الداية صـ 34.
[4] الإسحلة: شجر يستاك به، وقيل شجر يشبه الأثل ويغلظ حتى تتخذ منه الرحال انظر اللسان " س. ح. ل " " روضة أنف" لم ترع. انظر العقد الفريد حـ 3 / 48.
[5] انظر ديوانه صـ 289 العقد الفريد حـ3 /48، وله أبيات في هذا المعنى - أيضا –أولها:[ من الوافر ] شبابي كَيْفَ صِرْتَ إلى نَفَادِ... وبُدّلْتَ البَيَاضَ من السَّوادِ
وما أبقى الحوادث منك إلا ♦♦♦ كما أبقت من القمر الدآدي
" الدأداي" : ثلاث ليالي من آخر الشهر قبل ليالي المحاق. انظر لسان العرب " د. أ. د. أ. " انظر هذه الأبيان في ديوانه صـ 123 العقد الفريد حـ 3 / 48، 49، يتيمة الدهر حـ 2 / 78، 79.
[6] انظر العقد الفريد حـ 3 /47، ويذكر ابن بشكوال " 494 - 578 هـ ) في الصلة ق1 / 56: 58 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008 م - أن هذين البيتين، كثيرا ما كان ينشدهما - متمثلا - في مجالسه، أحمد بن يحيى بن أحمد بن سميق - بن حرب بن اليسر، من أهل قرطبة، عاش ما بين 372 - 451 هـ ..
[7] انظر في هذه القضية - أيضا - الشباب والشيب د / عبد الرحمن هيبة حـ 2 / 746: 749..
[8] انظر الديوان صـ 211، يتيمة الدهر حـ 2 / 96.
[9] الخود: الفتاة الحسنة الخلق الشابة، ما لم تصر نصفا، وقيل الجارية الناعمة، والجمع خودات وخود - بضم الخاء، انظر اللسان " خ. و. د. ".
[10] انظر الديوان صـ 124، وفيه سواد المرء، وأسوده يعود. يتيمة الدهر حـ 2 / 76..
[11] انظر اتجاهات الشعر الأندلسي إلى نهاية القرن الثالث الهجري - بتصرف صـ 147.
[12] انظر الديوان صـ 69 يتيمة الدهر حـ 2 / 85، 86.
[13] سورة المائدة: 32.
[14] جذوة المقتبس صـ 102، 103.
[15] الديوان صـ 249 باختلاف يسير، يتيمة الدهر حـ 2 / 85، وانظر له في مثل هذا المعنى في ديوانه صـ 151، 297 الجذوة صـ 101، 104، والبغية صـ 149: 151.
[16] انظر ديوان ابن هانئ صـ 249، 250.
[17] أصميت الصيد: إذا رميته فقتلته وأنت تراه، وأصمى الرمية: أنفذها. والإصماء: أن تقتل الصيد مكانه. اللسان " ص. م. ا. "، خفضي: هوني الأمر.اللسان"خ.ف.ض. ".
[18] رفل في ثيابه يرفل: إذا أطالها وجرها متبخترا. اللسان " ر. ف. ل ".
[19] ديوان ابن هانئ صـ 256، الصورة الفنية في شعر ابن هانئ صـ 135.
[20] الحُلاحِلُ: السيد في عشيرته الشجاع الركين في مجلسه. اللسان " ح. ل. ل. ".
[21] الهَبِلة: الثَّكِلة.، والهَبَلُ الثُّكْلُ. اللسان " هـ. ب. ل. ".
[22] تلدد: تلفت يمينا وشمالا، وتحير متبلدا. لسان العرب " ل. د. د. " " يزائل "، التزاؤل: الاستحياء. لسان العرب " ز. أ. ل. "
[23] انظر الصورة الفنية في شعر ابن هانئ صـ 274.
[24] سورة الإسراء: 58. ولأبي أيوب البطليوسي، سليمان بن محمد بن بطال، ترجمته في الجذوة برقم 448، البغية برقم 762، النفح حـ 3 / 292، معجم الشعراء الأندلسيين صـ 159، 160 - أبيات في مثل هذا المعنى، في الجذوة صـ 222، والبغية صـ 297.
[25] لعله " هشام بن محمد الناصري، أمير قرطبة وأخو المرتضي. أخذت له البيعة سنة 420 هـ ، وكان مقيما بحصن البونت خوفا، عند مهلك أخيه المرتضي. فقلد الأمر، وهو في سن الشيخوخة. له شعر. كان حيا سنة 420 هـ = 1029 م، انظر معجم الشعراء الأندلسيين صـ 445.
[26] انظر نفح الطيب حـ 3 / 228، ولابن دراج القسطلي تصوير رائع لمصابه، في فقد شبابه، فيقول متسائلا أبياتا منها - ديوانه صـ 271، 272: [ من المتقارب ].
نجومَ الصِّبا، أين تلك النجوُم ؟ ♦♦♦ نسيمَ الصِّبا، أينِ ذاكَ النسيمُ ؟
وله في مثل هذا المعنى، أبيات تستشعر فيها ثناء على دهره وأهله، وعتابا على الشباب، الذي لو حباه بإياب، لقابله بالترحاب–منها– ديوانه صـ431:[من الخفيف].
قد حباني دهري بإدراكِ دهر ٍ
ما به ناجهٌ ولا مَنْجوهُ
لو حباني بذاك عَصْرُ شبابي
لرآني على العبادِ آتيه
[27] الصَّلَفُ: مجاوزةُ القَدْر في الظرف والبراعة، والادعاء فوق ذلك تكبرا. اللسان "ص. ل. ف. "، " الأرقع والرقيع " اسمان للسماء الدنيا " الرقيع الأحمق، الذي يتمزق عليه عقله. اللسان " ر. ق. ع. ".
[28] هو" حبيب بن أحمد الشطجيري، شاعر من أعيان أهل الأدب مشهور من أهل قرطبة، أدرك أيام الحكم المستنصر. بلغ سنا عالية. توفي قريبا من الثلاثين وأربعمائة وهو الذي جمع ديوان شعر يحيى بن حكم الغزال ورتبه على الحروف." انظر الجذوة سنة 198، 199 برقم 392، البغية صـ 273 برقم 674، معجم الشعراء الأندلسيين صـ 89.
[29] انظر قضية الزمن في الشعر العربي... د / فاطمة محجوب صـ 49..
[30] انظر التحليل النفسي والأدب. تأليف جان بيلمان نوبل. ترجمة حسن المودن صـ 39. ط المجلس الأعلى للثقافة سنة 1997..
[31] جذوة المقتبس صـ 199، بغية الملتمس صـ 273.
[32] مسلم بشرح النووي برقم 8، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم لابن رجب الحنبلي ( ت 795 هـ ) صـ 30، 31، تخريج محمد خلف يوسف، دار التوزيع والنشر الإسلامية 1418 هـ = 1998 م.
[33] صحيح مسلم بشرح النووي برقم 2877. ص. ج. برقم 7792.
[34] سورة البينة: 8.
[35] انظر ديوان ابن حمد يس صـ 64، وله في نفس المعنى قوله - ديوانه - صـ 285: [ من البسيط]
سِتُّ وستون عاما كيف تُدْرك بي
من عُمْرها ينتهي منها إلى السدس
للهَ درُّ شباب لَسْتُ ناسِيَهُ
لو أَنَّهُ كان إنسان لقلتُ نسي
وانظر مثل هذه المعاني عند الأعمى التطيلي في ديوانه صـ 111.
[36] ديوان ابن حمد يس صـ 317، 318.
[37] "... كان فردا من أفراد الشعراء والكتاب، وبحرا من بحور المعارف والآداب، شق كمام الكلام عن أفانين النَّوْر والزَّهْر، ورفل من النثر والنظام بين الآصال، والبكر، وكان ممن مدح يوسف بن هود. " انظر الذخيرة ق1 ح 2 / 245، النفح حـ1 - 674، 675، معجم الشعراء الأندلسيين صـ 328، وانظر أبياته في الذخيرة ق1ح2/ 257.