شكرا لك أخي عبد الله أبو زبيدة على التعليق والمشاركة في إثراء الموضوع وإفادة القارئ، واسمح لي بعدُ أن أقدم تعقيبا على تعليقك، أوجزه فيما يلي:
1ـ اعترضت على قولي: " وأول عمل يجب أن يقوم به المحلل النحوي هو التحليل الصرفي لجميع كلمات الجمل التي يريد تحليلها نحويا ..." ثم ذكرت أن الأفضل أن يقال (المعالجة) بدل (التحليل) ، وذكرت أن البداية تكون بالعمل الصوتي، أو (المعالجة) الصوتية، وليس التحليل الصوتي.
أولا/ المقال موضوعه " التحليل النحوي الحاسوبي" وليس (المعالجة) والفرق بينهما واضح لدى المتخصصين. والتحليل هو الذي يُقدم أولا لأجل المعالجة، وهو يعني التوصيف المستقصي لألفاظ اللغة، وبعد التحليل تكون المعالجة، وقبل التحليل تستحيل المعالجة الحاسوبية، لأن الحاسوب يحتاج إلى أن تودع فيه نظاما محلَّلا مُوَصَّفًا توصيفا رياضيا أو شبه رياضي.
ثانيا/ المقال ـ أيضا ـ في التحليل النحوي، لا (اللغوي) العام، والتحليل النحوي هنا المراد به تحليل التراكيب، لأن مفهوم مصطلح (النحو) في العصور المتأخرة ـ كما تعلم ـ قد تطور دلاليا فصار يُطلق على بعض أجزائه، وهو " التركيب" خاصة، فصار عَلَمًا عليه بالغلبة، وأما معناه الشامل فيعم الأصوات والصرف والتركيب والدلالة.
وعلم النحو بالمفهوم الخاص هذا لا يتناول إلا الجمل، أما المفردات فلا يتناولها، ولكن لا يمكن تكوين الجمل إلا من المفردات، أي الكلمات والصيغ، فالمحلل النحوي عليه أن يبدأ بمكونات الجمل وهي المفردات فيبدأ بالتحليل الصرفي الذي يبدأ بالوحدات الصرفية الصغرى (المورفيم).
وأما المحلل اللغوي فيبدأ باللبنات الأولى المكونة للغة وهي الأصوات ثم يتدرج إلى الصرف. أما المحلل النحوي فلا يلزمه هذا، لأنه يبدأ عمله بالكلمات التي جاءت وتكونت من النظام الصوتي قبل ذلك، ومن هنا عُدّ علم الأصوات اللغوية علما مستقلا. واللغة كلها أصوات ولكنها ليست على مستوى واحد في تكوناتها، وأنا في هذا المقال أتحدث عن المستوى النحوي التركيبي خاصة. أما الوحدات الصوتية الوظيفية التي هي بعد المستوى المجرد(الفونيتيكي) فهي جزء من مكونات التركيب الدلالية كالحركات والمدات ...وكذلك فوق الصوتية كالنبر الوظيفي والخط التنغيمي والوقف والوصل.....إلخ.
2ـ وصفت ما قدمه علماء العربية القدامى بأنه (قام على قواعد خاطئة علميا....وانتقدت الكتابة العربية وأشرت إلى أنها بنيت بناء غير صوتي، واقترحت هدم المجاري الصوتية التي ذكرها سيبويه، ورأيت أن العربية لا تعرف البناء وإنما فقط الإعراب....إلخ
أولا/ أنا أحترم رأيك في ذلك كله، ولا شك أنه ينبغي لكل باحث ومفكر أن يفحص النتائج والنظريات المقدمة ويعرضها على قواعد علمية سليمة ليتوصل إلى الحق الذي هو بغية الجميع، وليس ما قاله الأوائل ولا ما قاله الأواخر بملزم لأحد ما لم تتأكد له موافقته للحق، إلا أن تكون المعلومة من الله ورسوله فيلزم التسليم حينئذ مطلقا.
ثانيا/ أرى أنك قد استعجلت في هذه الأحكام التي أطلقتها هنا، ولن أطيل في مناقشتك فيها، لأنه قد قُدِّمَت فيها بحوث حديثة متعددة أثبتت جملة من الحقائق التي ينبغي للمنصف الاعتراف بها، ومنها:
أ ـ أن الوصف الذي قدمه علماء العربية للأصوات العربية وما سواها من أنظمة اللغة يُعد حتى الآن من أدق ما توصل إليه الفكر اللغوي، ولقد استخدمت في العصر الحديث أجهزة إلكترونية تصور الأصوات تصويرا طيفيا دقيقا جدًا فلم تخرج بأكثر مما توصل إليه الوصف العربي القديم وعلى رأسه وصف الخليل وسيبويه وابن جني ومكي والداني والهمذاني العطار..... وأنا شخصيا ممن قام ببعض هذه العمليات في المعامل الصوتية الحديثة.
ب ـ تقسيم الكلام إلى معرب ومبني تقسيم يفرضه الواقع بناءً على النظر في الحقائق اللغوية نفسها لا على أشياء من خارج اللغة، واللغة لا يصفها مثل نفسها، ثم إن المبدأ الذي بنوا عليه ذلك التقسيم قد وُجد منضبطا مستقيما، وهو لا ينافي ما استجد من الحاجة إلى معالجة اللغة حاسوبيا.
ج ـ المجاري المشار إليها من أدق الأوصاف التي وصفت بها اللغة، ولا ينبني النظام الصوتي إلا عليها، وإلغاؤها يعني إلغاء اللغة كلها، إلا إذا كنت تعترض على الاصطلاح لا على الفكرة، فهذا شيء آخر. أما المجاري نفسها فهي أساس اللغة، بل إن جميع أصوات اللغات في العالم تنقسم إلى قسمين: صوامت وصوائت، والمجاري هي الصوائت، لأن الصوت لا يجري إلا بها وفيها، والصامت سمي صامتا وساكنا لأنه لا يتكلم به وحده، ولا يكوِّن وحدة بمفرده ولا بالانضمام إلى صوامت أخر خالية من الصوائت.
د ـ العرب سبقوا جاكبسون وسوسير ومن جاء بعدهم إلى الفونيتيك، وإلى يومنا هذا لم يصل أولئك في الوصف المجرد للأصوات ـ وكذلك في المرحلة الفونولوجية ـ إلى ما وصل إليه علماء العربية من النتائج عن طريق منهج الملاحظة المباشرة الذي اعتمده علماء العربية، سوى بعض النتائج اليسيرة الدقيقة التي تميزت بها الأجهزة الحديثة.
3ـ أشاركك ـ وأشكرك جدًا ـ على ما نبهت عليه من تخلف النظام الصوتي الذي يدعى بالعالمي ـ زورًا ـ وإنما هو نظام غربي محتكر استُخدم فيه الرمز اللاتيني وما يوافقه من أنظمة صوتية ، وهو في غاية الفساد والتخلف، ولا يمت إلى اللغة بصلة حقيقية، وإنما هو جزء من فرض السيطرة والهيمنة الفكرية بالقوة، ويؤسفنا أن كثيرا من إخواننا العرب مؤمنون بهذا النظام الجائر ويعتبرونه كما يعتبره أهله نظاما صوتيا عالميا على الحقيقة!!
أسأل الله أن يوفقني وإياك لقول الحق واتباعه.