السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
بارك الله في أساتيذنا الأجلاء على ما أتحفونا به من بحث ممتع في هذا الموضوع، وقد شكلت لي كلمة "زمكان"، قديما، غصة في حلقي لم أستسغها إلا بالتناسي فتلاشت ولله الحمد والمنة، فما أثقلها من كلمة يصعب تجرعها وقد يستحيل تذوقها.
ثم أما بعد، إن جاز لنا النحت من "الزَّمَان والمكان" فنحصل على كلمة "الزَّمَكان"، و"الزمكانية" بالتبعية، فهل يجوز لنا النحت من "المكان والزّمان" فنقول: "المَكَزان" على وزن "المَغَزان" (magasin) في الفرنسية، و "المَكَزانية" كمصدر صناعي أو صفة؟ وما أحسب أحدا من محبي اللغة العربية فضلا عن أساتيذها يقبل بهذا.
أرى، والله أعلم بالحقيقة، أن هذا النحت المستهجن، لأنه هجين فعلا وليس أصيلا، جاء تقليدا لما هو معمول به في اللغات الأعجمية، كالفرنسية مثلا، في قولهم:"espace-temps" بالمفرد، أو "espaces-temps" بالجمع، وقلَّد الحداثيون "العرب" هذا التركيب كما هو شأنهم في الإمعية المستحكمة فيهم، فنحتوا، تقليدا وليس تأصيلا، كلمتَهم الهجينة "الزَّمَكان" و مصدرها الصناعي "الزَّمَكانية"؛ هذا، وقد تجاذب أطراف الحديث هنا فريقان من الأساتيذ، محافظون و متساهلون، تماما كما يحدث في مناقشات مثل هذه المواضيع في لغات العالم فيما يسمى بالـ "fixistes" وهم الثابتون المحافظون على أصول اللغة و بالـ "laxistes" وهم المتساهلون، أو "المتراخون"، فيها، وإن الثبات على أصول اللغة والمحافظة عليها هو ما يضمن بقاء اللغة واستمرارها مع مراعاة عوامل تطور اللغة وما يستجد من ضرورة إيجاد مفردات لتغطية المستحدثات في حيوات الناس، فلا إفراط في الدخيل ولا تفريط في الأثيل والأصيل، وليكن الأمر بين ذلك قواما، فلا الجمود، أو التحجر، يقنع ولا الميوعة، أو الإمعية، تنفع.
حفظ الله لغتنا الشريفة والمقدسة، المطهرة، من الهجنة والتهجين والمهجنين لها.
بارك الله في أخينا الكريم الأستاذ سمير عباس من جامعة "الباجي مختار" بعنابة لما أثاره من مناقشة علمية استفدنا منها كثيرا وزاده حرصا على نقاء العربية وصفائها، وبارك الله في أساتيذنا الأجلاء على ما أتحفونا به من فوائد لغوية قيمة.
هذا، والله أعلم، ونسبة العلم إليه، سبحانه، أسلم وأحكم.