فضيلة الشيخ (منظومة التفسير) شرحها وعلق عليها
أحمد بن عمر الحازمي الشريط الحادي عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( العِقْدُ الرَّابعُ ) .
وهذه كما ذكرنا في السابق كلها تفصيل لقوله : ( وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ ) . ذكرها جملة ثم فصلها عِقدًا عِقْدًا ، ووصلنا إلى العِقد الرابع وقلنا : عِقد بكسر العين هو القلادة .
( ما يرجعُ إلى الألفاظِ ، وهو سبعةٌ أنواع ) . ( ما يرجعُ ) ، ( ما ) أي أنواعه . ( يرجعُ ) أي يرجع . والضمير هنا ذكره باعتبار تقدير ما فإنه مذكر ، ( يرجعُ إلى الألفاظِ ) وأل هنا للعهد ، والمراد به ألفاظ القرآن لأن البحث هنا في علوم القرآن ، حينئذٍ يبحث فيه عن ألفاظه وعن معانيه ، فالعِقد الرابع خصصه فيما يرجع إلى الألفاظ ، والعِقد الخامس خصصه فيما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام ، وليس المراد أن ثَمَّ لفظ يكون منفكًّا كليًّا عن المعنى ، لا ، وإنما يكون الحكم على النص من حيث هو اللفظ وليس المراد أن المعنى لا اعتبار له ، لا ، هذا لا وجود له بدليل أنه ذكر المجاز ، فالمجاز قد يكون لفظيًّا وقد يكون عقليًّا باعتبار المعنى حينئذٍ يكون قد رعى الجهتين .
( ما يرجعُ إلى الألفاظِ ) أي : ألفاظ القرآن وهو ذكر هنا باعتبار ما ولو قال هي أيضًا لا بأس ( سبعةٌ أنواع ) على جهة الاختصار .
( الأول والثاني ) من هذه السبعة ( الغَريبُ والْمُعَرَّبُ ) جمع بين الغريب والْمُعَرَّب ، الغريب هذا فَعِيل والأصل فيه من اغترب بمعنى بَعُدَ إذا اغترب المعنى بَعُدَ ، ففيه نوع بُعْدٍ عن غيره من الألفاظ لأن الأصل في اللفظ أن يكون واضح الدلالة لا يحتاج إلى تنقير وبحث عنه في المعاجم والقواميس ، لا ، بل الأصل فيه أن يكون ظاهر وواضح البيان فحينئذٍ إذا وجد لفظ غير ظاهر فيحتاج إلى تنقير وبحث حينئذٍ نقول : هذا غريب . بمعنى أنه انفرد عن سائر الألفاظ .
والْمُعَرَّب هذا سيأتي بحثه .
إذًا الغريب هنا قال بعضهم : هذا من العلوم المفيدة التي لا غنى للمفسر عنها .
الغريب هذا أفرده بالتصنيف خلائق لا يُحْصَوْن وهذا قاعدة عامة في كل علم أو فن من فنون علوم القرآن لا بد وأن تجد من صنف فيه مصنفات ، وهذا غريب لأهميته كما هو الشأن في الناسخ والمنسوخ ، والعام والمخصوص إلى آخره لأهميته كثرت فيه المصنفات ، لذلك قال السيوطي : أفرده بالتصنيف خلائق لا يُحْصَوْن منهم : أبو عبيدة ، وأبو عمر الزاهد ، وابن دريد ، ومن أشهرها في كتاب الْعُزَيْزِي أو الْعَزِيزِي ، فقد أقام بتأليفه خمسة عشر سنة يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري ، ومن أحسنها (( المفردات )) للراغب ، ولأبي حيان في ذلك أيضًا كتاب مختصر ، ولذلك قال في (( الاتقان )) بعدما ذكر المصنفات : وينبغي الاعتناء به . يعني : بالغريب بفن الغريب لماذا ؟
لأن الخائض في التفسير لا بد وأن تقف أمامه ألفاظ بعضها يكون غريبًا وقد وقف الصحابة على بعض الألفاظ كما سيأتي حينئذٍ لا بد أنه إذا أراد أن يَهْجِمَ على التفسير فيفسر كلام الله تعالى حينئذٍ لا بد من أدوات المفسر ومنها : العلم بغريب القرآن . كما يقال : غريب الحديث . كذلك غريب القرآن ، وينبغي الاعتناء به ، ثم قال : وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدم الخوض فيه بالظن - لا يكفي الظن أظن أن هذه الكلمة المراد بها كذا لا يكفي لا بد من اليقين وخاصة في باب التفسير فإنه قيل بأنه القطع بأن هذا المعنى هو مراد الرب جل وعلا ، فحينئذٍ لا يقطع إلا بيقين أو بأدلة تكون معتمد عليها المفسر ، وعدم الخوض بالظن فهذه الصحابة وهم العرب الْعَرْبَاء وأصحاب اللغة الفصحى ومن نزل عليهم وبلغتهم توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها فلم يقولوا فيها شيئًا - يعني سئل عن لفظ من القرآن فلا يعلم هو لا غيره لا يعلم هو حينئذٍ توقف ï´؟ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ï´¾ [ الإسراء : 36] ، ï´؟ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ï´¾ حينئذٍ هذا عام يشمل الصحابي وغيره فإذا لم يكن ثَمَّ علمٌ حينئذٍ يجب التوقف - توقفوا في ألفاظ يعرف معناها فلم يقولوا فيها شيئًا ،رُوِيَ أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال في قوله تعالى : ï´؟ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ï´¾ [ عبس : 31] . أو سئل عنها ï´؟ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ï´¾ فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم . هكذا رُوِيَ واشتهر عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أيضًا أنه قرأ على المنبر ï´؟ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ï´¾ فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ؟
هم يعلمون أنه نبات لكن عينه غير معلوم ، هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال : إن هذا لهو التكَلُّفُ أو الْكُلَفُ يا عمر .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كنت لا أدري ما ï´؟ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ ï´¾ ما المراد بفاطر قال : لا أدري حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها . يعني : أنا ابتدأتها . فعلم حينئذٍ معنى ï´؟ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ ï´¾ وقال أيضًا في قوله : ï´؟ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ï´¾ [ مريم : 13] والله لا أدري ما حنان .
إذًا توقف بعض الصحابة في بعض الألفاظ فلم يتكلموا فيها حين السؤال ولكن بعد البحث والتأمل والنظر في كلام العرب عرفوا مدلولها وعرفوا معناها لذلك أحسن ما ذكر في تفسير غريب القرآن ما نُقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه .
حينئذٍ نقول : ومعرفة هذا الفن ضرورية للمفسرين . قال الزركشي رحمه الله : يحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة أسماءً وأفعالاً وحروفًا . يحتاج الكاشف عن ذلك يعني : الباحث عن الغريب غريب القرآن إلى معرفة علم اللغة أسماءً وأفعالاً وحروفًا ، واتفقوا على أن أولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن الصحابة وخاصة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأصحابه الآخذين عنه ، فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة ، وقد استوفى السيوطي رحمه الله في ( الإتقان ) كل ما ورد عن ابن عباس من الفاتحة أو البقرة إلى سورة الناس القرآن كله بالأسانيد الصحيحة الثابتة عن ابن عباس ، كل ما ورد من لفظ غريب في القرآن فهو موجود في ذلك الكتاب عن ابن عباس على جهة الخصوص .
( الأول والثاني : الغَريبُ والْمُعَرَّب ) إذًا الغريب هذا علم من علوم القرآن ، والمراد به معنى الألفاظ التي يحتاج إلى البحث عنها في اللغة يعني يحتاج المفسر . إلى البحث عنها في اللغة ومرجعه حينئذٍ النقل مرجعه النقل ، لكن يرد إشكال إذا قيل : بأن في القرآن غريبًا ومعلوم أن من شرط الفصاحة خلوصه من التنافر الكلمي - يعني الكلمة - من التنافر والغرابة والْخُلْف الذي هو مخالفة القواعد العامة .
فصاحة المفرد أن يخلص من ( تنافر غرابة خلف زكن )
يتبع ...