دور اللغة العربية في بناء المجتمع العربي وتطوره
الأستاذ الدكتور سالم المعوش
الجامعة اللبنانية
الجمهورية اللبنانية
الأربعاء 27 ذو الحجة 1432هـ - الموافق 23 تشرين الثاني 2011م
ملخص البحث
عندما تنبت للغة أجنحة يصبح الخوف عليها ضرورياً لئلا تغادر أرضها وشعبها.. وعندما يصنع الأنداد لها قفصاً لسجنها يصبح التغريد بها مأساوياً.. فكيف بها إذا كان السجّان وصانع القفص من أبنائها؟
ما يجيب عنه هذا البحث جملة من الأسئلة المكثّفة حول اللغة العربيّة في تاريخها ومسيرتها وحياتها الراهنة ومستقبلها الضبابي، في ظلّ ظروف الابتلاع والإلغاء والتغيب.
أسئلة تدور حول واقع الأمّة ولغتها من خلال طرح الإشكاليّة العتيدة "دور اللغة في بناء المجتمع وتطوره".
عهدنا أن نقلب المعادلة فنقول: "دور المجتمع في بناء اللغة وتطوّرها" لكن إشكالية بحثنا هذا تعكس القضية، وتسند إلى اللغة دوراً خطيراً هو بناء المجتمع وتطوّره.
تمتدّ هذه الإشكاليّة إلى التعميم: دور اللغة، أي لغة، في المجتمع، أيّ مجتمع. كما تمتد إلى لفظة "بناء"، أيضاً أي نوع من البناء؟
وكان لا بدّ من حصر هذه الإشكاليّة لتجيب عن دور اللغة العربيّة في بناء المجتمع العربي وتطويره في الزمن الراهن.
وهي مهمّة يجد الباحث خطورتها في هذا الظرف الدقيق الذي تجتازه الأمّة العربيّة، وفي هذا الواقع المريب الذي يتردّى به المجتمع العربي.
لكنّ "لغة الضاد" تسهّل على الباحث الكثير من مشقّات هذه المهمّة التي وظيفتها الحفر داخل اللغة بتلازمها بالداخل الاجتماعي. تسهّل المهمّة لقدرتها الكامنة فيها ولغناها وقدسيتها وتسوّرها والمزايا التي تكوّنها، بحيث تصبح هي والإنسان العربي توأمين، بل واحداً، يصنع كلّ منهما الآخر، ويمضيان في رحلة الحياة متوحدين.
هذا ما يكشف عنه البحث في ثناياه، ليثبت قابليّة اللغة وإمكاناتها على تجديد البناء، لأنّها لم تعد لغة بحروف وألفاظ وعبارات، بل أصبحت بشراً يتحرّكون ساعة يشاؤون.
لقد جهد المبحث في حلّ هذه الإشكالية، فبيّن الدور التاريخي للغة العربيّة في بناء المجتمع، حيث وجد أن الأمة العربيّة واللغة نسيج واحد في بناهما الذهنيّة والنفسيّة والماديّة، مستعيناً على ذلك بعلم النفس وعلمائه وعلم الاجتماع ومنظريه وعلم اللغة وأبرز روّاده.
ولذلك جاء البحث في قسمين رئيسين يتولّيان التنقيب عن الدور التاريخي والدور الراهن للغة في بناء المجتمع. وعرض لجملة من المسائل والقضايا، وتوقف عند نقاط ذات صلة ضرورية بالإشكاليّة، وقدّم جملة من الاقتراحات الآيلة إلى الشروع في ورشة بناء المجتمع العربي الحديث، من خلال الاعتماد على اللغة العربيّة وإمكاناتها في دفع الأبناء إلى تنفيذ سلطتها التي اكتسبتها عبر القرون. ووجد أنّ هناك إمكانيّة كبيرة لإعادة هذا البناء. ذلك أن اللغة العربية لا تزال العنصر الأكثر أهميّة الجامع للعرب باستطاعتها أن تقوم بالمهمّة إذا ما تمّ الالتفات إلى حقيقتها عبر التعرّف إليها بجدية، ومن خلال إحياء القاعدة المعرفيّة والإضافة إليها، والنظر إلى صورة المجتمع وقلق اللغة فيه، والإضاءات الشعبيّة التي أضافت إلى موجود اللغة الشيء الكثير، وتمسّكت بمبدأ المواطنة أولاً، وبالمواطنة اللغويّة ثانياً، وكشفت عن المسكوت عنه في دنيا اللغة العربيّة وممارستها وتفاعل أبنائها أو عدم تفاعلهم بها، وصولاً إلى جملة من الضرورات التي ينبغي ملاءمتها مع الحاضر، لاسيّما الوعي، ولجوء اللغة إلى العنف في بعض المواقع. وضرورة تجدّد الخطاب المعرفيّ والتبصّر بالإنشاء الجديد وأنواع الكتابة الجديدة والخطر الداهم المتمثل بالرهان على تفتيت المفتّت في الأمّة. بالإضافة إلى الأسس التي تتنكّبها اللغة لبناء المجتمع العربي الجديد وتطوره وسط هذا التفاقم الحاد للأحداث والصراعات المتعدّدة من أجل البقاء.
القسم الأول: الدور التاريخي للغة العربية في بناء المجتمع.
أولاً: اللغة والأمّة العربيّة
1- اللغة العربية والأمة نسيج واحد
التصاق اللغة بأبنائها
لا تزال اللغة العنصر الرئيس في إعطاء الصفة الاجتماعية للمتحدثين بها، والوقفة التي يقتضي وقوفها اليوم حول دور اللغة العربية في حياة العرب يتخطى الحاضر في حركة غير متعاكسة نظرياً على الأقل. ووجهة هذه الحركة هي باتجاه الماضي أولاً والمستقبل ثانياً مروراً بالحاضر ثالثاً.
وفي الأحوال كلّها ثمّة تعويل على التواصل، وثمّة حراك وشبه سكون يقتفيان أثر الحياة.. وهذا لا يعني الحيويّة أو الموت.. إنّما حالة وانتقال، يبقى فيهما التواصل، ويبقى قول الجاحظ صحيحاً، على الرغم من مرور الزمن : "إذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه وفسد حسّه"().
والقول هو اللغة، سواء أكانت مكتوبة أم منطوقة أم إشارة أم إيحاءً أم رموزاً... وهي عند العرب حميمية وتضامنيّة واجتماعيّة.. لذلك كانت لها هذه الأهميّة، لأنّها فعل حياة، وغيابها يؤثّر تأثيراً كبيراً في واقع أبنائها. يورد د. هدسون Hudson في كتابه "علم اللغة الاجتماعي"، الفقرة التالية عن بعض مواصفات اللغة العربية(): "تتمثّل الاختلافات بين الثقافات المختلفة بتحديد المسافة التي تتلاءم مع درجة معينة من التضامن، فالمسافة التي يحدّدها العرب – مثلاً – غالباً ما تكون أقصر من المسافة التي يحدّدها الأميركيون. وقد أُجريتْ لتدعيم هذا الإدّعاء أبحاث للمقارنة بين الطلاب العرب والطلاب الأميركيين في جامعة أمريكية. في هذه الدراسة طلب من الطلاب أن يتحدّثوا سويّاً في أزواج في غرفة يمكن ملاحظتهم فيها دون علمهم، وقد تمّ تسجيل حركاتهم ودرجة اقترابهم من بعضهم بعضاً عند الجلوس واتجاه أجسامهم ومقدار نظرهم إلى بعضهم بعضاً ومقدار ارتفاع أصواتهم ومقدار تلامسهم... خاطب العربُ العربَ والأمريكيون الأمريكيين، وعند مقارنة النتائج وُجد أنّ العرب يواجهون بعضهم بطريقة أكثر مباشرة من الأميركيين... وأنّهم يقتربون من بعضهم في جلوسهم أكثر من الأميركيين، وأنّهم أكثر استعداداً لملامسة بعضهم بعضاً والنظر مباشرة في عيون بعضهم بعضاً، وتخاطبوا بصوت أعلى من أمثالهم من الأمريكيين. وقد تضمّنت هذه التجربة عدداً من المتغيّرات غير المسافة، تشترك كلّها بطريقة أو بأخرى في تحديد علاقات القوّة والتضامن بين الأفراد. وقد تؤدي مثل هذه الاختلافات الثقافية بين الأمريكيين وبين العرب إلى سوء تفاهم شديد بين الطرفين".
اللغة العربية بنية ذهنيّة ونفسيّة
يبدو من هذا العرض أن الأكثر أهميّة في خصائص اللغة العربيّة، هي جماعيتها وتلاحم أبنائها وتضامنهم واقترابهم من بعضهم حتى التلاصق والتوحد..
وهذا دليل يفصح عن أنّ اللغة العربيّة ليست أمراً عارضاً، أو شيئاً يمكن تبديله كلما خطر للبعض خواطر أو نزعات أو ميول أو تأثّرات بعامل من العوامل.. العربيّة هي صنو الحياة.. زمن نشوئها مرتبط بأسباب عرف بعضها والقسم الآخر لم يعرف حتى الآن، أو لم يتمّ الإقرار به من بعض الباحثين.. وفي الأحوال كلّها ثمّة من يرى في العربيّة تماثلاً للناس أنفسهم، لا يكاد يميّز بينهما، حتى أصبحت "بنية ذهنيّة، تكوّنت من نوازع نفسيّة طبيعيّة، تراصفت تاريخياً، فغدت بمثابة بوتقة تصهر ما يوضع فيها وتشكّله وفاق طابعها، حين ملاءمته للصهر، فيكون له منحى خاص في الحوار والتعبير والسلوك والنظرة إلى الواقع وما بعده من آفاق وتطلعات تتجاوز المحسوسات. إنّها النفس العربيّة بكل ما فيها من انعطافات ونتوءات..."().
وهو تعريف يتخطى التعريفات القائلة عن اللغات: إنّها بنى ذهنيّة، ليؤكد على الإضافة المهمّة: "إنّها النفس العربيّة" وهي "المتميّزة بقدم وتنوّع خبراتها ومصادر ثرائها وعمق تاريخيتها التي تصل حتى التفرّد بين اللغات التاريخية التي تتعامل بها سلالات الأسر اللغوية الأخرى"().
وعبارة "النفس العربيّة" ليست مجرّد عبارة تلقى جزافاً، إنّما هي حصيلة غير معقّدة لتكوين "الذاتي" العربي.. هذا "الذاتي" الذي تضافرت على ارتقائه التدرّجي إلى الوجود عوامل لا تحصى، وهو في الحقيقة لا يعني الابتعاد من الموضوعي، إنّما هو خليط من الاثنين، من المادي المحسوس المُصادَر إلى عالم الذات، ذات الأمّة المختزنة تجارب الروح وتجارب الجسد، تجارب المعنى وتجارب المبنى، ونفسيّة العربي بمكوّناتها كافة، لذلك كان البناء على قول ابن خلدون: "الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى، وليس يوجد ذلك إلاّ في اللغة العربيّة"().
كان هذا البناء إذاً يؤكد أنّ "اللغة العربيّة هي ذاتيّة أكثر مما هي موضوعيّة، أي هي في أساسها تجاوب مع انطباع أو صوت، وحين يستعملها المتكلم بها لتبليغ ما يريد، يترك للمستمع أو القارئ فسحة لإكمال الصورة والإرادة الكامنة خلفها"().
إنّ ما يشغلنا في هذه الفقرة هو إبراز إمكانية اللغة وسيطرتها على زمام القول، وانبثاق دورها الدائم في الفعل. ذلك الفعل الذي يتخطّى، أحياناً، أطر الزمان والمكان، من دون أن يهملهما أو يتجاوزهما..
إنّ القدرة الفاعلة للغة العربيّة تتأتّى من عناء تكوّنها وتسنّمها هذه المكانة الرفيعة، ليس في نفوس أبنائها الذين صنعوها عبر تاريخهم الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي وحسب، بل في نفوس غيرهم من الشعوب، سواء أنطقوا بها أم لم ينطقوا، لأنّ البحث العلميّ الدقيق يظهر فرادة هذه اللغة وتأثيرها في مجتمعات كثيرة، كشف عن بعضها، وبقي البعض الآخر ينتظر الجهود لكشفه..
ولقد زاد من تركّز العربيّة في الذهن والنفس، ومن إقبال الناس عليها ارتباطها بالقيمة الاجتماعية للإنسان وهي المتأتية من العلاقة الوثيقة بالقرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف، فمن تعلّمهما حسنت مكانته()، ومن "أحب الله أحبّ رسوله المصطفى (ص)، ومن أحب النبيّ العربيّ أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ العربيّة عني بها وثابر عليها، وصرف همّته إليها"().
فكيف يتأتى أن تكون اللغة العربيّة بنيّة ذهنيّة و"النفس العربيّة" و"ذاتية"؟ كيف تأتى لها أن تحمل في رحمها التعبير الصافي عن الموجود، لتصبح بحدّ ذاتها المنشود القادر على صنع النفوس، وتكوين الذوات، وإحداث التغيير في هذا الموجود والارتقاء للتركز في الذهن؟
2- اللغة الإنسان عند الجاحظ
في دراسته القيّمة "محاورات في النثر العربي"() يتناول د. مصطفى ناصف ما أورده الجاحظ عن بعض مزايا العربيّة، وكيف أنّها أصبحت لغة الحياة، وكيف اكتسبت هذه القوّة العابرة للزمن..
يقول الجاحظ عن اللغة العربيّة: "قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس، المتصوّرة في أذهانهم، والمتخلخلة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم والحادثة عن فكرهم مستورة خفيّة، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلاّ بغيره. وإنّما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها، وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل وتجعل الخفيّ منها ظاهراً، والغائب شاهداً، والبعيد قريباً. وهي التي تلخص الملتبس، وتحلّ المنعقد، وتجعل المهمل مقيّداً، والمقيّد مطلقاً، والمجهول معروفاً، والوحشيّ مألوفاً، والغفّل موسوماً، والموسوم معلوماً..."().
وعالم وخسر نفسه؟