النون الثقيلة وأختها الخفيفة ويوسف وامرأة العزيز
د. أحمد درويش
نون التوكيد في اللغة قد تكون خفيفة، وقد تكون ثقيلة، وقد اجتمعت النونان في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن لَم يَفعَل ما آمُرُهُ لَيُسجَنَنَّ وَلَيَكونًا مِنَ الصّاغِرينَ﴾[يوسف: ٣٢].
(يسجنن): ثقيلة (يكونن): خفيفة، وقد سمى السيوطي ( ت : ٩١١ ) الثقيلة بنون التوكيد الشديدة ؛ لأنها بمنزلة تكرار الفعل، فهي علم التوكيد كما يقول الإمام عبدالقاهر ( ت : ٤٧١ )... جاء في كتاب سيبويه: "ﻓﺈﺫا ﺟﺌﺖ ﺑﺎﻟﺨﻔﻴﻔﺔ ﻓﺄﻧﺖ ﻣﺆﻛﺪ، ﻭﺇﺫا ﺟﺌﺖ ﺑﺎﻟﺜﻘﻴﻠﺔ ﻓﺄﻧﺖ ﺃﺷﺪ ﺗﻮﻛﻴﺪا" ...
والسؤال هنا: لم جاءت بالنون الثقيلة في جانب سجن يوسف (ليسجنن)، والنون الخفيفة في جانب الصغار (وليكونن)؟
قلت: إنه الحب المفرط الذي يقهر صاحبه ، ولا يطيق أن يدفعه، ذلك أن التعبير في (ليسجنن) جاء بالنون الثقيلة أو الشديدة؛ لتصوير ﺣﺎﻟﺘﻬﻢ اﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﺇﺟﻤﺎﻋﻬﻢ اﻷﻛﻴﺪ ﻋﻠﻰ ﺳﺠﻨﻪ ﻭﺃﻧﻬﻢ ﻟﻦ ﻳﺴﺘﺒﺪﻟﻮا ﺑﻪ ﺃﻣﺮا ﺁﺧﺮ أﺧﻒ ﻣﻨﻪ، فهي حريصة حرصا شديدا على سجنه، لأنه في الأخير سيكون تحت مرآها ومسمعها، وكلما اشتاقت ذهبت، لكنها لا ترضى لحبيبها أن يكون صاغرا، وإن صغر فلكي تنفي عن نفسها الميل إليه.
هذا الكلام جاء من نفَس الشيخ الصبان ( ت : ١٢٠٦ ه) في حاشيته عندما يقول: "إن امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه من كونه صاغرا؛ لأنها كانت تتوقع حبسه في بيتها، فتقرب منه وتراه كلما أرادت" حاشية الصبان١/ ٣١٢.
ويقول الشيخ خالد الأزهري (ت : ٩٠٥) في شرح التصريح: "إن امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه من كينونته صاغرا" ٣٠٠/٢ ... فإبعاد الحبيب أولى من إهانته، حتى في قمة لحظات الغضب يبقى المحبوب محبوبا، فالتثقيل للسجن، والتخفيف للصغار.
وقد يقال في تعليل توظيف النونين: إن نون التوكيد الثقيلة في (ليسجنن) لون من ألوان التدريب على الصغار والذلة ، يسلكه المتجبرون ليخضعوا خصومهم حتى يصلوا إلى مرحلة الصغار، وساعتها سيكون الأمر يسيرا فكان التخفيف مناسبا لحالة الاستسلام المظنون في حق يوسف، غير أن مرحلة الصغار في حق سيدنا يوسف لن تكون؛ لأنه ذو استعلاء إيماني يعلو تجبرهم وسطوتهم وشعورهم بالفوقية.
وتبقى القراءات الدلالية لتوظيف تينك النونين.
ألا ما أجمل القرآن ولغته!
المصدر