أصلُ الغَرَقِ الرُّسُوبُ في الماء، وإذا أخرَجْتَه من الحَقيقةِ إلى المَجازِ اكتَشفْت في زَمانِنا هذا أنواعاً مُذهلةً من الغَرَق:
الأمّةُ غَرْقى تكالَبَ عليْها المُغْرِقونَ وأثقلوها بما يَدَعُها راسبةً حتّى غَمَرَها ماءُ الفتنِ وامتلأت مَنافذُها؛ الأمّةُ ركبَها الدَّيْنُ
فهي مُغْرَقَةٌ في الدّيون، الأمّةُ مَغْمورةٌ بالبَلايا؛ فهي غَريقةُ الدَّيْن والبَلْوى، حالُها اليومَ حالُ مَن وصَفَهُم أبو النجم العِجْليّ:
فأصْبحُوا في الماء والخَنادِقِ /// من بين مَقْتول وطَافٍ غارِقِ
ما من بَلَدٍ عربيّ إلاّ وهو غَريقٌ من الغَرَق، نَزيفٌ، مَريضٌ، قَتيلٌ حَريقٌ، ولعلّ الأمّةَ على أعتابِ زمانٍ يكثرُ فيه الغَرَقُ والحَرَقُ،
ويأتي عليهم زَمانٌ لا ينجو فيه إِلا من دَعَا دُعاء الغَرِقِ، وكلّما أشْفى على الهَلاكِ أخْلصَ في الدّعاء طلبَ النجاةِ.
ومن الغَرَقِ الغَرَقُ في لُجَجِ الفَسادِ، استعارةً، فَلا تسمَعُ اليومَ إلاّ من ماتَ غَرِقاً في الخَمر مُتَناهياً في شُربها. ومَن ماتَ غرِقاً
في بُحورِ الظّلمِ والاستبدادِ ، والأمّةُ أغرِقَت في بُحورِ الخَلاعةِ والمَفاسِدِ والخَمْرِ
ومن غَرَقِ الأمّةِ أيضاً إغْراقُها في مُشكلاتها اليوميّةِ المُفْتَعَلَة، وطردُها والإجْهازُ عليْها حتّى تنقلبَ من مُقْبلٍ إلى مُدبرٍ هاربٍ عَجْلانَ