بلغَ الغضبُ الساطعُ كلَّ مَداه، غرزَ القهرُ الفاتكُ في الــرُّوعِ كُلَّ مُـداه. وهَمَى نهرُ الدَّمْعِ ثمَّ جَرى في كلِّ شِعابِ الحَيِّ وسَقى الدُّورَ تتخلَّلُه طَلقاتُ صَريخِ الثَّكْلى، وُلِدَت من قلبِ الجُرْح نُفوسٌ بُعثَتْ من مرقَدِها، حَرْباً هوجاءَ على تُجّارِ الذِّممِ وبَيْع الأصواتِ، وعلى كلّ مَن ابْتَلَعَ طَعامَ الأحرار وغَدا يَرْوي من لبنِ الأطفالِ مُشْتَفـّـاً كُلَّ دَمٍ يَجري في عُروق القومِ إلى آخِرِها. صَبّوا نارَ العُدوانِ فَوقَ ضِرامٍ، مُزوَّدةً بوَقودِ أسوَدَ، مُتغضِّبةً ناخرةً جلدَ القومِ نافذةً من لَحمٍ إلى صميمِ العَظمِ .
لم يبْقَ لمُصطبِرٍ صبرٌ، ليسَ مَعيباً رَفْعُ القلَم الثّائر في وجه غاصبِه عوداً يفقأ منه العينَ وحُساماً مُــسـتَــلّاً من ظُلُماتِ الغِمْدِ، يَطْمسُ ضوْءَ ليالي الفِسقِ الحَمراءِ فإذا هي أيامٌ بيضٌ يتجلّى منها بشيرُ الفجر، دَويُّ النّصرِ . قالوا الحربُ نقيضُ السِّلم، طَفِقوا نهشاً للَّحمِ وقَضماً للعظمِ وقَطعاً للأوردَة، من خَلفِ الحُجُبِ وباسمِ الأمنِ. قَتَلوا غَصَبوا صَلبوا الأيدي والأرجُل، سَملوا العَينَ النّاظرةَ شَزراً، خَنقوا الأنفاسَ الصّاعدةَ زَفْراً، قَطَعوا دابرَ كلّ خصمٍ ومُعترِضٍ، أملاً في مَسْح آثارِ الجُرْم من مَوؤودٍ ومُنقرِض. انتفَضَ الغاضبُ على قاهِرِه ورِماحُ التَّقْتيلِ تَنوشُ، تقْتَلعُ العَيْنَ، لكنْ لم يستسلِمْ لسكاكينِ الغدرِ ولم يَضعُفْ