سلسلة إيقاظ الوَسنان من زلَّات اللِّسان
فصل المقال فيما لا يُقال (4)
محمد تبركان
(ص7 ع2 أ ج ن): والإجَّانَةُ[1] واحدةُ الأَجاجِين، قال القُطَامِيُّ[2]:
وَغَيْرُ حَرْبيَ أَرْكَى[3] مِن تَجَشُّمِها إجَّانةٌ مِن مُدامٍ شَدَّ ما احْتَدَما
ولا تقل: إِنْجانَة بقلب الجيم الأولى نونًا.
منع من ذلك في: إصلاح المنطق (ص176، باب ما يُشَدَّد)[4]، وفي المصباح المنير (ص10 أ ج ن)[5]: (والإنْجانَة لغةٌ تَمتنِعُ الفُصَحاءُ من استعمالِها). بينما اعتبرَها في تصحيح الفصيح وشرحه (ص382)، وشرح الفصيح للَّخميِّ (ص182) من كلام العامَّة.
وحكى ابنُ سِيدَه في المحكم (7/ 490 الجيم والنون والهمزة)، والصَّغانيّ في التكملة (6/ 182 أج ن)[6]، وابنُ منظور في اللسان (13/ 8) فيها ثلاثَ لغات: الإِجَّانةُ - وهي أَفصحُها[7] -، والإنْجانةُ، والأَجَّانةُ[8]. قال ابن سِيدَه: الأَخيرة طائيَّةٌ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ.
وزاد في القاموس المحيط (ص1174، باب النون، فَصْل الهمزة)[9]، وتاج العروس (34/ 157 أجن): (والإيجانةُ) بالياءِ!
ومَن أجاز (إنْجانة في إجَّانة) و (إنْجاص في إجَّاص)، فقد حكى فيها الإبدالَ، إبدالَ النون من الجيم الأولى، والجمع يدلُّ على ذلك في قول الخاصَّة والعامَّة؛ لأنه على أَجاجِين، وهو فَعاعِيل. قال ابن دَرَسْتَوَيْهِ: (ولو كانتِ الإنْجانة على فِنْعالَة لَكان الجمعُ أيضًا على فَناعيل، فكانَ يُقال في إِنْجانة أَناجين، وهذا خطأٌ لا يقولُه أحدٌ).
ونحوه: (الخُرْنُوب[10] في الخَرُّوب)، أَبدَلوا النُّونَ مِنْ إِحْدَى الرَّاءَين؛ أعلُّوا ذلك بثِقل الإدغام، وكَراهِية التضعيف.
وقد زعموا أنها لغةٌ لبعض أهل اليمن، حكاه الأستاذُ أبو محمد ابن السِّيد البَطَلْيَوسيّ - رحمه الله - في الاقتضاب (2/ 181)[11]، وعنه ابنُ هشام اللَّخميّ في المدخل إلى تقويم اللسان (ص21 رقم 15)[12]، عن اللغويين: أنَّ قومًا من أهل اليمن يُبدِلُون الحرفَ الأوَّلَ من الحرف المُشدَّد نُونًا، فيقولون: حَنْظٌ، يريدون حَظًّا، وإنْجاص: إجَّاص. وإنْجانَة: إجَّانَة. فإذا جَمعُوا رَجعُوا إلى الأصل.
وعلى اعتبارِها لغةً لأهل اليمن؛ قال ابن هشام اللَّخميّ[13]: (فقولُ عامَّةِ زماننا: إنْجاصٌ، ليس بلَحْنٍ أيضًا؛ لِما حكاهُ اللُّغويُّون).
وعن هذه اللغة اليمانيَّة في الإنْجاص، والإنْجانَة، قال الشيخ خالد الأزهريُّ: (أنكرَها الأكثرون، قاله ابنُ السِّيد)[14].
من نوادر هذا المبحث:
في صيانة ألواح القرآن العزيز عن المَحْو في المواضع المُستقذَرات، والأماكن المَطروقات:
1- سُئل أَنَسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: كَيْفَ كَانَ الْمُؤَدِّبُونَ عَلَى عَهْدِ الأئمَّة: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟ قَالَ: كَانَ لِلْمُؤَدِّبِ إِجَّانَةٌ، يَجِيءُ كُلُّ صَبِيٍّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ بِمَاءٍ طاهِرٍ يَصُبُّهُ فِيهَا، فـيَمْحُونَ بِهَا أَلْوَاحَهُمْ، ثمَّ يَحفرون حُفرةً في الأرض، فـيَصُبُّونَ ذَلِكَ الماءَ فيها فَيَنْشَفُ[15].
وهذا الخبر عن أنس رضي اللّه عنه رُوِي غير مُسنَدٍ في جميع المصادر التي وقفتُ عليها! وفيه تَوظيفٌ لكلمة (الإجَّانَة) على السَّنَن العربي الأفصح.
2- في حديث سعد بن أبي وقَّاص مع سلمان الفارسيّ رضي اللّه عنهما: دَخَلَ سَعْد بن أبي وقَّاص عَلَى سَلْمَانَ يَعُودُهُ قَالَ: فَبَكَى سَلْمَانُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ يا أبا عبداللّه؟ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَتَرِدُ عَلَيْهِ الْحَوْضَ، وتَلْقَى أَصْحَابَكَ. قَالَ: فَقَالَ سَلْمَانُ: أَمَا إِنِّي واللّه، لا أبكي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا حِرْصًا، وحُزنًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيْنَا عَهدًا، فقَالَ: «لِتَكُنْ بُلْغَةُ أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ»، وهَذِهِ الْأَسَاوِدُ حَوْلِي. قَالَ: وَإِنَّمَا حَوْلَهُ إِجَّانَةٌ[16]، وَجَفْنَةٌ، وَمِطْهَرَةٌ. قال: فَقَالَ له سَعْدٌ: يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، اعَهَدْ إِلَيْنَا عَهْدًا نَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ؟ قال: فَقَالَ له: يَا سَعْدُ، اذْكُرِ اللَّهَ (ربَّك) عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ، وعِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ، وعِنْدَ يَدِكَ إِذَا قَسمْتَ[17].
ويراجع:
1) اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه لأبي العباس القرطبيّ (1/ 104 رقم 116)[18].
2) آداب المعلِّمين لابن سُحنون (ص74 - 75)[19].
3) أساس البلاغة (ص157 ر ح ض)[20].
4) إسفار الفصيح (2/ 751)[21].
5) أضواء البيان (4/ 859)[22].
6) بلغة السالك لأقرب المسالك = حاشية الصاوي على الشرح الصغير (3/ 486 - 487)[23].
7) تاج العروس (2/ 347)[24].
8) تصحيح الفصيح وشرحه (ص382)[25].
9) تقويم اللسان (ص68 باب الألف)[26].
10) تهذيب اللغة ( 7/ 117) - (11/ 202)[27].
11) حلية الأولياء (1/ 195 - 196)[28].
12) الزُّهد لهَنَّاد بن السَّرِيّ (ص316، رقم 566)[29].
13) الزُّهد لأحمد بن حنبل (ص125، رقم 825)[30].
14) شرح الزُّرقاني على مختصر خليل (7/ 33)[31].
15) شرح الفصيح لابن هشام اللَّخميّ (ص182)[32].
16) شرح منح الجليل على مختصر خليل للشيخ محمد عليش (7/ 483)[33].
17) شعب الإيمان (13/ 34 – 35، رقم 9910)[34].
18) الصحاح (5/ 2068، أجن)[35].
19) طبقات ابن سعد (4/ 84)[36].
20) غريب الحديث للقاسم بن سلَّام (5/ 152 – 153، رقم 803)[37].
21) الفائق (2/ 209)[38].
22) قرة العين بفتاوى علماء الحرمين (ص14)[39].
23) لسان العرب (1/ 350)[40].
24) لوامع الدُّرَر في هَتك أستار المختصر (11/ 83 الهامش1)[41].
25) متن مُوطَّأَة الفصيح نظم[42] فصيح ثعلب (ص127)[43].
26) المحكم والمحيط الأعظم (5/ 178، الخاء والراء والباء).
27) المحيط في اللغة (4/ 238)[44].
28) المختصر الفقهي لابن عرفة (8/ 213 - 214)[45].
29) مستدرك الحاكم[46] (9/ 34)[47] - (4/ 353 رقم 7891)[48].
30) معجم البلدان (1/ 143 أرّجان)[49].
31) النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 39)[50].
32) النَّوازل الصغرى المسمَّاة (المِنَح السامية في النَّوازل الفقهية) (1/ 20)[51].
______
[1] على وِزان فِعَّالة بالكَسْرِ مُشدَّدة، المِرْكَنُ أو المِخْضَب، إِناءٌ أو وِعاءٌ من أَدَم أو عُودٍ أو فَخَّارٍ تُغسَلُ فيه الثِّياب، ويُعجَنُ فيها، وَهي بِالْفَارِسِيَّةِ إِكَّانة، مُعَرَّبة.
[2] ديوانه (ص322 رقم 39، دراسة وتحقيق: د. محمود الرَّبيعيّ/الهيئة المصرية العامَّة للكتاب 2001م).
[3] (أَرْكَى) بالرَّاء بعد الهمزة، والمعنى: أضعف وأهْوَن. ورواية إسفار الفصيح (2/ 751): (أَزْكَى) بالزَّاي!
[4] (وهي الإجَّانَة، ولا تقل: إنْجانة).
[5] دار الحديث بالقاهرة.
[6] مطبعة دار الكتب 1979م.
[7] عن الفرَّاء في تهذيب اللغة (11/ 202)، والتكملة (6/ 182 أج ن). واعتبر أبو عليٍّ الفارسيّ في المسائل الحلبيَّات (ص365) هذا الوزنَ (فِعَّالة) على قياس قول سيبويه وأبي عثمان المازنيّ. وزاد في معجم البلدان (1/ 143 أرّجان): (والهمزة فيها فاءُ الفعل).
[8] في المسائل الحلبيَّات (ص365، تح: د. حسن هنداويّ، دار القلم - دمشق/دار المنارة - بيروت، ط/الأولى 1407هـ - 1407م)، وعنه في معجم البلدان (1/ 143 أرّجان): (وحكى أبو عثمان [المازنيّ] في همزة "إجَّانة" الكسر والفتح). وفي شرح الفصيح لابن هشام اللَّخميّ (ص182): (وحَكى أبو حاتم: إجَّانة وأَجَّانة، بكسر الهمزة وفتحها). وفي تهذيب اللغة (11/ 202)، والتكملة (6/ 182 أج ن): (إلْجانَة) باللام بدل (الأَجَّانة). ولم أتبيَّنها!.
[9] مؤسسة الرسالة - بيروت 1426هـ - 2005م.
[10] قال الزّبيديُّ: بالضَّمِّ على الأَفْصَحِ، وقَدْ تُفْتَحُ [الخَرْنُوب]، وَهِي لُغَيَّةٌ.
[11] دار الكتب المصرية.
[12] دراسة وتحقيق: مأمون بن محيي الدّين الجَنّان، دار الكتب العلميّة - بيروت، ط/الأولى 1415هـ - 1995م.
[13] المدخل إلى تقويم اللسان (ص21، رقم 15).
[14] شرح التصريح على التوضيح (2/ 762 تح: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية - بيروت، ط/الثانية 1427هـ - 2006م).
[15] آداب المعلِّمين (ص74 - 75)، المختصر الفقهيّ (8/ 213 - 214)، شرح الزُّرقانيّ على مختصر خليل (7/ 33)، بلغة السالك (3/ 486 - 487)، قرَّة العين بفتاوى علماء الحرمين (ص14)، شرح منح الجليل (7/ 483)، لوامع الدُّرَر (11/ 83): (قال القابسيّ)، النوازل الصغرى للوزَّانيّ (1/ 20).
[16] في الزُّهد لأحمد (ص125)، وحلية الأولياء (1/ 195): (إنْجانَة) بدل (إجَّانَة).
[17] طبقات ابن سعد (4/ 84)، الزُّهد لأحمد بن حنبل (ص125 رقم 825 دار الكتب العلميَّة)، الزُّهد لهَنَّاد بن السَّرِيّ (ص316 رقم 566)، حلية الأولياء (1/ 195 - 196)، شعب الإيمان (13/ 34 - 35 رقم 9910/قال محقِّقه: [9910] إسناده: حسن في المتابعات)، غريب الحديث للقاسم بن سلَّام (5/ 152 - 153 رقم 803)، مستدرك الحاكم (9/ 34) - (4/ 353 رقم 7891): (هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه)، ووافقه الذهبي (4/ 317). قال الألبانيُّ في الصحيحة (4/ 294 رقم 1716): (وهو كما قالا).
[18] تحقيق: رفعت فوزي عبد المطَّلب، دار النَّوادر - دمشق، ط/الأولى 1435هـ - 2014م.
[19] تقديم وتحقيق مقارن: د. محمود عبدالمولى، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر، ط/الثانية 1981م.
[20] دار المعرفة - بيروت.
[21] دراسة وتحقيق: أحمد بن سعيد بن محمد قشاش، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية - السعودية 1420هـ.
[22] دار عالَم الفوائد.
[23] ضبط وتصحيح: محمد عبدالسلام شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط/الأولى 1415هـ - 1995م.
[24] مطبعة حكومة الكويت.
[25] تحقيق: د. محمد بدوي المختون، القاهرة 1419هـ - 1998م.
[26] تحقيق: عبدالعزيز مطر.
[27] الدار المصرية للتأليف.
[28] دار الكتب العلمية - بيروت، ط/الأولى 1409هـ - 1988م.
[29] تحقيق وتخريج: عبدالرحمن بن عبدالجبار الفريَوائيّ، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، ط/الأولى 1406هـ - 1985م.
[30] وضع حواشيه: محمد عبدالسلام شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط/الأولى 1420هـ - 1999م. ط/أخرى: (ص152 ط/دار الريان للتراث) - (ص281 دار ابن رجب، تحقيق: يحيى بن محمد سوس) - (ص152 دار الكتب العلمية - بيروت).
[31] ضبط وتصحيح وتخريج: عبدالسلام محمد أمين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط/الأولى 1422هـ - 2002م.
[32] دراسة وتحقيق: د. مهدي عبيد جاسم، ط/الأولى 1409هـ - 1988م
[33] دار الفكر - بيروت، ط/الأولى 1404هـ - 1984م.
[34] أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندويّ، مكتبة الرشد بالرياض، ط/الأولى ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٣م. قال محقِّقه: ([9910] إسناده: حسن في المتابعات).
[35] تحقيق: أحمد عبدالغفور عطَّار.
[36] تحقيق: د. علي محمد عمر، ط/مكتبة الخانجيّ بالقاهرة، ط/الأولى 1421هـ - 2001م.
[37] تحقيق: حسين محمد محمد شرف، القاهرة 1404هـ - 1984م.
[38] تحقييق: البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم.
[39] للشيخ الإمام حسين بن إبراهيم المغربيّ المالكيّ المكِّي، تصحيح وضبط: الشيخ محمد علي بن حسين المالكيّ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ط/الأولى 1356هـ - 1937م.
[40] دار صادر - بيروت.
[41] للشيخ محمد بن محمد سالم المجلسيّ الشنقيطيّ، تصحيح وتحقيق: دار الرضوان، نواكشوط - موريتانيا.
[42] (وهذه إجَّانةٌ للأكْل = أيْ صَحْفَةٌ كَبيرةٌ لِشَمْلِ).
[43] تحقيق وتعليق: عبدالله بن محمد الحَكَميّ، دار الذخائر، ط/الأولى 1424هـ - 2003م.
[44] تحقيق: محمد حسن آل ياسين، عالم الكتب.
[45] صحَّحه ونقَّحه وعلَّق حواشيه: د. حافظ عبدالرحمن محمد خير، مسجد ومركز الفاروق عمر بن الخطاب، ط/الأولى 1435هـ - 2014م.
[46] قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه). ووافقه الذهبي (4/ 317 دائرة المعارف النظامية، ط/الأولى 1342هـ ). قال الألبانيّ في الصحيحة (4/ 294 رقم 1716): (وهو كما قالا).
[47] دار المنهاج القويم.
[48] دراسة وتحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، ط/الثانية 1422هـ - 2002م.
[49] دار صادر - بيروت 1397هـ - 1977م.
[50] تحقيق: الطَّناحي والزَّاوي.
[51] لأبي عبدالله محمد المهديّ الوزَّاني الحسينيّ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية 1412هـ - 1992م.
المصدر