#شيء من اللغة: السّردُ والسّرْمَدُ
د. هادي حسن حمّودي
كتب لي الباحث مصطفى المحمد (الجبوري) من الجامعة المستنصرية في بغداد، ما خلاصته أن كلمة (سرمد) دالة على شيء له بداية وله نهاية مستشهدا بآيتين من التنزيل العزيز. (الآيتان مرفقتان). ورأى أن هذا يخالف ما يراه كثير من الناس من أنه دالّ على شيء مستمر دون انقطاع. ولذلك لا يصح أن يقال إن وجود الله سرمديّ. وطلب رأيا أوجزته له فرحب بإفاضة في البيان. هنا جواب أراه نافعا:
من (س ر د) يأتي (سرمد) أمينا على المعنى الأصيل للجذر الدالّ على توالي أشياء كثيرة يتصل بعضها ببعض.
ومنه سَرَدَ الحديثَ بمعنى تابع روايته. فإذا كان السرد مَسوقا بتأنٍّ واتساق في المتابعة فلك أن تقول: سَرَدَ الحديثَ سردًا. ويكفي المفعول المطلق (سردا) في الدلالة على ذلك المعنى، فإذا قلت (سردا متأنّيا) مثلا، فقد أفضت في الكلام على نيّة توضيح المعنى.
وبذلك فإن السرد من غير المفعول المطلق (المصدر) يعني التتابع فحسب. وروى الرواة أنه قيل لأعرابي أتعرف الأشهر الحرم؟ فقال: نعم. واحد فَرْدٌ وثلاثة سَرْدٌ. فرَجب منفرد عن الأشهر الحُرُم فهو بين شهور ليست من تلك الأشهُر. ولذلك سمي برجب الفَرْد. وأما السرد فثلاثة أشهر متتابعة، ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم.
ويبدو أن التتابع هو الأصل، إذ وُصفت به صناعة الدروع، كما في قوله تعالى: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) (سبأ11). قالوا: معناه: ليكن ذلك مقدَّرًا في عمل حِلَق الدرع. فلا يكون الثقب ضيقا والمسمار غليظا. ولا يكون المسمار دقيقا ويكون الثقب واسعا، بل يكون على تقدير. وحَلَق الدرع مجموع من تلك الثقوب والمسامير يتبع بعضها بعضا. (مقاييس اللغة 3/157-158).
ومن التتابع أيضا المِسْرَد: النعل المخصوفة اللسان. وسردها نسجها. والنسج متتابع عادة.
وبزيادة الميم يظهر (السرمد) ودلالته على الدوام والديمومة متأتّية من الجذر، فحين تصف شيئا بأنه سرمد فأنت تعني به الدائم (مقاييس اللغة 3/160).
ومنه في التنزيل العزيز:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)(سورة القصص 71-72).
وهذا مرتبط بالزمن. بأن يتصل زمان بزمان بلا فجوة انقطاع بينهما، فهذه الأزمنة المتواصلة تصبح زمانا واحدا من عدّة أجزاء. كما السّرد في الكتابة: وهو أن تكتب قصة أو رواية مؤلفة من مجموعة أحداث يتلو بعضها بعضا، ويتفاعل بعضُها مع بعض، لتكوّن قصة واحدة أو رواية واحدة.
فالسرمد: دوام الزمان من ليل أو نهار. وليل سرمد: طويل. والسرمد: الدائم الذي لا ينقطع. قال الزجاج: السرمد الدائم في اللغة. ويبدو أن معاني الديمومة أدّت بمقولات دينية أخرى إلى وصف الله بأنه سرمد وسرمديّ، بقصد الأزلي الأبدي الكلّيّ الوجود.
غير أن المعنى اللغوي للسرمد لا يُسعف على الأخذ بهذه المقولات إلا على أساس تطور دلاليّ لم نلحظه في فصيح الاستعمالات اللغوية التي ترى أنّ السرمد مجموعة أجزاء لها أول ولها آخر. فلهذا ولأنه دُنْيَويّ زمَنيّ إذ له بداية وله نهاية، لم يرد في الصفات الحسنى التي ذكرها التنزيل العزيز. ومن المعلوم أنّ الذي خلق الزمن لا يخضع لمعاييره. وما الزمان إلا تداول النهارات والليالي: شروق الشمس وغروبها يوما بعد يوم بعد يوم.
وأسعد الله أيامكم المباركة.
المصدر