استعارةٌ مَكنيةٌ جَميلةٌ
د. عبد الرحمن بودرع
الأرضُ دابةٌ لَها ظهرٌ مَركوبٌ، وفوقَ ظهرِها دَوابُّ راكبةٌ
تشبيه الأرض بالدابّة والجامعُ بينهما الظَّهرُالمَجعولُ للاستقرار
« وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ » فاطر / 45
الضمير في "ظهرها" للأرض، والسياقُ دالٌّ عليْها. والأصلُ في "الظَّهر" مَتنُ الأرضِ الذي يظهر منها، وهو في مقابل البطن؛ فأطلِقَ على ظهر الإِنسان أيضاً وإن كانَ غيرَ ظاهر لأن الذي يظهر من الإِنسان بطنُه. ونُسبَ إلى الأرضِ ظَهْرٌعلى وجه الاستعارَة، لأنها مبسوطةٌ لاستقرار الخلائق الأرضية لبسطها الذي تستقر عليه مخلوقات الأرض. فقَد شُبهَت الأرضُ بالدابّةِ على سبيل الاستعارَة ثمّ عَمَّ وشاعَ.
استمعْ إلى قول السَّرِيّ الرَّفاء وهو يَصِفُ شِعْر نفسِه:
إِذَا مَا صَافَحَ الأْسْمَاعَ يَوْماً *** تَبَسَّمَتِ الضَّمائِرُ والْقُلُوبُ
شبّه سمَاعَ أبياتِ شِعْرِه بزائرٍ محبوب يزور الأسماع، وحذف المشبّه به ورمز إليه بشيء من صفات قدومه زائراً، وهي المصافحة، وأطْلَقَ فِعْل "صَافَحَ" على طريقة الاستعارة المكنيّة. وشبّه الضمائر والقلوب بذي فَم يَتَبَسَّم حين سروره، لكنه حذف المشبّه به ورمز إليه ببعض صفاته وهو التبسُّم، والتبسُّمُ للدّلالة به على سرور الضّمائر والقلوب حين تستقبل على طريق السمع شِعْرَه.
المصدر