الإحالَةُ بالضمير في ظرف المكان
د. عبد الرحمن بودرع
«سُبْحانَ الذي أسْرَى بِعَبْدِه لَيْلاً مِنَ المَسجدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصَى الذي بارَكْنا حَوْلَه» [الإسراء]
بورِكَ حَوْلَه، "حَوْلَه" ظرفُ مَكان يدلُّ على مَكان قَريب من المسجد الأقصى. وفي التعبير "بالبركة حولَه" كنايةٌ عن حصول البركة فيه أولاً، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه تلازمٌ بينه وبين ما حَولَه، وفيه فحوَى خطاب، وفيه مبالغة بالتكثير، ومثلُه حرفُ الجر "في" في قولِ زياد الأعجم:
إنّ السماحةَ والمروءة والندى *** في قبةٍ ضُربت على ابن الحشرج
"ظرف المَكان "حَوْلَه" وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارَ إليه ظرفُ المَكانِ {حوله}: واضعه إبراهيم عليه السلام / ما لَحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما / بركة من دُفن حوله من الأنبياء / أعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه وصلاته فيه بالأنبياء كلهم.
قيمةُ ظرف الزَّمان "حوْلَه" تَظهَرُ في تَعليل الإسراءِ: لقَد بورك حَولَ المَسْرى وليس فيه فَقَط؛ لإظهارِ الآياتِ للنبي صلى الله عليه وسلَّمَ وإطلاعِه عليْها، فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى.
ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها .
وإنما اقتُصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المُسرَى به والعناية بشأنه؛ لأن إظْهارَ الآيات تزيد يقينَ الناظر
لاحظْ أنّ ظرفَ المَكانِ "حَولَه" يُحيلُ إلى هذه المَعاني كلها، أما الظروفُ التي قبَله في الآيَة نفسِها [ليلاً - مِن - إلى] فتُفيدُ تَقييد ما تَعَلَّقَت به مباشَرَةً ومن ثَمَّ تُحيلُ إلى زمان مُتعلَّقاتها أو مَكانه: [أسرى ليلاً - أسرى من المسجد الحرام - أسرى إلى المَسجد الأقصى].
وقَريبٌ منه قولُه تَعالى: « وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ» [يوسف/21]
فقَد أحال بالضَّميرِ إلى "المَثْوى" ولم يَقتصرْ على المُرادِ إكْرامُه؛ وحقيقةُ المَثْوى المَحلُّ الذي يَثوي إليه الإنسانُ، وهو كِنايةٌ عن حالِ الإقامة وهيئَة المَكان وما يتَّصلُ بالمُقامِ كلِّه.
فالحالُ كلُّها مَحْفوفةٌ بكَمال نَوع الكَرَم، من أجلِ المُكْرَم. اجعلي إقامته عندك كريمة ، أي كاملة في نوعها.
المصدر