
السائل(أحمد): ما يقال عنه: ضرورة في اللّغة .. هل له حدٌّ وضابطٌ أم الضّرورة تقدّر بقدرها، كما نقول في قواعد الفقه ؟
الفتوى 62 : هذا سؤال من الأسئلة الملقاة إليّ مشافهة، ومنها ما هو بالإجابة جدير، وأضِنّ به أن يُهمل، لهذا صرتُ أدوّن ما شرُف من ذلك، وقد لا أذكر اسم السّائل كلَّه، لأنه لم يقدّم سؤاله محررًا، أو حفظًا لمقامه؛ لما يظنه العامّة أن المسؤول أعلم من السّائل بكل شيء، وما نحن إلا طلبة علم، بعضنا يذاكر بعضًا، وفي الإجابة المحررة عن أناة وفكر ما ليس في المرتجل منها، ومنها ما يوقظ الذِّكر، ويوقد الفكر، ولا يحين إناه (أي نضجه) في ساعته .. والجواب المحرَّر المختصر في هذه المسألة ذو ثلاث شعب:
الأولى:ما يسمّيه اللّغويون ضرورة، يريدون به ما لجأ إليه الشاعر في شعره من تسكين أو تحريك أو نقص أو تقديم أو تأخير أو زيادة من أجل الوزن، لو قاله في الاختيار وهو النثر لرُفِض، كصرف الممنوع من الصرف لغير تناسب، وكمدّ المقصور، وكقطع همزة الوصل في الوصل، فهذا ونحوه ممّا اتفق على جعله من الضّرورات الشّعرية.
الثانية: لا يوجد - على الحقيقة - في الكلام شعرًا أو نثرًا ما هو من قبيل الضّرورة التي لا معدِل للشّاعر عن ارتكابها، ففي الكلام تصاريف كثيرة يستطيع الشّاعر أن يصرّف فيها الألفاظ على نحوٍ يخرجه من الوقوع في الضّرورة، ولهذا يختلف الشعراء في ارتكابهم للضّرورات، فمنهم مهتدٍ إلى الكلمات المناسبة بلا ضرورة، وكثير منهم لا يهدي إليها، وقد استطاع بعض الفصحاء اجتناب الرّاء في الكلام، وربع الكلام العربي أو أكثر لا يخلو من الرّاء، يُنقل ذلك عن واصل بن عطاء الغزال، واشتهر به .. وكأن اللّغويين يقدّرون ضيق الفرصة لدى الشّاعِر، كأنما يقول شعره ارتجالاً بلا مُهلة، فسمّي لذلك ما يقع فيه من مخالفة لقوانين العربية ضرورة، وأمّا من يكتب شعره في بيته وقلمُه بيده وبساط الزمن ممدود بين عينيه؛ فهذا كيف يقال عن عدوله عن سنن الكلام: إنه ضرورة، بل هذا من الباب الذي يسمّى لدى الفقهاء: بالحاجيات.
الثالثة: في كلام الشعراء ما هو من قبيل اختلافات اللغات، ويسمّيه بعض الّلغويين ضرورةً تساهلاً، كقصر ممدود .. وفي هذه اللّمحة كفاية.