mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي هل يتحول التراث العربي إلى ألغاز وطلاسم؟!

كُتب : [ 04-20-2020 - 01:24 PM ]


هل يتحول التراث العربي إلى ألغاز وطلاسم؟!
د. محمود محمد الطناحي




لم يعد خافيًا على أحد ذلك التدني الذي وصل إليه خريجو أقسام اللغة العربية في جامعتنا خلال العقود الأخيرة، وهؤلاء الخريجون هم الذين يتولون تعليم أولادنا في المدارس، وهم أيضًا الذين يسمعوننا الكلمة العربية من خلال الإذاعة والتلفزيون، ولو ترك الأمر على ما هو عليه الآن فالله وحده هو الذي يعلم أبعاد الكارثة التي ستطبق على هذه الأمة، ونخشى أن تغشانا طوارقها ذات يوم وقد استحال تراثنا الذي ضني به الأوائل خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان: ألغازًا وطلَّسمات، كالذي تراه على جدران المقابر والمعابد ولفائف البردي، رموزًا قديمة تخفى على جمهرة الناس، ولا يعقلها إلا العالمون، ويومها سنقول:

اسْتَعجَمَتْ دارُ مَيٍّ مَا تُكلِّمُنَا *** والدَّارُ لو كلَّمتْنا ذاتُ أَخْبَارِ



وها هي نذر الفتنة قد أطلت برأسها، فلن يستطيع أحد مهما غلا في تقدير كليته أو معهده أن يزعم أن طالبًا متخرجًا في هذا المعهد أو تلك الكلية يستطيع الآن أن يقرأ سطرًا من كتاب سيبويه، فضلًا عن أن يفهمه أو يحل رموزه، وإذا لم يستطع خرَّيج كلية تُعنى باللغة العربية وآدابها أن يقرأ سيبويه، فمن ذا الذي يقرأه؟ وإذا لم يقرأه في سني دراسته فمتى يقرأه؟



إن الأخطاء اللغوية والنحْوية صارت تأخذ علينا الطرق وتأتينا من كل مكان؛ وهي أخطاء بشعة مفزعة تشمل كل شيء: من الأخطاء في أبنية الأسماء وأبنية الأفعال ومخارج الحروف وصفاتها، وأسماء الأعلام والكنى والألقاب والأنساب، ولا تسأل عن غياب العلامة الإعرابية أو التخليط فيها، وقد كنت عنيت يومًا برصد هذه الأخطاء وتحليلها، ولكني رأيت الأمر قد اتسع اتساعًا عظيمًا، وتشعب تشعبًا مفزعًا، وأصبحت أنا وهذه الأخطاء كالذي قاله الأول:

تكاثرتِ الظباءُ علَى خِرَاشٍ *** فما يدْرِي خِراشٌ ما يَصِيدُ



وإن أبناءنا وبناتنا في معاهد العلم ليأتوننا كل يوم بكل غريبة وعجيبة من معلميهم ومعلماتهم، وكلما رتقت فتقًا تخرَّق عليك آخر، وكلما سددت ثلمة انفتحت أمامك أخوات لها أوسع وأبشع.



والسوأة السواء في تلاوة القرآن العزيز، فقد استعجم كلام ربنا - عزَّ وجلَّ - على ألسنة معلمي المدارس، وصاروا يتلونه على تلاميذهم محرفًا ومزالًا عن جهته، ثم أصبحتَ تسمعه من بعض المذيعين والمذيعات كذلك مغلوطًا ملحونًا. وهذه هي المصيبة التي تتضاءل دونها كل مصيبة، وهذا هو الخطر الماحق الذي يجب أن نقف جميعًا أمامه ندرأه وندفعه، فإن القضية بهذه المثابة قد صارت دينًا يُغْتال وشريعةً تنتهك، ولا بد أن يقول فيها كل غيور على دين الله كلمته، لا يتتعتع ولا يتلجلج، لا يفزعه سخط الساخط، ولا يخفيه سلطان هؤلاء الذين يظنون أن بيدهم إغلاق الأبواب وفتحها، وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناس أن يقولَ بحقٍّ إذا علِمَه».



عود على بدء:

ولقد تابعت هذه القضية منذ زمان بعيد، ورأيت أهل العلم يردونها إلى أسباب كثيرة، على أني لم أرَ من وضع يده على أصل البلاء ومكمن الداء إلا قارئًا كريمًا هو الأستاذ طارق البوهي - بكَفْرِ الشيخ - وقد علمت فيما بعد أنه من رجال التربية، وقد جاء رأيه هذا في سطر واحد منشور في باب (مجرد رأي) بجريدة الأهرام قال: «لا يجب أن نقسو كثيرًا على الشباب، فهم نتاج البذور التي ألقيت والتعليم الذي أعطي لهم ومجالات الثقافة التي تلقوها». وهذا رجل صادق، عرف الحق فقاله، ولم يضيع نفسه ويضيعنا في متاهات التفلسف والتنظير واللف والدوران.



ثم إنه - أحسن الله إليه - قد وضع القضية في حاق موضعها: ماذا يتلقى طالب العربية الآن في كليات اللغة العربية وأقسامها بالجامعات؟ أمشاج من قواعد النحو والصرف مطروحة في مذكرات يمليها الأساتذة إملاء أو يطبعونها طبعات تزيد عامًا وتنقص عامًا، واختفى الكتاب القديم لتحل محله هذه المذكرات والمختصرات، ودفع الطلاب دفعًا إلى الملل من قراءة الكتب، و«المللُ من كواذب الأخلاق» كما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه.



إن هجر الكتاب القديم - وهو وعاء العلم ومستودع التراث - والاستعاضة عنه بالمذكرات والمختصرات، قد حجب عن هذا الجيل كوى النور، وحلأهم عن موارد العلم... وكان من أخطر الأمور ردُّ ذلك إلى التيسير والتسهيل والتخفيف على الناشئة، ولقد مضينا في التيسير والتسهيل خطوات وخطوات حتى انتهينا إلى هذا الذي نشكو منه ونضيق به، ونسأل الله السلامة منه.



على أن تيسير النحو قد سلك دروبًا مظلمة، فليس من التسهيل والتيسير أن تدع «زيدًا وعمرًا» في التمثيل لتقول: «سمير وأشرف»، وليس من التسهيل والتيسير أن تترك التمثيل على القاعدة النحوية بالشاهد القرآني والحديثي وأشعار العرب وأمثالها لتكتب قصة متكلفة عن نزهة في القناطر الخيرية، أو زيارة إلى أهرامات الجيزة، أو حكاية عن الفلاح في الحقل، لتستخرج من كل ذلك شواهدك على القاعدة النحوية والصرفية.



وليس يشك عاقل في أن التمثيل لتقدم المفعول على الفاعل بمثل: «قطف الوردة طفل» ليس في قوة الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ﴾ [البقرة: 124]، وقوله: ﴿ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ﴾ [البقرة: 133]، وقوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ [آل عمران: 140]، وقوله: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا ﴾ [الحج: 37]، وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: «ألا لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناسِ أن يقولَ بحقٍّ إذا علِمَه»، وقول جرير:

جاءَ الخلافةَ أو كانتْ له قدرًا *** كما أتى ربَّه موسَى على قَدَرِ



فأنت مع المثال الأول أمام تركيب تمثلت فيه القاعدة النحوية، لكنه كالتمثال الأصم، فاز من الوسامة والقسامة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنه تمثال جامد فاقد الحركة والنطق. أما مع الأمثلة القرآنية والحديثية والشعرية فأنت أمام نماذج تنتعَّش بالحياة وتمور بالحركة، مع ما تعطيه من أُنس خبرة بالأبنية والتراكيب العربية. ومن هنا احتلت الشواهد التراثية في تقعيد النحو مكانة عالية.



على أنه ينبغي أن يكون واضحًا أن فكرة التيسير على الناشئة كانت ظاهرة بينة في فكر النحاة الأوائل رضوان الله عليهم: فابن السراج المتوفى 316هـ يؤلف كتابًا كبيرًا في النحو هو «الأصول» ثم يضع إلى جانبه مؤلفًا صغيرًا جدًّا هو «الموجز»، وأبو علي الفارسي 377هـ يؤلف «الإيضاح» وهو متن صغير سهل العبارة إلى جانب كتبه الكبار: التذكرة والشعر والحجة والشيرازيات... وغلامه ابن جني العظيم - كما كان يصفه أستاذنا الطيب الدكتور كمال بشر أطال الله في النعمة بقاءه - يؤلف بجانب الخصائص والمنصف وسر صناعة الإعراب والمحتسب رسائل موجزة في النحو والصرف، مثل اللمع والملوكي في التصريف.



وأبو القاسم الزجاجي 340هـ يصنف كتابًا في الفكر النحوي هو «الإيضاح في علل النحو» ثم يؤلف للناشئة كتابه الشهير «الجمل»، وهو كتاب سهل رهو، وقد جاء عنوانه في الأصل المخطوط هكذا: «كتاب الجمل في النحو... اختصار أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي» أرأيت إلى كلمة «اختصار»؟



وقد وقفت عند كتاب غريب أراه صورة واضحة الدلالة على أن علماءنا الأوائل كانوا مشغولين حقًّا بتربية الناشئة والتيسير عليهم والتدرج معهم في تعليم النحو. وذلك هو كتاب «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» لأبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه المتوفى سنة 370هـ. لقد كان المألوف في زمن ابن خالويه والأزمان التي سبقته والتي جاءت بعده أن يتصدى العلماء لإعراب القرآن الكريم كله، ولكن الذي صنعه ابن خالويه شيء عجب: لقد وضع كتابه لإعراب ثلاثين سورة فقط، مبتدئًا بسورة الطارق، ومنتهيًا بسورة الناس، ثم افتتح كتابه هذا بإعراب الاستعاذة والبسملة، وفاتحة الكتاب... ولا تفسير لصنيع ابن خالويه هذا وإيثاره لإعراب قصار السور هذه إلا أنه وضع الناشئة أمامه، لأن هذه السور من أوائل ما يحفظه الصبيان من الكتاب العزيز، وأنها كثيرة الدوران على ألسنتهم، وأن عرض قواعد النحو والصرف من خلال هذه السور القصار مما يثبتها ويمكنها في النفوس.



فتعليم النحو من خلال هذه الكتب القديمة الموجزة فيه تثبيت للعربية وتمكين لها في النفوس، مع التقاط معارف أخرى تأتي من خلال الشواهد والنصوص، وينبغي أن نحسن الظن بناشئتنا ولا نخشى عليهم من التعامل مع الكتاب القديم فإن فيهم خيرًا كثيرًا... ولقد كانت لي تجربة جيدة هذا العام، حين دعيت إلى تدريس النحو لطالبات السنة الأولى بكلية البنات بجامعة عين شمس، وقد قرأت معهنَّ شيئًا من كتاب "شذور الذهب" على خوف مني ووجل، لكني صبرت نفسي معهنَّ واحتشدت لهن احتشادًا، وكانت تجربة ناجحة جدًّا، وتلقت الطالبات كلام ابن هشام بقبول حسن، وقد رأيت من هؤلاء الطالبات نماذج مبشرة بخير كثير.



والغريب حقًّا أن زملاءنا الأكرمين بالجامعات المصرية ينفرون من تدريس الكتاب القديم، وحين يخرجون إلى جامعات دول الخليج يحملون حملًا على تدريسه، وهناك يؤدونه بكفاءة عالية جدًّا، لأنهم بلا ريب أهل فقه وبصيرة، ولأنهم أيضًا ينتمون إلى جيل المتون الذي سأحدثك عنه.



جيل المتون:

على أن أخطر ما في هذه القضية أن يقترن تعليم النحو من خلال المذكرات والمختصرات بالطعن على أئمة النحاة والإزراء بتصانيفهم وغياب المنهجية في تآليفهم ومحاكمتهم إلى مناهج غربية ظهرت بعدهم بقرون.



ومما لا شك فيه أن أساتذتنا الأفاضل، وزملاءنا الأكرمين الذين يدورون في هذا الفلك إنما ينتمون جميعًا إلى الجيل العظيم: جيل المتون والحواشي، نعم كلهم من جيل الحفظة... حفظة القرآن الكريم والمتون والمنظومات، وهذا شيء أعرفه تمامًا، وبخاصة عند أبناء كليتي: دار العلوم، من الجيل الذي سبقني والذي زاملني والذي جاء بعدي بقليل، فهؤلاء جميعًا قد تعلموا النحو من خلال الكتاب القديم، على هذا السياق، وبذلك الترتيب: التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية - تنقيح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري - قطر الندى وبلّ الصدى - شذور الذهب في معرفة كلام العرب، كلاهما لابن هشام - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك - أوضح المسالك على ألفية ابن مالك لابن هشام - شرح الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان عليه.



وبهذه المسيرة الأصيلة الضخمة استطاع أساتذتنا وزملاؤنا أن يفقهوا النحو ويبرعوا فيه ثم يكتبوا مذكراتهم ومختصراتهم. وأيضًا نقدهم للفكر النحوي. ولو أنهم تربوا من أول أمرهم على المذكرات وتعلموا من المختصرات لما فقهوا ولما برعوا، ولما كتبوا «نحوهم الكافي والشافي والصافي والوافي».



ثم إن الخطر كل الخطر: أن يصدر التشكيك في النحو ومصطلحاته من أساتذة كبار لهم في النفوس مكان ومكانة، ولكلامهم في القلوب وقع وتأثير. ومن ذلك ما وقع في يدي ذات يوم، من كلمة للأستاذ الكبير الدكتور زكي نجيب محمود - متعه الله بالصحة والعافية - بجريدة الأهرام بتاريخ 1/ 12/ 1988 بعنوان: «العربي بين حاضره وماضيه»، ضمن سلسلة مقالاته التي اختار لها عنوان: «عربي بين ثقافتين»، وقد أدار كلمته هذه حول تقييم الموروث الذي انتهى إلينا من ماضينا، وأنه ينبغي علينا أن ننتقي ونختار، وأن ننظر إلى «نوع الحصيلة التي اخترناها لتكون هي ماضينا المبثوث فينا، وذلك لأننا قد نسيء الاختيار - وكثيرًا جدًّا ما نفعل - فنبث عوامل الضعف والشلل من حيث أردنا القوة وانطلاقه الحياة».

رد مع اقتباس
 


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:50 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by