اللغة العربية وتحديات العصر الحاضر في ظل العولمة
أ.د. كاشف جمال
اللغة العربية تحظى بمكانة مرموقة بين لغات العالم،باعتبارها اللغة الأم لما يربو على مائة وستين مليونا من المسلمين والعرب من جانب، وآخر، أنها اللغة المقدسة لما يربو على ألف مليون مسلم في جميع أنحاء العالم، فهي اللغة الأم لسكان العربي، واللغة الثانية لسكان العالم الإسلامي، وثالث لغات العالم من حيث سعة انتشارها وسعة مناطقها، وإحدى اللغات الست التي تكتب بها وثائق الأمم المتحدة، إنها اللغة التي اختارها الله لينزل بها أفضل كتبه على أفضل رسله. وبالتالي فهي إحدى اللغات الحية والمتفاعلة مع باقي لغات الشعوب والأجناس والحضارات. أضف إلى ذلك أن " اليونسكو" قد اعتمدت يوم 18 ديسمبر من كل عام، يوما عالميا للغة العربية، وأقرت أن هذه اللغة يتحدث بها اثنان وعشرون عضوا من الدول الأعضاء في " اليونسكو" وهي لغة رسمية في المنظمة
ومما لا شك فيه أن اللغة تؤدي دورا مهما في حياة الأمم وتاريخها بحيث هي ماضيها وحاضرها ومستقبلها وصورتها وفكرها وروحها ومصيرها. ولا وجود لأمة بغير وجود اللغة إذ يتم بها التواصل بين أبناء المجتمع، وعن طريقها يكتسب الناس خبراتهم ومهاراتهم، وتنمو معارفهم، ويرتبطون فيما بينهم، وبتراثهم وحضاراتهم، ويتواصلون مع ركب الحضارة والتطور.
اللغة وعاء الثقافة وأقدم تجليات الهوية، على اعتبار أن اللغة المشتركة هي التي تجعل من كل فئة من الناس " جماعة" واحدة، ذات هوية مستقلة، يزداد الاهتمام باللغة العربية والهوية معا، ويشيع الحديث عنهما، في المفاصل التاريخية في حياة الجماعات، وفي الغالب يتم الربط بينهما ويتماهيان إلى درجة أنهما يكادان يصبحان شيأ واحدا. وبأخذ الاعتبار لأهمية اللغة العربية قد أورد بعض العلماء الأجانب أقوالا عن أهمية اللغة العربية ومكانتها في المجتمعات، حيث قال الفرنسي إرنست رينان:" اللغة العربية بدأت فجأة على غاية من الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس طفولة ولا شيخوخة"، أما الألماني فريتاغ فقال فيها:" اللغة العربية أغنى لغات العالم".أما الدكتور عبد المعطي الدالاتي فقد أورد أبياتا في اللغة العربية، حيث قال:
لغتي عليا اللغات
قد سمت كالكوكب
جرسها بين اللغات
كرنين الذهب
قد غدت أخت الخلود
بالكلام الطيب
قد شعر العلماء بأهمية اللغة العربية في كل عصور وركزوا عنايتهم وجهودهم على صفاء هذه اللغة و إثراءها وحفاظة عليها من شوائب الدهر ونفي الغش والزغل عن مفرداتها حيث يقال لم تحظ أي لغة أخرى مثل ما حظيت به اللغة العربية من عناية وجهود جبارة في تلبية متطلبات العصر ومقتضاياتها حتى أصبحت لغة علمية حية. وفي كلمة أبي العلاء المعري هي لآلئ لا ينبغي أن تختلط بالحصا والتراب حيث قال:
من الناس من لفظة لؤلؤ يبادره اللقط إذ يلفظ
وبعضهم قوله كالحصى يقال فيلغى ولا يحفظ
ولكن في العصر الحاضر، قد واجهت اللغة العربية من تحديات ضخمة على مستويات عديدة في نظام العولمة باعتبارها وعاء للثقافة العربية وللحضارة الإسلامية. فالعولمة هي مصطلح أكثر انتشارا وصيتا في كل مجالات الحياة، نعم اللغة أيضا تأتي تحت دائرة التاثير لهذة الظاهرة،فكيف لا؟ حين يأتي خطرالعولمة من هيمنة النظام العالمي الذي يرفض صياغة العالم الجديد متعدد الأقطاب والمراكز والثقافات واللغات.والسوال هنا،ما هي العولمة ؟وما هي أبعادها وتاثيرها على اللغة العربية؟
العولمة:
إن العولمة مصطلح مقاسي (Standard) يشمل كل مجالات الحياة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية، وإن وجدناه ينسحب أساسا على مضمون اقتصادي، وهي تعنى لغة: الكلية الجغرفية والبشرية ومقوماتها المادية والروحية، لتقابل في الألسن اللاتينية كلمة (Globalization).
ويرى محمود أمين العالم أن العولمة مفهوم مركب: سياسي إقتصادي ثقافي، يصبح معها الاستتباع كليا والسيطرة عامة: اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا وإعلاميا وإيديولوجيا ولغويا وثقافيا وحضاريا.
ولعل أحسن تعريف للعولمة ما يذكره عابد الجابري من أنها: " تعميم الشئ وتوسيع دائرته يشمل الكل، وجعله على مستوى التسخير العالمي، بحيث ينقل من الحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن المراقبة. ويذهب الكثير من الدارسين إلى أن العولمة تعني هيمنة دول المركز وسيطرتها – في ظل نظام عالمي- على بقية الدول الأخرى في جميع المجالات الحيوية كوحدة سيبيرنية موجهة.
ومن هذا المنظور، العولمة تعني سيطرة اللغة القوية على اللغات الأخرى الضعيفة وتهميشها في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية، حيث تحل محلها اللغات الأقوى وبصورة خاصة اللغة الإنجليزية.
العولمة هي سلاح ذو حدين، فإما أن تتيح فرصة نوعية لانفتاح الشعوب والثقافات على بعضها البعض لغاية التعريف بالتراث الحضاري والفكري واللغوي والروحي للشعوب، مما يؤدي إلى احترام الحق في الاختلاف والتنوع والاعتراف لكل ثقافة بإسهاماتها في الحضارة الإنسانية الواحدة، أو أنها تؤدي إلى تدمير الثقافات، إذا كانت غايتها إلغاء الآخر بفرض التجانس، مما يؤدي إلى تحويل النتاجات الثقافية إلى سلع تتحكم فيها قوانين السوق.
إن العولمة بمفهومها السلبي هذا إنما تؤدي إلى تطويق الإبداع الأدبي والفني لدى الشعوب ذات الهويات الثقافية المتميزة، كما تهمش الثقافة الوطنية واللغة القومية من خلال فرض لغة وثقافة القطب الاقتصادي الذي ينتج وحده ويفرض لغته وثقافته عبر وسائل الاتصال التي يملكها، وأخيرا فإنها تؤدي إلى تقليص العلاقة بين المثقف والخبرة المباشرة بعمله وبالحياة من حوله، من خلال تقديم كل ما كان يختبره العالم والمثقف بنفسه، جاهزا موثقا فتغنيه عن الانتقال والبحث فيصبح إنسان المستقبل نسخا متطابقة.
مظاهر عولمة اللغات
لقد ظهرت جذور عولمة اللغات مع موجات الاستعمار الإستيطاني في العالم الثالث عامة، وفي العالم العربي خاصة. وقد برزت تلك الهجمات في المظاهر التالية:
• محاولة إلغاء اللسان العربي واستبداله باللسان الإنجليزي، في المشرق العربي، وباللسان الفرنسي في المغرب العربي. ومن أمثلة ذلك القرار الفرنسي لسنة 1949 ونص ترجمته " لا ننسى أن لغتنا الفرنسية هي اللغة الحاكمة، فإن قضاءنا المدني والجزائي يصدر أحكامه على العرب الذين يقفون في ساحته بهذه اللغة، وبهذه اللغة يجب أن تصدر بأعظم ما يمكن عن السرعة جميع البلاغات الرسمية، وبها يجب أن تكتب جميع القيود، وليس لنا أن نتنازل عن حقوق لغتنا.
• محاولة استبدال اللغة العربية الفصحى باللهجات المحلية،أو كتابتها بالحروف اللاتينية، كماحدث في تركيا والفلبين مع تشجيع أكثر من لهجة في القطر الواحد.
• السعي إلى التقليل من أهمية اللسان العربي باعتباره لغة ثانية في الأقطار المستعمرة آنذاك كما حدث في مصر على لسان المستشرق(وليم ولكوكس) الذي ذهب إلى القول بأن المصري يقرأ بالعربية ثم يترجم ما قرأه إلى العامية، وأن عليه في هذه الحالة أن يرسم العامية بالحروف اللاتينية أو يتبنى اللسان الانجليزي. وكان الهدف من وراء ذلك هو محاولة تشتيت اللسان العربي بين اللهجات الجهوية.
تحديات العصر الحاضر للغة العربية
البحث في تحديات العصر الحاضر للغة العربية له أهمية قصوى،وذلك بأسباب تالية:
• السبب الأول يعود إلى الدين الحنيف، فهذه اللغة وعاء للفكر الإسلامي عبر خمسة عشر قرنا من الزمان، وهي الوسيلة لأداء العبادات وبخاصة الصلوات الخمس وتلاوة القرآن الكريم.
• والسبب الثاني يعود الى أن اللغة العربية لها وظيفة اجتماعية، فهي التي نتواصل بواسطتها من المحيط إلى الخليج، والحفاظ عليها هو السبيل لبقاء التلاحم القومي بين الناطقين بها.
• والسبب الثالث يرجع إلى تراثنا الأدبي المتنوع الذي هو مفخرة لنا، ولا نستطيع التواصل معه إلا من خلال اللغة العربية.
• والسبب الرابع هو سبب إنساني، فاللغة العربية ثروة ثقافية للإنسانية قاطبة،وقد استفادت منها اللغات الأخرى كالعبرية والفرنسية والإنجليزية، واندثار هذه اللغة أو اضمحلالها معناه ذهاب أحد أهم الموارد المغذية للغات الإنسانية.
اللغة العربية دائما واجهت من التحديات والصراعات إما من العوامل الخارجية أو من الداخلية، ولكن أحيانا طبيعة المواجهة تكون شديدة وأخرى تلين. وبناء على ذلك فإن اللغة العربية واجهت في تاريخها أربع محاولات قاتلة، ولكنها خرجت منها أشد شكيمة وأقوى عزيمة، وهذه المواجهات التاريخية هي:
المواجهة الأولى: ظلت اللغة العربية في تصاعد وتفتح مستمرين إلى نهايات العصر العباسي الأول، إذ بدأ الانحلال العام وغياب السلطة العربية فعليا لا اسميا، فلما غابت السلطة بعد ذلك اسميا وفعليا وتحولت بعد غزوالمغول والتتر إلى غير العرب أصاب اللغة ما أصاب الإنسان العربي من ذل وهوان، ودخلت اللغة في نفق مظلم لا يودي إلا إلى الموت. وبرزت الموضوعات الهزيلة، كالبرذونيات مثلا، وصار الشكل جسدا بلا روح وحياة،وانتشرت العامية العربية وسواها في بنية اللغة.
2. المواجهة الثانية (التتريك): كانت الخلافة العثمانية استمرارا ولو اسميا للخلافة العربية الإسلامية، فحكمت البلاد والعباد في بدء الخلافة على أنهم أصحاب الرسالة السماوية الإسلامية، ولكن الأتراك كانوا يخفون أحقادهم على هذه الأمة، وخاصة في عصر الطورانيين الجدد أصحاب جمعية (الاتحاد والترقي).
3. المواجهة الثالثة (المستعمر الغربي واللغة العربية): لم تكن حال اللغة العربية مع المستعمر الجديد (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا) بأفضل مما كانت عليه، وإنما كان هذا المستعمر أبعد صبرا وأكثر حنكة وعلما ومعرفة، فسعى إلى هدم اللغة العربية للقضاء على القومية بوساطة اتجاهين: الأول اتجاه المستشرقين المسخرين لهذه الغاية وقد قاموا بدراسة اللهجات وبث السموم والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد،وشجعوا بعض الأقليات بالبحث عن لغات بديلة.
والثاني أن المستعمرين وجدوا من يتعاون معهم من النخبة لهذه الغاية، فقربوهم وأغروهم بالمناصب والمال.
وتعد قصيدة حافظ إبراهيم صورة صادقة عن حالة اللغة العربية في هذا العصر، ومنها قوله:
أرى لرجال الغرب عزا ومنعة
وكم عز أقوام بعز لغات
أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا
فيا ليتكم تأتون بالكلمات
أيطربكم من جانب الغرب ناعب
ينادي بوادي في ربيع حياتي؟
4.المواجهة الرابعة (العربية في عصر العولمة): تواجه العربية حالا فريدة، وهي معرضة لهجوم عاصف ومواجهة لم تشهد مثيلا لها من قبل فإما الصمود وإما السقوط، ونحن في حال لا نحسد عليها، ومن صورها الانقسام والتناحر وإقامة الدولة القطرية بديلا من الدولة القومية ذات اللسان العربي، ومما يعزز ذلك كله أن الإحساس القومي بدأ بالتراجع السريع بدلا من التضامن والتعاون للوقوف إزاء الهجمة الضارية التي نتعرض لها من الاستعمارالجديد المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية التي جعل الشرق الأوسط مسرحا لعملياتها، وعسكرت علماءها لضرب الاقتصاد العربي بحجة العولمة. أما اللغة العربية فكان لها النصيب الأكبر من توجيه السهام للقضاء عليها اجتماعيا وبنية، فعلى الصعيد الاجتماعي تراجع اهتمام المجتع والأهل باللغة العربية لمصلحة اللغة الإنكليزية على أساس أنها الضامن الوحيد لمستقبل أفضل لأولادهم.
نعم، التحديات للغة العربية أصبحت خطيرة في ظلال العولمة،وتزداد يوما بعد يوم، فكيف لا؟ إذ العولمة تسعى الى جعل العالم المتعدد والمتمايز والمختلف في إطاره الجغرافي ولغته وثقافته في كتلة واحدة. واللغة العربية كادت تنهار بسبب الهجمة الشرسة من قبل وسائل الإعلام ليلا ونهارا في العالم الذي يتوجه نحو حرب حضارية تكون فيها القيم الثقافية والرمزية هي الحدود القتالية.
أما النوع الأول من التحديات فهي تحديات داخلية وتتمثل في الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة العربية، حيث وجدنا من يدعو إلى هجر هذه اللغة الفصحى واستبدال العاميات المحكية بها، أو مزجها بالعاميات بدعوى التسهيل والتيسير، أو الاعتماد على اللغات الأجنبية بديلا عنها، وكأن التطور لا يكون إلا بالانسلاخ من اللغة العربية، علما أن هنا لك أمما كثيرة قد تطورت مع حفاظها على لغتها القومية كاليابان والصين وروسياوإسرائيل وسائر الدول الأوروبية. فليست اللغة إلا أداة للتعبير ووسيلة من وسائل التفكير وليست هي التفكير بنفسه، ولا يمكن أن نحملها مسؤولية الفوضى والتقهقر الحضاري الذي تعيشه الأمة على مختلف الأصعدة. فالأزمة الحقيقية هي ليست أزمة اللغة العربية نفسها، بل هي أزمة التعامل مع هذه اللغة.
ومن المهم أن لا نغفل بأن اللغة العربية تواجه أكبر خطورة في صورة التحديات الداخلية. وهذه التحديات تأتي من عامة الناس يعيشون فيما بيننا، ويتحدثون باللغة العربية، ولكنهم يطالبون بنبذها ويستبدلون بالعاميات تحت شعار الواقعية ويرغبون بشدة في استخدام اللغة الإنجليزية في حياتهم العادية.
ولا يمكن لنا أن ننسى بأن اللغة العربية هي لغة كل موضوع وعلم وفن، وهذه هي ميزتها الكبرى لا تتضمنها أي لغة أخرى. وهي لغة المدن والتمدن وفي الوقت نفسه لغة الصحراء، أفهل نسيتم دارالحكمة في بغداد؟ وهل نسيتم ما كتبه الجاحظ في فنون عديدة لم يكتشفها الغرب إلا بعد ألف سنة؟ والطب والصيدلة والرياضيات وشروح أرسطو وعلم الفلك وعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ.... الخ.
ألم تكن تكتب بالعربية التي أوجدت لها التعابير المناسبة؟ واليوم لقد أوجدت أسماء عديدة لاختراعات كثيرة. إن أمثال كلمات النفاثة، والصاروخ، والدبابة، والغواصة، والهاتف، والمحرك، والطائرة، والطاقة الكهربائية، والطاقة النووية وغيرها. أليست هذه بكلمات عربية مائة بالمائة؟.
وقد عرض الدكتور محمد محمد حسين ما تشمل التحديات الداخلية، وهي عنده ثلاثة:
1. منها ما يتعلق بإصلاح النحو والقواعد
2. ومنها ما يتعلق بالخط العربي
3. ومنها ما يتعلق بالأدب العربي
يقول الدكتور: فلنعد إلى عرض هذه الدعوات الهدامة التي تستهدف قتل العربية الفصيحة في شئ من التفصيل. نستطيع أن نحصر هذه الدعوات في شعب ثلاث: تتناول أولاها اللغة، فيطالب بعضها بإصلاحها، ويطالب بعضها الآخر بالتحول عنها إلى العامية. وتتناول ثانيتها الكتابة، فيدعو بعضها إلى إصلاح قواعدها، ويدعو بعضها الآخر للتحول عنها إلى الحروف اللاتينية. وتتناول الشعبة الثالثة: الأدب، فيدعو بعضها إلى العناية بالآداب الحديثة، وما يتصل منها بالقومية خاصة، ويدعو بعضها الآخر إلى العناية بما يسمونه (الأدب الشعبي) ويقصدون به كل ما هو متداول بغير العربية الفصيحة، مما يختلف في البلد الواحد باختلاف القرى وبتعدد البيئات".
والنوع الثاني: تحديات خارجية وتتمثل في مزاحمة اللغات الأخرى لها، والغزو الفكري الوافد من الأمم الأخرى، والمتمثل أخير بالعولمة التي تريد ابتلاع ثقافات الأمم والشعوب، والقضاء على هذا التنوع اللساني في العالم، حتى وجدنا دولة عظمى كفرنسا تضج من زحف العولمة، ويقرر زعماؤها بأن التنوع ضرورة، وذلك حفاظا على لغتهم من الانحسار والضياع بعدذلك، فما بالك باللغة العربية التي لا يروج لها أحد، بل صرت تمشي في مدن العرب وأسواقها فلا تجد إلا إعلانات ملحونة بالعربية، وربما لا تجد العربية أصيلا فوق بعض الحوانيت، وكأن اللغة العربية قد انفرضت من واقعنا الاجتماعي.
ومما لا شك فيه أن العولمة هي من أخطر التحديات التي تواجه العالم العربي والإسلامي في العصر الراهن باعتبارها تؤثر في ثقافة الشعوب وهويتها وحضارتها بواسطة مختلف الوسائل والطرق. وبما أن اللغة عنصر مهم من عناصر الثقافة ولا داعي هنا أن نقول بأن اللغة العربية ما تأثرت بالعولمة الثقافية، بل امتدت جذورها في عدة جوانب على جميع الأصعدة بدءأ بالنشر العلمي وتبادل الخبرات التكنولوجية مرورا بالتعليم العالي والتجارة والصناعة وغيرها،ومن مظاهر هذا التأثير على سبيل المثال لا الحصر:
دخول مصطلحات دخيلة في اللغة العربية، وتعريب المصطلحات الأجنبية كي تواكب اللغة العربية التطور التقني والعلمي الذي يشهد العالم اليوم، وتأثير التراكيب والأساليب اللغوية الجديدة الغربية على اللغة العربية نتيجة الترجمة من الانجليزية، وازدواجية اللغة بين العامية والفصحى، والتحدي الإعلامي والعلمي والتقني وغيرها.