mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية إدارة المجمع
 
إدارة المجمع
مشرف عام

إدارة المجمع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post لغويات الشيخ محمد سعيد الطنطاوي (رحمه الله) - أ.د. رياض الخوام

كُتب : [ 09-29-2019 - 08:23 PM ]




الحمد لله رب العالمين،وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد نا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:

فقد ضجت الأرضون بموته،وتناقل المحبون خبر وفاته، وكثرت مقالاتهم تشيد بفضائله ومآثره،فصوروا فيها أحزانهم ومشاعرهم لفقدهم عالماً هو أعزُّ من بيض الأنوق في زماننا، وأندر من الكبريت الأحمر في عصرنا، وحالي كحالهم، ففقد المشايخ الأجلاء، والعلماء الكُمّل الأولياء، رزية كبيرة وفاجعة عظيمة، لاسيما عند من تعلقت روحك به، وتأثرت حياتك كلها بفكره ومنهجه وتطلعاته، عرفته منذ خمسة وثلاثين عاماً، لايكاد يمر يوم تقريباً من غير أن تكتحل عيناي برؤيته في مسجد فقيه الكائن في حي العزيزية، إذ كنا نصلي معه ثم نشيعه إلى بيته، أحياناً ندخل معه لزيارته وأحياناً نؤمن أنه دخل شقته ونعود أدراجنا وقد امتلأنا منه فوائد علمية، ورقائق وعظية، قلّ أن تسمعها من غيره، وحين كنت أدخل معه إلى بيته، كنا نتناول أطراف الأحاديث، فخطر لي أن أسجل ما كنت أسمعه منه، بعد رجوعي إلى بيتي، فاجتمع عندي مائتا صفحة تقريباً سأنشرها بعدُ حباً ووفاء، لهذا الشيخ التعلامة، مضيفاً إليها ماحدثني به ابنه القلبي أنس عدي الذي تشرف مع أبيه أخي الكريم نور الدين عدي بخدمة الشيخ وملازمته ومعهم الأخ الفاضل عبد الرحمن الحجار الذي وهب نفسه للشيخ أيضاً حباً ومودة وتلمذة، فكل ما حدثني به هؤلاء الأحبة ذكرته في مذكراتنا التي سأنشرها لاحقاً، تشرفت بخدمته حين وجدت له الشقة السكنية التي لم يغادرها إلا بعد اشتداد أسقامه وآلامه إذ رأى الإخوة جميعاً أنه بحاجة إلى مراجعة مشفى سليمان فقيه كل مدة من الزمن، فتقرر أن يذهب إلى بيت الفاضلة بنت أخيه الشيخ علي في حي الأمير فواز بجدة، وفعلاً غادر مكة مشتاقاً لها ولولا أمراضه ما غادرها، وأحمد الله سبحانه وتعالى على أن هيأ لنا الأوقات لزيارته، والإفادة من علومه ومعارفه، والقيام -أنا وأولادي أيضاً- بخدمته والحديث في الحق يطول لو سردنا في هذه المقالة كل ما رأيناه، وما سمعناه، فالشيخ فلتة من فلتات الزمان، إمام شامه، ودرّاكة أوانه، وتعلامة أقرانه، كنت أقول لإخواني في مغسله قبل دفنه: انظروا حين تقرؤون في كتب التراجم عن صفات العلماء الأولياء، وقارنوا هذه الشمائل بما عليه الشيخ من فضائل ومفاخر فسوف تجدون كل هذه الفضائل مجتمعة فيه، هيأه الله لذلك ، والله يجتبي ويختار، نعم لن تجد فضبة إلا تحقق بها الشيخ، يعرف ذلك كل من أحبه أو خاصمه ولا ينكر ذلك إلا حاسد مغرور، وسبحان الله حين دخل شهر الله "المحرم" كنت أشعر ومعي أخي الكريم نور الدين عدي أن الشيخ مفارق، لأننا كنا نسمع منه وهو في حال ذهوله الشعر الدال على الفراق ففي زيارتنا له آخر مرة في المستشفى كان يردد قول السهروردي:

أبداً تحنُّ إليكم الأرواح
ووصالكم ريحانها والراح

وفي إحدى الزيارات طلب أن ننشد له تكملتها ففتح الأخ نور الدين "النت - الخزانة العالمية- " وراح ينشدها والشيخ يردد معه. وأخبرني الأخ أنس أنه يردد بيتا آخر هو:
شربنا على ذكرِ الحبيب مدامةً
سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمُ
وأذكر أنني بعد وفاة الأخ الدكتور عبد الحميد الآمين، - رحمه الله - زرت الشيخ وأخبرته بوفاة أبي مؤمن الدكتور عبد الحميد، فهو يحبه كثيراً فأنشد:
أُؤمِّل أن أحيا وفي كل ساعةٍ
تمُرُّ بي الموتى تُهَزُّ نُعوشُها
وهل أنا إلا مثلُهم غير أن لي
بقايا ليالٍ في الحياة أعيشُها
نعمْ كان يستشرف لقاء الله، ولكن لكلّ أجلٍ كتاب، رحمك الله يا شيخنا، كم كنا نسعد بلقائك، ونسرُّ برضائك، والآن ما أصعب فراقك، لقد أحبه الناس وانتشر خبر موته، وما أكثر المعزين بل ما أكثر المحبين، كلٌّ يتحدث عن شمائله وعلومه، وفضائله حتى ذلك المُغسِّل الذي غسَّله قال لأخينا نور الدين عدي وللمحب الفاضل خادم الشيخ أيضاً ملهم ابن الدكتور العالم أحمد الكبيسي -رحمه الله -، وهو الذي كان مقرباً من الشيخ لصيقاً بقلبه، وكفيله في السعودية - ما معناه: أنه لم يُغسل مثله إلا قليلاً جداً، وقال لهم: هذا رجل من الأبدال، والظاهر أنه رأى أنوار الإيمان تتلألأ من وجهه، وشعر بتلك المهابة التي تبدو من محيا ه، إذ لم يدخل أحد ليودعه إلا شعر بذلك الأنس الذي يمل الأرجاء، لاشك أننا في كرب شديد وحزن عميق، أمسكت بالقلم لأبث إخواني ما يخطر في جَناني، فحال الشيخ في أمراضه ثم فراقه أضناني كما أضنى المحبين من أمثالي، فخطر لي أن أفيد إخواني ببيان مظهر علمي من مظاهره العلمية المتنوعة، فمظهر واحد نجليه لهم، يؤكد أن الشيخ حقاً لانظير له في هذا العصر، فلسنا نعلم الآن علماء جمعوا عدداً من العلوم، وإنما نعلم ذلك عند بعض الأقدمين فقد ذُكِرَأن ابن جماعة كان يفتي-أو يتكلم - في أربعة عشر علماً، ولعلي لا أبعد عن الحقيقة إن قلت: إن الشيخ سعيد يزيد عليه بتمكنه من الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وعلم النفس، لذا لاغرابة فيما كتب الأفاضل عن علومه ومعارفه ، لاسيما كتَّاب "التوصل الإجتماعي" لقد أخبرني من يهتم بذلك أن ما كُتب عنه لايمكن إحصاؤه، قلت له هذا حال العلماء الأتقياء الأنقياء تجتمع قلوب الخلائق على حبهم لأن ملائكة السماء أحبتهم، والأمر كله بيد الله، فلعلي أشارك المحبين في حبهم للشيخ فأبرز -عَجِلاً- معالم الشيخ اللغوية التي نستلهمها من حياته العلمية وشؤؤنه الا جتماعية وقد بدت لي مما يأتي:
1-حباه الله ملكة شعرية عجيبة فنظم الشعر صغيراً بل كان يكتب موضوع التعبير والإنشاء شعراً ،
زرته صباحاً مع الأخ جمال بارودي في 2/1/1430هـ،فسمعت منه الأبيات الآتية:
ربض الهرُّ أمام المنزلِ
وأحال العينَ مثلَ البطل
ولعينيه بريق لامع
كشرار طارحول المنقل
فرأى فأراً يريد وكره
فأتاه كالقضاء المُنزل
ثم أقعى مُغمِضاً أجفانه
فبدا في لطفه كا لحمَل
خُدع الفأر به لما رأى
في هدوء القط وجه والأمل
ظن أن الهرَّ ينسى طبعه
لايزول الطبع حتى الأجل
وثب القط على صاحبه
وبدا يأكله في جذل
قال: هذه أبيات نظمتها في المرحلة الابتدائية، بعد أن طلب الأستاذ منا كتابة قصة عن الفأر والقط، حين نزل القط إلى القبو، فلمحَ الفأر ثم راوغه حتى وثب عليه وأكله، فنظم الشيخ ذلك شعراً، قال: حصلت به على درجة (تسع عشرة ونصف من الدرجة النهائية وهي عشرون درجة) قال لي الأستاذ: راحت -أي سقطت وحذفت - نصف درجة لقولك: حتى الأجل، لأنك عطفتها على الطبع المرفوعة فوقعت في الإقواء، أي جاءت مرفوعة، والقصيدة كلها مكسورة، - كذا قال المدرس - - وأضاف الشيخ: هل يوجد طالب الآن يعرف الإقواء؟! وسكت الشيخ هنا، وأكد ذلك حين زرته ليلة عاشوراء سنة 1432هـ،فقال لي: إنه حين كان في المرحلة الابتدائية، يحصل في المدارس على الدرجات التامة في المواد العلمية، وفي مادة التعبير والإنشاء كان يصوغ موضوع التعبير شعراً.
وفي زيارة أخرى مساء يوم الجمعة بعد صلاة العشاء 15/11/1425هـ قال: إنني كنت أجيب على أسئلة الامتحانات في وقت قصير، ولايسمح بالخروج قبل مضي نصف ساعة، فكنت أستثمر ذلك فأنظم الشعر.

2- حبه حفظ أشعار العرب وأمثالهم وحكاياتهم مع تميز خاص بأصول القبائل ومواضع سكناهم، كان رحمه الله يحفظ أكثر من ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر،وهو في المرحلة الثانوية، وبالجملة ففي حفظه تُحكى الأعاجيب،كان في صباه يُنشدُ البيت الشعري ثم يأتي ببيت شعري لكل كلمة وردت في البيت الذي أنشده، ويتسلسل الأمر معه حتى يصل إلى آخر لفظة في البيت، ولايوقفه إلا التعب، تذكرت وأنا أكتب الآن مامرّمعي عن الأصمعي الذي كان الشيخ يحبه ويذكر حكاياته اللغوية قال عنه أصحاب التراجم أنه كان أروى الناس للرجز، سأله بحرانيّ عن حفظه فقال: أروي أربعة عشر ألف أرجوزة "، لقد ترسم الشيخ خطى هؤلاء الحفظة من غير قصد فيما أحسب، فما هي إلا مواهب ومنح ربانية.
ويتصل بهذا ما حدثني به بعد صلاة الظهر، في يوم الأحد 28/1/1425هـ، قال لي: قرأت مئات الكتب في المرحلة الإعدادية، وأضاف: قرأت سيرة ابن إسحاق وهي في أربع مجلدات في ثلاثة أيام من شهر رمضان، وأن تاريخ الطبري يستظهره كشريط مصور أمامه، وقد طُلب منه –في المرحلة الإعدادية أو الثانوية والشك مني –كتابة موضوع عنوانه (من خان عهده سقطت كرامته) فبدأيستعرض في ذهنه تاريخ الطبري حتى وصل إلى ثورة ابن الأشعث فتوقف عندها وقال في نفسه: هذه قصة يجب أن أضمنها هذا الموضوع، فكتبها، ونال أعلى درجة.فلله دره، وسمعت منه - عند باب منزله - أنه كان يحفظ المقطوعات الأدبية النثرية التي كانت مقررة في الكتب المدرسية عن ظهر قلب وسرد عليَّ قطعة كاملة تتضمن حديث "معن بن زائدة مع زوجه، وما أجمل إلقاء الشيخ فهو يعطي كل جملة النبرات التي تناسبها . يعرف أماكن الوصل والفصل، وينقلك بهدير صوته، وملامح وجهه التي تتأثر بنوع الكملة التي ينطقها، إلى جو القصة كأنك تعيش القصة في حينها.
أما حفظه لأمثال العرب فيبدو من القصة الاتية ففي مساء يوم السبت1/1/1428هـ، كنت معه متجهين إلى مشفى سليمان فقيه، بجدة، لإجراء الفحوص الطبية الشهرية له، فخطر له أن يحدثني عن قصة جذيمة الأبرش، و الزبَّاء، وذكر البيتين المشهورين:
ما للجمال مشيها وئيدا...... ثم أنهى القصة بالقول: هذه القصة فيها أكثر من مثل عربي منها: تمرَّدَ ماردٌ وعزَّالأبلق، يضرب في العزة والمنعة، ورأي فاتر وغدر حاضر، يضرب في الرأي الفاسد، وعسى الغوير أبؤ سا، يضرب في التهمة وسوء الظن، ولا يحزنك دم هراقه أهلُه يضرب في الشماتة بالجاني على نفسه: شب عمرو عن الطوق، والقصة معروفة في كتب الأدب واللغة.
كان رحمه الله وطيب مرقده، لايشبع من القراءة المفيدة، حتى ورقة الروزنامة" - النتيجة - ففي شهر رمضان سنة 1427هـ، ذهبت إليه بعد صلاة التراويح، أستروح عنده، فكان مما أخبرني به أنه تعرّف على الشاعر بدر الدين الحامد من ورقة روز نامة، إذ قرأ فيها البيت الشعري:
أيُّ آفاقك لم يقطرْ دماً يابلاداً جرّعوها العَندما
وذكروا أنه لبدر الدين الحامد،
وبهذه الطريقة تعرّفت أيضاً على نازك الملائكة، فقد قرأت لها في ورقة الروزنامة:
غرق الضوء وراء الأفق
وخلا العالم من لون الضياء
بعد ذلك رحت أبحث عن ترجمة للشاعرين، وحفظت الكثير الكثير من شعرهما.


رد مع اقتباس
 


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
من أعلام اللغة المعاصرين (23): الشيخ حمد بن محمد الجاسر-رحمه الله- مصطفى شعبان مشاركات مفتوحة 4 07-25-2017 08:01 AM
رحمك الله يا أخانا الكبير الأستاذ الدكتور جميل ظفر – أ.د. رياض الخوام إدارة المجمع مقالات أعضاء المجمع 2 07-10-2017 12:30 PM
الشيخ “سعيد الأفغاني” والوزير الفرنسي – أ.د. رياض الخوام إدارة المجمع مقالات أعضاء المجمع 0 04-04-2017 01:32 PM
داء المسلمـين و دواؤهـم للعلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله عبد الرحيم بوعكيز مشاركات مفتوحة 0 11-06-2015 11:20 PM
العامي الفصيح من ذكريات على الطنطاوي رحمه الله (1) أبو عمار المكي العامي الفصيح 2 12-16-2012 08:15 AM


الساعة الآن 06:58 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by