#شيء من اللغة (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ومزاعم أخطاء القرآن
د. هادي حسن حمودي
قبل عدة سنوات نشرت حلقات من هذه السلسلة ردا على من زعموا أن في القرآن أخطاء لغوية ونحوية، كالموضوع التي نعرض له الآن، وأثبتّ بمنهج التنوير اللغوي أن القرآن ليس فيه خطأ نحوي ولا خطأ لغوي، وأنهم هم المخطئون الخاطئون لغة ونحوا وأسلوبا، فهاجت مرارة بعضهم بسبب ذلك، ووجهوا للسلسلة وكاتبها والمتابعين لها بذيء الكلام ومرذولَه، فقطعت النشر هناك.
وقد أخبرني مجموعة من المعنيين بلغة القرآن الكريم أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى تلك الحلقات وطالبني بعضهم بمزيد من الإيضاح عن نصب الفاعل (حسب تقديره) في الآية الكريمة: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) بدلا من (الظالمون)، وسألني إن كان العرب قد اتبعوا مثل هذا الأسلوب؟
جوابي:
أولا: إن كلمة (الظالمين) ليست فاعلا مرفوعا بل هي مفعول به منصوب ولو كانت الآية برفع الظالمين لوقع تناقض في مفهوم القرآن للظلم.
فالرفع على الفاعلية يعني أن الظالمين يريدون ذلك العهد، ولكنهم لا ينالونه بالرغم من إرادتهم. وبحكم المفهوم القرآني للظلم، فإنّ، الظالمين لا يمكن أن يفكروا مجرد تفكير بالحصول عليه حتى لو ادعوا غير ذلك. ولو أرادوه لَما كانوا ظالمين، ولوصل العهدُ إليهم (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). ذلك أنّ عهود الله كلها هي للناس كافة، فمن أهّل نفسه للحصول على عهد منها بجهده وعمله، فإن العهد يناله، أي يصل إليه. إذ لا جزاء بلا عمل، سواء كان جزاء خير أم جزاء عقوبة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ).
الفلسفة القرآنية في الشؤون كلها تعتمد على الجهد الإنساني يبذله المرء كي يصل إليه ما كتبه الله له، وثمة آيات كثيرة في هذا المعنى، كالآيات المذكورة في هذا الموضوع وغيرها كثير.
وعلى هذا فإن لفظ (الظالمين) في الآية لا يمكن أن يكون فاعلا مرفوعا، وإلا فإنه يفتح باب التناقض على مصراعيه، ويختل مفهوم القرآن للظلم.
ثانيا: الجواب: نعم، لسؤال هل نجد لهذا الأسلوب أمثلة في الاستعمالات الفصيحة للّغة؟
واتبعني إلى روايتين طريفتين، الأولى عن جرير، والثانية عن شاعر الزهد أبي العتاهية:
* مدح جرير عمرَ بن عبد العزيز، بقصيدة طويلة ذكر فيها الفقر ودعا الخليفة إلى تلبية احتياجات الناس، منها:
لَجّتْ أُمامَة ُ في لَوْمي وَما عَلِمَتْ/ عرضَ السماوة روحاتي ولا بكرى
قَد طالَ قَوْلي إذا ما قُلتُ مُبتَهِلاً:/ يا ربَّ أصلحَ قوامَ الدّين والبشرِ
كمْ بالمواسمِ منْ شعئاءَ أرملة/ وَمِنْ يَتِيمٍ ضَعيفِ الصّوْتِ وَالنّظَرِ
يدعوكَ دعوة َ ملهوفٍ كأنَّ بهِ/ مَسًّا مِنَ الجنّ أوخبلاً من النُّشَرِ
فإنْ تَدَعْهُم فمَن يرجونَ بعدَكُمُ/ أو تَنْجُ منها فقد أُنجيتَ من ضَرَرِ
إلى أن يقول:
جاءَ الخلافة َ إذْ كانتْ لهُ قدراً/ كَمَا أتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلى قَدَرِ
ورووا البيت الأخير (نال الخلافة) والصواب ما نقلناه عن مغني اللبيب، وانسجاما مع أفصح أسلوب في هذا المقام، وبدلالة (أتى) في الشطر الثاني.
* أمّا أبو العتاهية فقد كان أوضح منه في الدلالة على المعنى المراد في مديحه للمهدي العباسي. فلنعرض واقعة روتها كتب التراث:
استدعى المهدي الشُّعراء إلى مجلسه، وكان فيهم أبو العتاهية وبشار بن بُرد وغيرهما، فأنشد أبو العتاهية قصيدته التي أولها:
ألا ما لسيدتي ما لها/ أدلّتْ فأحمل إدلالها
فقال بشار لجليسه: ما رأيت أجسر من هذا، حتى وصل أبو العتاهية إلى قوله:
أَتَتْهُ الْخِلاَفَةُ مُنْقَادَةً / إِلَيْهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا
فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إِلاَّ لَهُ / وَلَمْ يَكُ يَصْلُحُ إِلاَّ لَهَا
فقال بشار (وهو أعمى) لجليسه: انظر أطار الخليفة عن فراشه أم لا؟
فالخلافة حسب قصيدة أبي العتاهية هي التي أتت إلى المهدي العباسي، ولم يستغرب أحد هذا الاستعمال لأنه أسلوب معروف لدى الفصحاء من قبل نزول القرآن الكريم واستمر من بعد ذلك.
المصدر