شيء من اللغة: عن النديم والندم
د. هادي حسن حمودي
سألني عنهما، فإليه هذا الموضوع.
وقانا الله جميعا شر الندم، وأذهب عنا الحزن والألم، وزادنا من النعم، ووفقنا لإزالة هذه الظُّلَم، عن أمة (كانت) خير الأمم. وسبب هذا الدعاء الكريم، العلاقة الطريفة بين الندم والنديم، فتعالوا إلى شيء من حديث هذه اللفظة الأنيقة، ودلالتها الطريفة العميقة.
أمّا الجذر اللغوي (ن. د. م) فيجمع معاني عدة ألفاظ: الحسرة والأسف والألم واليأس والأسى. وتستكنّ هذه المعاني فيه وتتراوح درجة تأثيرها في معناه بحسب السياق. فعلى سبيل المثال: تزور صاحبا لك، فإذا به غير مهتمّ بك، تغادره قائلا في نفسك: ندمتُ إذ ذهبت إلى زيارته. وقد تحاورعنصريا إقصائيا، ثم تلوم نفسك، فتقول: أنا نادم لأني حاورته.
والآن قارن هذا بخسارة تجارة أو أسرة. ثم انتقل إلى النظر في قوله، تعالى: (وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ). وآيات أمثالها. فأنت في حديثك عن زيارة صاحبك لا تستشعر اليأس، ولكن الذين سيرون العذاب ممن ذكروا في الآية السابقة سيصيبهم الأسى واليأس وهو ما تكرر في التنزيل العزيز.
غير أن اللغويين أبرزوا معنى الأسف فيه. حتى قالوا: نَدِمَ فلانٌ: إذا تأسف على فعل قام به، أو خطأ ارتكبه، فهو نادمٌ. ولم يقولوا: فهو نديم صيغة مبالغة في نادم بمعنى متأسف. أما الفرق بين الندم والندامة فنراه في أن الندم قد يزول والندامة تدوم، كما في الآية السابقة.
وعقد اللغويون الأواصر بين الندم والنديم فقالوا إن النديم هو الذي ينادم غيره على مائدة شراب، ومنحوه معنى: الشريب الذي يشارب غيره. وجمعه نِدامٌ وندماء وورد نَدامَى أيضا. وسوّغ بعضهم تسمية الندماء بذلك لاحتمال أن يقع بينهم ما يُندَم عليه، أي يُؤسفُ له.
غير أن الربط بين الندم والنديم يبدو تطورا في الدلالة، فالمعروف عن الجاهليين أنهم كانوا يتفاخرون بمجالس الشراب، ولهم صَبوح في الصباح، وغَبوقٌ في المساء، وكانت نواديهم حافلة بمجالس الشراب. ولا نتوقع من قوم هذا حالهم أن يربطوا في لغتهم بين الندم والمنادمة. فإذا ابتعدنا عن هذا الربط فهل نجد أصلا آخر للفظة المنادمة على موائد الشراب؟ جواب هذا التساؤل يعيدنا إلى لفظة المدامنة، ولا ننسى أن من أسماء الخمر، المُدام والمُدامة. وقيل لها ذلك لإفادتها الدوام لا التندم. وللجذر (دوم) حديث آخر. وفي تراثنا علماء حملوا اسم النديم، كابن النديم صاحب كتاب الفهرست، المعروف. كما نقرأ في أخبار الشعراء والظرفاء أنهم كانوا من ندماء هذا الخليفة أو ذاك. ولا نظن اللفظة في هذه الحالة تحمل شيئا من معنى الأسف كي يمكن إعادتها إلى الجذر (ن. د. م) الدال عند جمهور اللغويين على الأسف، ناهيك عمّا رأيناه فيه من معانٍ.
ومن الشعراء من وظف لفظة النديم، للتعبير عن العلاقة المتينة التي تجمعه مع صاحب أو أكثر ممن جالسوه أو رافقوه أو حاوروه، من غير اشتراط كون ذلك على موائد شراب. ومنهم عبد يغوث الحارثي في قصيدته التي يرثي بها نفسه، وذلك قوله:
فيا راكباً إمّا عرضـتَ فبلِّغـنْ
نَدامايَ من نَجْرانَ أنْ لا تلاقِيـا
ولا نظنه يريد الإشارة إلى من نادمه على موائد شراب، بل على أحبة له توشجت بينهم أواصر المحبة والتعاون. وأجاد الجواهري:
يا نديمي ووقِّني بَلدا
عقُم الخيرُ فيه أن يلدا
يا نديمي واقْصِ عن بَصَري
بشرا حاقدا على البشرِ
* * قولوا: آمين يا رب العالمين
المصدر