بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد :
فقد سألني كثير من طلابي الأعزاء عن الإعراب التطبيقي وأهميته وطرقه المؤدية إلى الإصابة فيه والتمكن منه , فرغبت لكي تعم الفائدة أن أقدم هذه المقالة التي تبسط المسألة وتوضح المشكلة وتنير الطريق وتوصل إلى المراد بإذن الله .. وهي مستلة من كتابنا ( الطريق إلى صنعة الإعراب )
فأقول وبالله التوفيق إن الإعراب في أبسط تعريف له هو: الإيضاح والبيان، والوسيلة إلى ذلك هي الحركات العربية (الفتحة والضمة والكسرة والسكون) فقولنا: لا يقتلْ بالجزم ليس كقولنا: لا يقتلُ بالرفع، لأن الأُولى نهي، والثانية نفي، وقد تعددت تعريفات الإعراب عند النحويين كثيراً لعل أهمها هو أنه يفيد البيان كقوله : (والثيب يعرب عنها لسانها) أي يبين، والمعنى على هذا أن الإعراب يبين معنى الكلمة، كما يبين الإنسان عما في نفسه، وقيل: إن الإعراب مشتق من قولهم: عَرَبَتْ معدةُ الفصيل إذا فسدت.
والظاهر أن النحويين بعد أن وضحوا حقيقة الإعراب، والهدف منه نظروا إلى أثره النفسي على السامع، وبينوا أن من أسباب الإعراب هو التزين والتحبب والأناقة، ليحصل المعرب على استمالة السامع وإقباله إليه، فوجدوا أنه يمكن أن يقال: إنه منقول من التحبب، ومنه: امرأة عروب، إذا كانت متحببة إلى زوجها، والمعنى على هذا أن المتكلم يتحبب إلى السامع
ومن هذه التعريفات جميعاً يمكن القول: إن الإعراب الصحيح يبين ويوضح ما يريده المتكلم ليفهمه السامع، ويتأثر بالمعاني التي تحملها الألفاظ المعربَةُ.
أما في الاصطلاح، ففيه مذهبان:
أحدهما لفظي: وهو ما جيء به لبيان مقتضى العامل، فالعوامل كالأفعال وحروف الجر، والجوازم، والنواصب ينطقها المتكلم فيرفع وينصب ويجر ويجزم وهو يريد من ذلك بيان الفاعل أو المفعول أو الإضافة أي يريد بيان المعاني النحوية التي تشكل لغة المتكلم اليومية .
وثاني المذهبين معنوي: وهو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً فالظاهر: كالذي في آخر زيدٍ، في قولك: جاء زيدٌ ورأيت زيداً ومررت بزيدٍ والمقدر: كالذي في آخر الفتى في قولك: جاء الفتى ورأيت الفتى ومررت بالفتى
وكلا التعريفين يؤدي المقصود من الإعراب الذي نعهده في حياتنا اللغوية، لأن معرفة الفاعل والمفعول والمعاني النحوية الأخرى من مُلْكٍ أو استحقاق أو تبعيض ... إلخ، هي المرادة، فالعامل بتأثيره يوضحها كما أن تغيير أواخر الكلم،تبرزها أيضاً وتدل عليها
فالغاية التي تُرادُ من هذا كله، هي ما نسميها بوظيفة النحو، وقد أشار إليها أبو سعيد السيرافي وبينها بقوله: وإذا قال لك آخر كن نحوياً لغوياً فصيحاً، فإنما يريد: أفهم عن نفسك ما تقول، ثم رُمْ أن يفهَم عنك غيرُك أي أوضحْ ما يجول في عقلك بهذه الجمل العربية هادفاً أن يفهم السامع منك ما أردت من المعاني والتصورات التي تعتمل في فكرك، وترتسم في عقلك، بأسلوب يتفق مع طرائق العرب في كلامها، ولهذا قال الفيومي في المصباح المنير (فالنحو: القصد، ومنه النحو، لأن المتكلم ينحو به منهاج كلام العرب إفراداً وتركيباً)
والطالب يسأل كثيراً عن الفائدة المرجوة من الإعراب ، ويقول: ما الفائدة من قولي: إن هذه اللفظة حال أو توكيد أو تمييز .... إلخ أو هذه الجملة في محل نصب حال، أو لا محل لها من الإعراب، ويضيف: إنني أفهم أي كلام أقرؤه في صحيفة أو مجلة أو كتاب من غير إعراب؟
والجواب:
أ-أن علم النحو ليس مبنياً -فقط- على فهم المعنى،وحصول الفائدة -فقط- بل هو إلى جانب ذلك يتعلق بالألفاظ المركبة التي تجري على سنن العرب .
فالقول: إني أفهم أي كلام من غير إعراب هو قول صحيح من جانب وغلط من جانب آخر، ووجه الصحة فيه أن السامع يفهم المعنى العام من الجملة لكن المعاني الخاصة الدقيقة في الجملة لا يستطيع فهمها، وهذا هو وجه الغلط.
فهناك نظام لغوي عربي يجب السير عليه، ليكون كلامنا مفيداً فائدة يحسن السكوت عليها، ولا يتأتى ذلك إلا بمراعاة كلام العرب والسير على نحوه، إن كثيراً من اللحون -التي ذكرها العلماء- أسباباً لوضع النحو العربي تحمل معاني عامة. كقول من قال لعمر بن الخطاب إنا قوم متعلمين.. فالجملة فائدتها واضحة، لا لبس فيها، ومعناها العام واضح يفهمه الصغير والكبير ، لكن استنكار عمر مبعثه أن هذا التركيب لم يجر على سنن العرب، فالعرب تقول: إنا قوم متعلمون، الأمر الذي يدل على أن حصول الفائدة فقط تلك التي يحتج بها من ينكر الإعراب المفصَّلَ المؤدي إلى فهم المعاني الدقيقة، لا يقوم حجة، ولا ينهض دعامة، لرفض الإعراب بالمفهوم الذي نريده.
ب-أن الفهم العام الذي يفهمه العامي عمل على تكوينه الإرث اللغوي الذي يكتسبه المرء من محيطه الأسري والاجتماعي، ولكن الفهم الدقيق للجملة لا يتم حقيقة إلا بالإعراب المفصل، ولبيان ذلك نقول: إن إدراك المعنى الذي يجول في عقل المتكلم أمر عسير جداً فالمتكلم يحاول بوسائل متعددة أن ينقل للسامع هذا المعنى فيعتمد على اللغة وعلى وسائل أخرى أحياناً كحركات اليدين والعينين والرأس جاهداً نفسه لنقل هذا المعنى إلى السامع بدقة، ولاشك أن هذه الوسائل مجتمعة هي محاولة للوصول إلى إظهار المعنى الدقيق، ومن أهم هذه الوسائل شأناً هي اللغة لأنه يمكن الاستغناء عن جميع الوسائل في هذه العملية ما عدا اللغة والعكس ليس صحيحاً إذ لا تفي الوسائل الأخرى بالغرض تماماً
ومن هنا نقول: إن نقل المعنى من ذهن المتكلم بدقة يشعرنا بخطورة الإعراب وأهميته لأنه الوسيلة المهمة التي تؤدي هذه الوظيفة، لقد استحوذت ظاهرة إصابة المعنى على بحوث كثير من العلماء، وتساءل هؤلاء عن مدى استطاعة الإنسان نقل صور ما ارتسم في لوحة عقله إلى السامع؛ فهل استطاع مثلاً الأعشى أن ينقل المشهد بدقة تامة في تراكيبه اللغوية التي ضمنها بيته في أول معلقته:
ودّعْ هريرةَ إنَّ الركبَ مرتحلُ
وهل تطيقُ وداعاً أيها الرجلُ
هل استطاع نقل كل المعاني التي اختزنها فكره في هذا البيت؟ لقد حاول فانطلق للتعبير عما يجيش في صدره وتلقف القارئون هذا البيت، والكثير منهم يتفق في أن المعنى العام للبيت ظاهر واضح، ولكن ألا يوجد أي خلاف بين هؤلاء القارئين؟ وألا يوجد أي خلاف بين المشهد المرسوم في عقل الأعشى، والمشهد الذي يتصوره القراء بعد قراءتهم للبيت؟ لاشك أن هناك خلافات بين القراء حول جزئيات المعنى مما يؤدي أحياناً إلى عدم وضوح المشهد العام للصورة للتعبيرية، وهنا تبرز أهمية الإعراب إذ به يصل المرء إلى إدراك المعاني الدقيقة التي تمثل النواة الأم لهذا المشهد العام، وهو ما نسميه عندنا بالدلالة النحوية، ثم يضاف إلى هذه الوسيلة والدلالة، دلالات أخرى من البلاغة والبديع وجماليات أخرى تلقي أضواء على هذا المشهد، وكل هذه الدلالات والوسائل لا تفيد شيئاً بل لا تكون صحيحة إن لم تكن الدلالة النحوية صحيحة، لذلك قيل: لا يمكن للبلاغي أن يطلق حكماً بلاغياً من غير أن تكون الجملة التي أمامه صحيحة نحوياً، والصحة النحوية لا تتحقق إلا بالإعراب الصحيح
•-ولننظر مثلاً إلى قوله تعالى: (يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [النساء: 73] فنرى أن التقدير النحوي هو: يا قوم ليت لي كوناً معهم ففوزاً، فالمنادى محذوف، والفاء هنا هي الفاء السببية العاطفة مصدراً على مصدر متصيد، وتترافق مع هذا التقدير المعاني النحوية الأخرى لتعطي المعنى بدقة، فالتمني وهو معنى نحوي اتجه إلى الكينونة أو الحصول والوجود مع الفوز،والسببية وهي معنى نحوي أيضاً أفادت دلالة أن الفوز مترتب على الوجود، إذ لا فوز بلا وجود أصلاً، أما المعية وهي معنى نحوي أيضاً فحاصل من لفظة معهم التي أفادت أن ذلك حصل في وقت واحد بعد أن كانت هذه المعية محتملة.
وهكذا نلحظ أن المعاني النحوية التي تضمنها التقدير النحوي كانت الأصل المعتمد في الدلالة، فلو قدمنا هذا التقدير بما يحتمل من هذه المعاني إلى البلاغيين لأضافوا إليه لمسات أخرى، فربما نظروا إلى سر حذف المنادى مثلاً فيقولون: إن الموقف يتطلب الإيجاز، وربما نظروا إلى التمني هنا من جهة استحالة تحققه، وربما نظروا أيضاً إلى سر تقديم معهم على الفعل فأفوز... إلخ ما عرضه البلاغيون من رقائق يضيفونها إلى النص اللغوي، وهكذا يمكن للبلاغي بعد أن نقدم له المعاني النحوية من خلال التقدير أن يدلي بدلوه ويوقفنا على جماليات الآية ودلالاتها البليغة.
فإن قلت أليس ظاهر الآية يفيد ذلك؟
فالجواب: أن العامي لا يخطر بباله المعنى الدقيق، وهو تمني الوجود معهم ففوز بالسعادة في آن واحد، وأنَّى للعامي أن يعرف معنى المعية أو معنى توجه التمني إلى الكينونة ثم الفوز، وأنَّى للعامي أن يعرف أن (يا) هنا قد تكون للتنبيه مثلاً، وليست للنداء، وأنى له أن يدرك الفرق الدقيق بين التنبيه والنداء؟!.
•-ولننظر إلى حديث رسول الله القائل: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن، البخلُ وسوءُ الخلق) فنرى الاختلاف بين المعاني الناتجة عن اختلاف الأعاريب واضحة.
أ-يجوز في «خصلتان» أن تكون مبتدأة، وصفت بجملة لا تجتمعان، والجار والمجرور في مؤمن متعلقان بخبر مقدم مع نية تقديمه، والتقدير: فيما أخبركم به خصلتان لا تجتمعان، والبخل خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هما: البخل وسوء الخلق، وجملة المبتدأ والخبر تفسيرية لا محل لها من الإعراب، والمعنى العام إخبار الرسول عن خصلتين غير مجتمعين في مؤمن، هما البخل وسوء الخلق.
ب-ويجوز أن نعرب «خصلتان» خبراً مقدماً والبخل مبتدأ مؤخراً، والتقدير: البخل وسوء الخلق، خصلتان لا تجتمعان في مؤمن، وإنما ذهبنا إلى هذا التقدير لأننا نريد التشنيع والترغيب عن هاتين الخصلتين، فكأن الابتداء بما هو نكرة -وهو الخبر المقدم هنا- المراد منه هو الإبهام -لما في النكرة من عموم- والمراد من هذا الإبهام أيضاً هو التشويق أي تشويق السامع إلى معرفة هاتين الخصلتين.
جـ-ويجوز إعراب « خصلتان » مبتدأ وجملة لا تجتمعان خبراً، والبخل وسوء الخلق بدلاً من المبتدأ، والتقدير خصلتان غير مجتمعتين في مؤمن الخصلتان هما: البخل وسوء الخلق ، والمعنى على هذا التقدير : هو إخبار من الرسول عن خصلتين لا تجتمعان في مؤمن، واجتماعها في مؤمن هو المجهول للمخاطبين، والمخاطبون يحتاجون إلى معرفة هذا المجهول، وهذا المعنى دقيق جداً لأن فيه إيضاحاً بعد إبهام، لأن المراد هو البدل، والمبدل منه ذكر توطئة للوصول إلى هذا البدل وفي ذلك تشويق وتمكين للمعنى.
إذن هناك فوارق معنوية بين هذه الأعاريب الجائزة في الحديث الشريف فعلى الوجه الأول المعنى العام هو الظاهر، وعلى الوجهين الثانيين ثمة معنيان يمكن أن يلحظا من وراء إعراب كل وجه، وهما الإبهام والتشويق .
-ولنضرب أمثلة أخرى تؤكد أن العامي لا يدرك ما يدركه النحوي من ذلك قولنا:
•-« زيد قاتلٌ غلامَك » بتنوين قاتل ونصب غلامك، وزيد قاتلُ غلامِكَ بحذف التنوين وجعل التركيب من باب الإضافة، فإذا نونت اسم الفاعل قاتل، ونصبت الغلام على أنه مفعول به، لا تقع الدية لأن القتل لم يحصل، وإذا حذفت التنوين، فالقتل حصل وتدفع الدية
ومردُّ ذلك إلى النحو لأن اسم الفاعل حين عمل النصب في الغلام فإنما عمله لأن زمنه هو الاستقبال، فدلَّ ذلك على عدم حصول القتل، لذا لا تجب الدية مع تنوين قاتل، فأَنَّى للعامي أن يدرك مثل هذا الفارق؟
وللحديث بقية ,,