mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (71): من كتاب البلاغة العربية لعبد الرحمن حبنَّكة

كُتب : [ 11-12-2017 - 10:26 AM ]


أسس البلاغة العالية والأدب الرفيع وشرحها
من كتاب البلاغة العربية لعبد الرحمن حبنَّكة



(1) حبُّ الجمال
حبُّ الجمال فطرةٌ في النفس الإِنسانية، فهي بقوة فطرية قاسرة تميل إليه، وتنجذب نحوه، وليس بمستطاع النفوس أنْ تغيِّر فطرها التي فطرها البارىء المصوِّر عليها.
والجمال شيء يصعب تحديده، ولكن باستطاعة النفوس أنْ تحسّ به وتتذوّقه متى أدركته، وعندئذٍ تميل إليه وتَنْجَذِب نحوه، وتأنس به، وترتاح إليه، وتَسْعَدُ بالاستمتاع بلذّة إحساس المشاعر به ولو تخيُّلاً، ويتفاوت النّاس في قدراتهم على تذوُّق الجمال والإِحساس بدقائقه كشأن تفاوتهم في سائر قدراتهم المادّية والمعنوية: مثل القوى الجسمية، وقدرات الذكاء، وقوى الإِبصار والسمع والشمّ والذوق واللّمس.
والجمال يكون في كل المجالات التي تدركها الحواس الظاهرة والباطنة، حتى مجالات الأفكار، والتخيّلات، والوجدانيّات، والطباع، والأخلاق، وأنواع السلوك الإِرادي النفسي والظاهر.
ففي ساحة المرئيات تشاهد الأبصار مرئيات جميلة تتفاوت فيما تحظى به من نسب الجمال تفاوتاً كبيراً، وتشاهد مرئيات قبيحة تتفاوت فيما لديها من نسب القبح تفاوتاً كبيراً وتشاهد وسطاً فاتراً لا يجذب بجمال، ولا ينفِّر بقبحٍ. وفي ساحة الأصوات يسمع السامعون أصواتاً جميلة تتفاوت فيما تحظى به من نسب الجمال تفاوتاً كبيراً، ويسمعون أصواتاً قبيحة تتفاوت فيما لديها من نسب القبح تفاوتاً كبيراً، وتسمع أصواتاً فاترة لا تجذب بجمال ولا تُنَفِّر بقبحٍ.
ونظير ذلك في ساحة الروائح، وفي ساحة الطعوم، وفي ساحة الملموسات التي فيها ناعم وخشن، وصلب وليّن، وقاسٍ وَلَدْن، وحارٌّ وبارد.
وفي المشاعر الوجدانيّة ندرك أنَّ لدينا مشاعر وجدانية جميلة لذيذة، كمشاعر الحبّ، ومشاعر الإحساس بفعل الخير، ومشاعر الأبُوَّة والأمومة، والشعور بطمأنينة القلب، وبالأمن. وندرك أنَّ لدينا مشاعر وجدانية قبيحة نتألّم بها، كالشعور بالذّلة والصّغَار، وكالحقد، والحسد، وكالشعور بالخوف والقلق. وندرك أنّ لدينا مشاعر وجدانيّة فاترة لا تُحدِث لذّة نفسية ولا تُحدِث ألماً، كمشاعر الانتماء إلى أسرة مغمورة ليس لها مجد يُحدث في النفس لذّة الافتخار، وليس لها فضائح وقبائح تُحْدِث في النّفس ألم الصَّغار.
وفي الساحة الفكرية نُدرك أفكاراً جميلة حلوة، وأفكاراً قبيحة مرّة، وأفكاراً فاترة لا تُحْدِث انفعال استحسان ولا انفعال استقباح. إنّ الفكرة الذكيّة المبتكرة فكرة جميلة، وإنّ الفكرة الغبيّة المستنكرة فكرة قبيحة، وإنّ الفكرة العاديّة المكرّرة دون غرض فنِّي أدبي فكرة فاترة تمرُّ دون أنْ تثير أي انفعال، وكذلك الفكرة الغامضة التي لا يستطيع من تُعرض عليه أنْ يُدركها. ويمرُّ في أذهاننا شريط أفكار طويل فلا يُحدث فينا أيّ انفعال من لذّة أو ألم، إنّها أفكار فاترة، وربّ فكرة تمرّ فتثير إعجاباً وانفعالاً عظيماً نحوها، وقد تمرُّ فكرة فتتقزّز النفس منها وتصرفها بسرعة وتتجاوزها.
وفي ساحة التخيّل تمرُّ أخيلة جميلة حلوة لذيذة، وتَمرُّ أخيلة قبيحة كريهة، وتمرُّ أخيلة في شريط طويل، فلا تُحدث أيّ انفعال.
وفي ساحة التعبير البياني عن الأفكار والمطالب والتخيّلات والمشاعر النفسيّة والوجدانيّة تُوجَد تعبيرات بديعة جميلة جذّابة، تتملّك المشاعر، وتؤثِّر في القلوب، وتتفاوت فيما بينها بما تحظَى به من نِسَب الجمال تفاوتاً كبيراً. وتوجد تعبيرات قبيحةٌ منفِّرة، وهذه تتفاوت فيما بينها بما فيها من نِسَب القبح تفاوتاً كبيراً، وتُوجَد تعبيرات فاترة تمرُّ دون أنْ تُحدث في النفوس أيّ انفعال محبوب أو مكروه.
***
(2) مجالات الجمال
من المعلوم لدى ذواقي الجمال أنّ الزينة من الجمال، وأنَّ كثيراً من المقاصد والمطالب إذا قُدِّمت إلينا مغلّفة بزيناتها أو مقرونة بزيناتِها كنّا أكثر قبولاً لها، وانسجاماً معها، لأنَّ جمال الزينة قد جذبنا إليها، وأقنع عواطفنا وانفعالاتنا بقبولها، ولنحظَى بلذّة الاستمتاع بالجمال، فتتحقّق من وراء ذلك المقاصد الأساسيّة والمطالب.
وهذه الحقيقة تشمل الأفكار، فإذا قُدّمت بعض الأفكار المقصودة وما اشتملت عليه من مطالبِ اعتقادٍ أو عمل ممتزجةً أو مقرونة بزينات جميلة فكرية أو لفظية كانت النفوس أكثر انجذاباً إليها، وقبولاً لها، ثمّ تمسكاً بها أو عملاً بما طلب فيها.
إنَّ شأن الأفكار كشأن المآكل والمشارب والأدوية، وسائر المطالب والحاجات، فمنها ما هو حلو بطبعه، ومنها ما هو حامض، ومنها ما هو مرّ، ومنها ما هو ليّن، ومنها ما هو قاس، ومنها ما هو ناعم، ومنها ما هو خشن، ومنها ما هو مُهَوِّع مثيرٌ للغثيان، ومنها ما هو محرّك للشهوة مثير لِلُّعاب.
حتى الطيِّبات من المآكل والمشارب وغيرها يزيدها حسناً وجمالاً وتطريةً وتحريكاً لشهوات النفوس نَحْوَها إذا قُدّمت في أطباق جميلة نفيسة، وعلى مائدة جميلة أنيقة، وفي أيدٍ نظيفة رشيقة حلوة لِخَدَم مكتملي الأناقة حِسَان، وفي مكان منظّم مليء بالأشياء الحسَنة الجميلة، من منظور ومسموع ومشموم وملموس ونحو ذلك.
فالفكرة المرّة قد تحتاج غلافاً حلواً جميلاً يزيِّنها حتى يبتلعها مَنْ توجّه له.
والفكرة الشديدة الحموضة قد تحتاج مخالطاً يعدِّل حموضتها حتى يستسيغها من توجّه له.
والفكرة القاسية بطبعها قد تحتاج أسلوباً يليِّنها ويعدِّل قساوتها.
والفكرة الخشنة بطبعها قد تحتاج أسلوباً ناعماً يغلِّفها ويهوِّن ابتلاعها.
وكما أنَّ الحسِّيّات الجسدية يحتاج كثير منها إلى ما يجمّله ويحسِّنه ويزيِّنه للنفوس حتى تستسيغه، كذلك الأفكار التي نريد تقديمها إلى الآخرين قد يحتاج كثير منها إلى ما يجمِّله ويحسِّنه ويزيِّنه للنفوس حتى تستسيغه، وهذا التجميل والتزيين والتحسين هو من عناصر الأدب الرفيع لا محالة.
ولكنْ ليس من الضروري لكلّ فكرة مقصودة بالذّات أنْ تُصنَع لها مزِّينات جماليّة لا يكون الكلام ذا أدب رفيع إلاَّ بها. فكثير من الأفكار جمالُها ذاتِيّ، وإذا قُدِّمت مجرّدة من كل الزينات والأصباغ والألوان في أحوال ملائمة لهذا التقديم كانت أرفع أدباً، وكانت النفوس أكثر تقبُّلاً واستساغةً لها، فهي تزدردها أو ترتشفها بشهوة بالغة.
وهذا نظير تقديم سيِّد المائدة العظيم لضيفه العزيز قطعة مقشّرة من الفاكهة، أو قطعة منتقاة من أطيب اللحم، مجرّدة من أيَّة زينات موافقة أو مغلّفة لها.
وقد يكون من رفيع الأدب تقديم الفكرة المرّة من غير تغليف ولا تحلية لتقديمها لمن يحسن إذاقته مرارتها، كأنْ يكون عدوّاً مجاهراً بعداوته مواجهاً بشتائمه، وفي بعض الحالات التربويّة نلاحظ أنّه كما يحسن الضرب يحسن ما هو نظيره من الكلام.
***
(3) حول تعريف الجمال
والجمال في الوجود مع إدراك النّاس له وإحساسهم بكثير من صوره، دقيق العناصر متشابكها فهو شيء يصعب جدّاً تحديده، ويَصْعب قِياسُه، ولا تنحصر ألوانه.
وبما أنّ الأدب لون من الجمال، فهو إذن تنطبق عليه قواعد الجمال العامّة.
إنّ من الجمال أحياناً أنْ تتصنّع الحسناء، ومن الجمال أحياناً أنْ لا تتصنّع، بل أنْ تظهر على طبيعتها. ومن الجمال أحياناً أنْ تلبس الثياب الجميلة الساترة لكثير من مفاتن جسمها بطرائق خاصّة، ومِنَ الجمال أحياناً أنْ تلمح بعض مفاتن جسمها إلماحاً ثمّ تسترها، ومن الجمال أحياناً أنْ تتعرى على طبيعتها من غير ابتذال ثمّ تعود إلى سواترها.
ومِنْ أبدَعِ صُوَرِ الجمال التنويع فيه والتنقلّ من لون إلى لون آخر منه، أمّا الثبات والتكرار للصورة الواحدة في كل الأوقات فهو مُمِلٌّ للنفوس مهما كانت هذه الصورة جميلة.
باستثناء تكرار المقاطع في بعض ألوان صُوَر الجمال، كشجرة الورد على رأس كل زاوية عند منعطف الطريق، أو على رأس كلّ مسافة، لتكون بمثابة الدلالة.
وكذلك حال الأفكار وأساليب عرضها الأدبي، ومثل شجرة الورد المتكرّرة على رأس كل مسافة أو على الزوايا، آية: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الآية: 13] في سورة الرحمن عروس القرآن. لكنّها صورة قدّمت لوناً من ألوان الجمال الأدبي ومثالاً من أمثلته، قلَّما يوجد في سائر القرآن نظير مطابق لها، بل فيه ألوان أخرى.
ومع وجود قسم من الجمال لا يختلف اثنان في استحسانه، وقدر من القبح لا يختلف اثنان في استهجانه، فكم توجد أوساط مشتبهات تختلف فيها أذواق النّاس، وتختلف وجهات أنظارهم إليها.
فما يستحسنه بعض النَّاس منها قد لا يراه غيرهم حسناً، وما يستقبحه بعض النّاس منها قد لا يراه غيرهم قبيحاً، وتتدخّل النظرات الذاتيّة الشخصية في قسم المشتبهات بشكل واسع، ويصعب فيها تحديد النظرة الموضوعية.
ويخضع الأدب لهذا القانون العام.
فقد يُرْضِي كلام ممدوحاً مغروراً بنفسه بحبّ المديح، فيراه أدباً رفيعاً مستحسناً، لكنّه في الوقت نفسه يُسْخِط حاسداً له، فيراه تزلّفاً تافهاً، وأسلوباً في المدح سخيفاً مستهجناً، ويسمعه فريق ثالث فلا يرى فيه ما يحرّك النفس بإعجاب ولا ما يحرِّك النَّفس بتقزّز واستجان.
وقد تُرْضِي تعبيرات حبِّ معشوقة، فتراها أدباً رفيعاً مستحسناً، فتحفظها وترويها بإعجاب، لكن هذه التعبيرات قد أسخطت في الوقت نفسه أترابها، فرأينها تعبيرات سخيفةً مبتذلة. ثمّ يسمعها حياديّون فلا يرون فيها رأيَ المعشوقة المعجَبَة، ولا رأي أترابها الساخطات، بل يرون فيها أدباً عادّياً.
وهكذا تختلف وجهات أنظار النّاس إلى هذه الأوساط المشتبهات، التي لم يتمحّص فيها الجمال، ولمْ يتمحّض فيها القبح، وتتدخّل عوامل نفسيّة في الاستحسان، أو في عدم الاستحسان، وربّما تتدخّل عوامل أخرى تّتصل بمدى القدرة على الإِحساس بالجمال، أو بمَدَى الخبرة بفنونه وألوانه وأشكاله ونسبته، أو بمَدَى دقّة الملاحظة التي قد تَقَعُ على النّقص فتقف عنده، وتجسّمه حتى يملأ الساحة، أو تَقَعُ على لمحة جماليّة فتقف عندها مُعَجْبَةً وتعظّمها، ويتدخّل الوهم في مدّها حتى تملأ كل الساحة. وهكذا.
***
(4) عوامل اختلاف نظرات الناس إلى الجمال
لدى تحليل العوامل التي تجعل النّاس يختلفون في نظراتهم الجماليّة إلى الأشياء اختلافاً كبيراً، حتى إنَّ الشيء الواحد قد يستحسنه فريق، وقد يستقبحه فريق آخر، ويجعله فاتراً واقفاً على الحياد فريق ثالث، والمستحسنون له قد يتفاوتون في درجة استحسانه، والمستقبحون له قد يتفاوتون في درجة استقباحه. لدى هذا التحليل نلاحظ العوامل التالية:
العامل الأول: التلاؤم أو عدم التلاؤم بين أجهزة الإِحساس في الإِنسان والأشياء التي يُدْرِكها ويُحِسّ بها.
والأمزجة والأذواق البشريّة تختلف في هذا اختلافاً فطريّاً لا يُنْكَر، وبسبب هذا العامل قد تختلف أحكامهم في هذا المجال.
العامل الثاني: تدخُّل أهواء أو مصالح شخصيّة مرافقة.
وبسبب هذه الأهواء أو المصالح تختلف وجهة نظر أصحابها عن وجهات أنظار الآخرين الذي ليس لهم أمثال هذه الأهواء أو المصالح.
العامل الثالث: حكم العادة والإِلف، فكثير منَ النّاس إذا اعتادوا لوناً من ألوان الجمال آثروه تلقائياً على غيره، وحَكَمُوا بأنّه أحسن وأجمل، وربّما لم يكن كذلك في حقيقة الأمر.
العامل الرابع: مؤثِّرات البيئة، فقد تتواضع بيئة ما على استحسان لون جمالي، وربّما كان عاديّاً جدّاً وابتدائياً من سلّم الارتقاء الجمالي، إلاَّ أنّ تأثير البيئة يجعل الناشئين فيها يقتبسون منها الأذواق الجماليّة، فيتأثّرون بأحكامها الناقصة، أو أحكامها التي لا تَنِمُّ عن ذوق رفيع، وكذلك البيئات الراقية تمنح الناشئين فيها أذواقاً رفيعة، والبيئات تتفاوت تفاوتاً كبيراً في هذا المجال.
العامل الخامس: مدى القدرة على تصيّد نقاط الجمال والإغضاء عمّا سواها، وجعله أرضية لا تثير الانتباه. وقد يكون العكس، فتكون القدرة النقدية ذاتَ إحساس مفرط تجاه تصيّد نقاط النقص أو القبح فقط، أمّا سواها فتُغضي عنه، وتجعله أرضيّة غَيْرَ مُثِيرة للانتباه.
وبسبب هذا العامل بشَطْرَيْهِ وتفاوت نسبة كل منهما في النَّاس تظهر أحكام متباينة أو متخالفة.
العامل السادس: سعة التجارب وضيقها في اكتساب ذوق الإِحساس بالجمال، وتفاوت نسبه.
فذو الخبرات الطويلة الباحثة والناقدة يكون أقدر على تذوُّق الجَمال، وإدْراك درجاته المتفاوتات، من الإِنسان العاديّ غير ذي الخبرة، أو السائر في طريق البحث والنقد، ولم تكتمل بَعْدُ لديه القدرة على تَذوُّق الفروق الجمالية.
(5) عناصر الكمال والجمال الأدبي
لا بُدَّ أوّلاً من توافر الأركان الأساسية للكلام البليغ، وهي:
(1) مطابقته لمقتضى حال المخاطب به.
(2) التزامه بقواعد اللّغة وضوابطها في مفرداتها وتراكيب جملها.
(3) خلُوّه من التعقيد اللّفظي، والتعقيد المعنوي.
وبعد توافر هذه الأركان الأساسيّة توجد عناصر كثيرة تُكْسِبُ الكلام ارتقاءً أدبيّاً وتُعْطيه جمالاً وإبداعاً، ورونقاً وحياةً، وقدرةً على التأثير والهيمنة على النفوس والأفكار والقلوب.
وبمقدار ما يُمْكِنُ أن يجتمع في الكلام من هذه العناصر، متلائمةً غير متنافرة، متوائمة غير متشاكسة، مُتَحابّة غير متباغضة، مطابقةً لمقتضى حال المخاطب، يكون تسامي الكلام في سلّم الكمال الأدبيّ الرفيع، الّذي يحتلُّ قمّته لدى التحليل المِْجْهَريّ الدقيق كلام الله المعجز، ثمّ يأتي من دونه كلامُ الناس، مع المسافات الشاسعات بينه وبين قمّة كلام الناس.
وكما نقتبس عناصر الجمال والكمال من لوحات الطبيعة التي خلقها الله، فنعمل الأعمال الفنيّة الرفيعة بمحاكاة الفنون المختلفة فيها ضمن قدراتنا البشريّة، ونتتلمذ على الأمثلة الجمالية الكمالية التي تقدّمها لنا، فنكتسب منها الذوق، وفنون الصنعة الرائعة، بأشكالها وألوانها وأنغامها وملامسها وأنظمتها وحركتها وحياتها وعواطفها ولذّاتها وآلامها وذكرياتها وتحسّراتها وآمالها ومخاوفها، إلى سائر الظواهر الطبيعية في كل جامد متحركّ ونام وحيّ.
كذلك يقتبس أهل البصيرة عناصر الجمال والكمال الأدبي من اللّوحات البيانيّة البديعة المنزّلة من لَدُنْ حكيم عليم، والتي نتدبّر ما نتدبّر منها في كتاب الله المجيد على مقدار قدراتنا البشريّة.
وهذا التدبّر الواعي يحتاج إلى بصيرة نفّاذة لمّاحة، وصبر طويل، ومعالجات متكرّرات، ومعرفة بما توصّل إليه المتدبَّرون السابقون، وبحث مستمر لاستنباطات جديدة، ثم تكون أنصبه الباحثين بعد كل ذلك على مقدار مواهبهم، لا على مقدار البحر المحيط الذي يغترفون منه، ويغوصون في أعماقه، ليستخرجوا من روائعه وبدائعه.
الكلام ولفظ المعنى:
ومن الْبَدَهِيّاَت الأساسيّة أنّ الكلام ذا الدلالة اللّغوية إنّما هو لفظ ومعنى.
* أمّا اللفظ، فينحلّ إلى قسمين:
1- مفرد.
2- مركب.
أمّا المفرد في المنظار الأدبي، فيمكن أنْ نقسِّمه إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: اللّيّن السهل، وتتفاوت في ذوق الأديب درجات هذا القسم، فمن هُلاميّ رجراج، مثل الكلمات الخفيفة التي يستطيع الأطفال الصغار المبتدئون بالنطق أن ينطقوا بها صحيحة سليمة، وهي غالباً تتألّف من الحروف الشفويّة والصوتية، ثم الحروف اللّثويّة والصوتيّة، مثل: "بابا - ماما - دادا - لولو" وتتدرّج النسبة ارتقاء، مع المحافظة على صفة اللّين والسهولة، ولكن بالنسبة إلى نطق الكبار العادّيين، مثل: "نَسْمَة - بَسْمَة - رَنَا - دَنَا - وَهَى - وَشَى" ومن السهل اللّين في القرآن قول الله تعالى في سورة (الرحمن 55) :
{الرحمان * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان * الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر يَسْجُدَانِ} [الآيات: 1 - 6]القسم الثاني: القويّ الجزل، وتتفاوت في ذوق الفصيح ذي الحسِّ المرهف درجات هذا القسم.
ومن أمثلة القوي الجزل المفردات التالية من سورة (الشمس 91) :
"ضُحاها - جَلاّها - يَغْشاها - طَحَاها - بِطَغْواها - إذا انْبَعَثَ أشْقَاها - فَعَقَروها - فَدَمْدَم عليهم - عُقْباها".
القسم الثالث: الحُوشِيُّ الغريب، وتتفاوت درجات هذا القسم. والحوشي الغريب ما قلّ في العرب استعماله، لثقله على الألسنة، حتى يكاد بعضه يُهمل في الاستعمال عند معظم العرب، مثل المفردات التالية:
الْحَنْطَبَة: بمعنى الشجاعة.
والْحَيْزَبُون، والشَّهْرَبَة: بمعنى المرأة العجوز.
طَخَا الليل: بمعنى أظلم.
تَطَشَّى المريض: بمعنى برىء.
النُّقَاخ: وهو الضرب على الرأس بشيء صلب.
الْهَبَيَّخَة: وهي الجارية باللّغة الحِمْيَرِيَّة.
الْهَبَيَّخُ: وهو الرجل الأحمق، والوادي العظيم، والنهر العظيم.
الْقُدْمُوس والْقُدْمُوسَة: وهي الصخرة العظيمة.
الْعَقَنْفَسُ والْعَفَنْقَس: هو السيِّىء الخلق.
القسم الرابع: الصعب الجموح، وتتفاوت درجات هذا القسم. ومن الصعب الجموح ماهو حوشي غريب، ولكن ليس كل صعب جموح كذلك، فقد لانت في ألسنة العرب كلمات صعاب، وبقيت مستعملة دارجة بيْن أُدبائهم إلاَّ أنّها صعبة على الألسنة لها جُموح ونفور، مثل الكلمات التالية:
غَضَنْفر: من أسماء الأسد.

رد مع اقتباس
 


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سطور في كتاب (118): من مقدمة كتاب الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني مصطفى شعبان مقالات مختارة 1 01-19-2021 01:21 AM
سطور في كتاب (54): من كتاب الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز للعلوي مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 09-17-2017 06:42 AM
سطور في كتاب (30): من كتاب الإملاء والترقيم في الكتابة العربية لعبد العليم إبراهيم مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 05-21-2017 07:10 AM
سطور في كتاب (28): من كتاب دراسات في أصول اللغات العربية لعبد العزيز القاري مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 05-13-2017 08:39 AM
سطور في كتاب (1): من كتاب أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 03-18-2017 12:54 PM


الساعة الآن 11:35 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by