mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (49): من كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري

كُتب : [ 08-24-2017 - 06:20 AM ]


معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ
من كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري


إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، وتنوّق له كرائم اللفظ، واجعلها على ذكر منك؛ ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلّبها، واعمله ما دمت فى شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخوّنك الملال فأمسك؛ فإنّ الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضّجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شىء بعد شىء، فتجد حاجتك من الرّى، وتنال أربك من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلّ عنك غناؤها.
وينبغى أن تجرى مع الكلام معارضة، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلّقت بذيله، وتحذّر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت فى تتبّعه، ونصبت فى تطلّبه؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدأب؛ وقد قال الشاعر:
إذا ضيّعت أول كل أمر ... أبت أعجازه إلّا التواء
وقالوا: ينبغى لصانع الكلام ألّا يتقدّم الكلام تقدما، ولا يتبع ذناباه تتبّعا، ولا يحمله على لسانه حملا؛ فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه. وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه جياده وغرره؛ وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه فى محاسنه.
ولكنه يجرى معه فلا تندّ عنه نادّة معجبة سمنا إلّا كبحها، ولا تتخلّف عنه مثقلة هزيلة إلّا أرهقها. فطورا يفرّقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر، ويتناول اللفظ من تحت لسانه، ولا يسلّط الملل على قلبه ولا الإكثار على فكره. فيأخذ عفوه، ويستغزر درّه، ولا يكره أبيّا، ولا يدفع أتيا.
وقال بشر بن المعتمر : خذ من نفسك ساعة لنشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها لك؛ فإنّ قلبك فى تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرق حسنا، وأحسن فى الأسماع، وأحلى فى الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل غرّة من لفظ كريم، ومعنى بديع.
واعلم أنّ ذلك أجدى عليك ممّا يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطالبة والمجاهدة والتكلّف والمعاودة؛ ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا؛ وكما خرج عن ينبوعه، ونجم من معدنه.
وإياك والتوعّر؛ فإن التوعّر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذى يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما ويفسدهما ويهجنهما، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة، وترتهن نفسك فى ملابستهما، فكن فى ثلاث منازل:
فأوّل الثلاث أن يكون لفظك شريفا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا. فإن كانت هذه لا تواتيك، ولا تسنح لك عند أوّل خاطر، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتّصل بسلكها، وكانت قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب
الأماكن، والنزول فى غير أوطانها؛ فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم، ولم تتكلّف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد، وإن تكلّفته ولم تكن حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك بصيرا عابك من أنت أقلّ عيبا منه، وزرى عليك من هو دونك.
فإن ابتليت بتكلّف القول، وتعاطى الصناعة، ولم تسمح لك الطبيعة فى أوّل وهلة، وتعصّى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل، ودعه سحابة يومك ولا تضجر، وأمهلة سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة وجريت من الصناعة على عرق؛ وهى- المنزلة الثانية.
فإن تمنّع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر، وطول الإمهال، فالمنزلة «3» الثالثة أن تتحوّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك؛ فإنك لم تشتهها إلّا وبينكما نسب، والشىء لا يحنّ إلا إلى ما شاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون فى طبقات؛ فإنّ النفوس لا تجود بمكنونها، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود مع الرّغبة والمحبّة.
وينبغى أن تعرف أقدار المعانى، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين أقدار الحالات؛ فتجعل لكلّ طبقة كلاما، ولكلّ حال مقاما، حتى تقسم أقدار المعانى على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات.
واعلم أنّ المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكلّ مقام من المقال؛ فإن كنت متكلّما، أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد، فتخطّ ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض والكون والتأليف والجوهر، فإنّ ذلك هجنة.
وخطب بعضهم فقال: إنّ الله أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّنهم ثم لا شاهم، فضحكوا منه؛ وقال بعض المتأخرين:
نور تبين فيه لاهوتيه ... فيكاد يعلم علم ما لن يعلما
فأتى من الهجنة بما لا كفاء له، وكذلك كن أيضا إذا كنت كاتبا.
الرسائل والخطب
واعلم أنّ الرسائل والخطب متشاكلتان فى أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية، وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظ الخطباء تشبه ألفاظ الكتّاب فى السهولة والعذوبة؛ وكذلك فواصل الخطب، مثل فواصل الرسائل؛ ولا فرق بينهما إلّا أنّ الخطبة يشافه بها، والرسالة يكتب بها؛ والرسالة تجعل خطبة، والخطبة تجعل رسالة، فى أيسر كلفة؛ ولا يتهيّأ مثل ذلك فى الشعر من سرعة قلبه وإحالته إلى الرسائل إلّا بكلفة؛ وكذلك الرسالة والخطبة لا يجعلان شعرا إلا بمشقّة.
ومما يعرف أيضا من الخطابة والكتابة أنّهما مختصّتان بأمر الدين والسلطان، وعليهما مدار الدّار، وليس للشّعر بهما اختصاص.
أمّا الكتابة فعليها مدار السلطان.
والخطابة لها الحظّ الأوفر من أمر الدّين؛ لأنّ الخطبة شطر الصلاة التى هى عماد الدّين فى الأعياد والجمعات والجماعات، وتشتمل على ذكر المواعظ التى يجب أن يتعهّد بها الإمام رعيّته لئلّا تدرس من قلوبهم آثار ما أنزل الله عزّ وجلّ من ذلك فى كتابه، إلى غير ذلك من منافع الخطب.
الشعر
ولا يقع الشّعر فى شىء من هذه الأشياء موقعا، ولكنّ له مواضع لا ينجع فيها غيره من الخطب والرسائل وغيرها، وإن كان أكثره قد بنى على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادات والألفاظ الكاذبة؛ من قذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان؛ لا سيما الشعر الجاهلىّ الذى هو أقوى الشعر وأفحله؛ وليس يراد منه إلّا حسن اللفظ، وجودة المعنى؛ هذا هو الذى سوّغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه.
وقيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب فى شعره؛ فقال: يراد من الشاعر حسن الكلام، والصّدق يراد من الأنبياء.
فمن مراتبه العالية التى لا يلحقه فيها شىء من الكلام النظم الذى به زنة الألفاظ، وتمام حسنها؛ وليس شىء من أصناف المنظومات يبلغ فى قوة اللفظ منزلة الشعر.
ميزات الشعر على غيره
ومما يفضل به غيره أيضا طول بقائه على أفواه الرّواة، وامتداد الزمان الطويل به؛ وذلك لارتباط بعض أجزائه ببعض؛ وهذه خاصة له فى كلّ لغة، وعند كلّ أمة؛ وطول مدة الشىء من أشرف فضائله.
ومما يفضل به غيره من الكلام استفاضته فى الناس وبعد سيره فى الآفاق؛ وليس شىء أسير من الشعر الجيّد، وهو فى ذلك نظير الأمثال.
وقد قيل: لا شىء أسبق إلى الأسماع، وأوقع فى القلوب، وأبقى على الليالى والأيام من مثل سائر، وشعر نادر.
ومما يفضل به غيره أنه ليس يؤثّر فى الأعراض والأنساب تأثير الشعر فى الحمد والذم شىء من الكلام؛ فكم من شريف وضع، وخامل دنىء رفع؛ وهذه فضيلة غير معروفة فى الرسائل والخطب.
ومما يفضلهما به أيضا أنه ليس شىء يقوم مقامه فى المجالس الحافلة، والمشاهد الجامعة، إذا قام به منشد على رءوس الأشهاد، ولا يفوز أحد من مؤلّفى الكلام بما يفوز به صاحبه من العطايا الجزيلة، والعوارف السنيّة، ولا يهتزّ ملك، ولا رئيس لشىء من الكلام كما يهتزّ له، ويرتاح لاستماعه؛ وهذه فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شىء من الكلام.
ومنه أنّ مجالس الظّرفاء والأدباء لا تطيب، ولا تؤنس إلّا بإنشاد الأشعار، ومذاكرة الأخبار؛ وأحسن الأخبار عندهم ما كان فى أثنائها أشعار؛ وهذا شىء مفقود فى غير الشعر.
ومما يفضل به الشعر أن الألحان- التى هى أهنى اللّذات- إذا سمعها ذوو القرائح الصافية، والأنفس اللطيفة، لا تتهيّأ صنعتها إلا على كل منظوم من الشعر؛ فهو لها بمنزلة المادّة القابلة لصورها الشريفة؛ إلّا ضربا من الألحان الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر، تمطّط فيه الألفاظ؛ فالألحان منظومة، والألفاظ منثورة.
ومن أفضل فضائل الشّعر أنّ ألفاظ اللغة إنما يؤخذ جزلها وفصيحها، وفحلها وغريبها من الشعر؛ ومن لم يكن راوية لأشعار العرب تبيّن النقص فى صناعته.
ومن ذلك أيضا أنّ الشواهد تنزع من الشّعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن وأخبار الرسول صلّى الله عليه وسلّم شاهد.
وكذلك لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيّامها ووقائعها إلّا من جملة أشعارها؛ فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها؛ فإذا كان ذلك كذلك فحاجة الكاتب والخطيب وكلّ متأدّب بلغة العرب أو ناظر فى علومها إليه ماسّة وفاقته إلى روايته شديدة.
وأمّا النقص الذى يلحق الشّعر من الجهات التى ذكرناها فليس يوجب الرغبة عنه والزّهادة فيه، واستثناء الله عزّ وجلّ فى أمر الشعراء يدلّ على أنّ المذموم من الشعر إنما هو المعدول عن جهة الصواب إلى الخطأ والمصروف عن جهة الإنصاف والعدل إلى الظلم والجور.
وإذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذم، ولو كان الذمّ لازما له لكونه شعرا لما جاز أن يزول عنه على حال من الأحوال. ومع ذلك فإنّ من أكمل الصفات صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين كما أن من أتمّ صفات الشاعر أن يكون خطيبا كاتبا. والذى قصّر بالشعر كثرته وتعاطى كلّ أحد له حتى العامة والسفلة؛ فلحقه من النقص ما لحق العود والشّطرنج حين تعاطاهما كلّ أحد.
ومن صفات الشعر الذى يختصّ بها دون غيره أنّ الإنسان إذا أراد مدبح نفسه فأنشأ رسالة فى ذلك أو عمل خطبة فيه جاء فى غاية القباحة، وإن عمل فى ذلك أبياتا من الشعر احتمل.
ومن ذلك أنّ صاحب الرياسة والأبّهة لو خطب بذكر عشيق له، ووصف وجده به، وحنينه إليه، وشهرته فى حبّه، وبكاءه من أجله لاستهجن منه ذلك، وتنقّص به فيه؛ ولو قال فى ذلك شعرا لكان حسنا.
كيف تعمل للشعر
وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعانى التى تريد نظمها فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأتّى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعانى ما تتمكّن من نظمه فى قافية ولا تتمكّن منه فى أخرى، أو تكون فى هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه فى تلك؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزّا فجّا ومتجعدا جلفا.
فإذا عملت القصيدة فهذّبها ونقّحها؛ بإلقاء ماغثّ من أبياتها، ورثّ ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوى أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها.
فقد أنشدنا أبو أحمد رحمه الله قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد:
طرقتك عزّة من مزار نازح ... يا حسن زائرة وبعد مزار
ثم ثال أبو بكر: لو قال: «يا قرب زائرة وبعد مزار» لكان أجود. وكذلك هو لتضمّنه الطّباق.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان، قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ، أنشدت جريرا قوله :
تصطكّ إلحيها على دلائها ... تلاطم الأزد على عطائها
حتى بلغت إلى قوله:
تجرّ بالأهون من دعائها ... جزّ العجوز الثّنى من كسائها
فقال جرير: ألا قال: «جرّ الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته.
فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز؛ ووقع بينهما الشرّ. وقول جربر: «جرّ العروس طرفى ردائها» . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جرّ العجوز الثنى من كسائها» . وليس فى اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة؛ لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم فى الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: «الثّنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف. وقول جرير:
«طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقلّ حروفا.
وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك؛ كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال :
لعمر الغوانى يوم صحراء أربد ... لقد هيّجت وجدا على ذى توجّد
ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن.
وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو قولك :
وأوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ماجرّد السيف لامع
والله لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن.
وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.
وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.
وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.
وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.
وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.
ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، قال:
أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
أشارت بأطراف البنان المخضّب ... وضنّت بما تحت النقاب المكتّب
وعضّت على تفاحة فى يمينها ... بذى أشر عذب المذاقة أشنب
وأومت بها نحوى فقمت مبادرا ... إليها فقالت: هل سمعت بأشعب
فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.
وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف

رد مع اقتباس
 


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سطور في كتاب (120): من كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة لأبي علي التنوخي مصطفى شعبان مقالات مختارة 1 11-13-2018 02:44 PM
سطور في كتاب (65): من كتاب الأحرف السبعة للقرآن لأبي عمرو الداني مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 10-21-2017 10:12 AM


الساعة الآن 07:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by