صيغة فُعْلَى في العربية
د. عبد الله بن ناصر القرني
ملخص البحث
عرض البحث لصيغة (فُعْلَى) في العربية، وبين الاستعمال العربي لها، وبين أن العرب استعملتها اسْمَ ذاتٍ، واسْمَ مَعْنىً، وصِفَةً، وجاءت أقوالٌ تبين أنه دُلَّ ببعض الألفاظ من هذه الصيغة على الجمع - وإن لم يكن باتفاق -.
ثم عرض البحث بعد ذلك إلى الأحكام اللغوية لهذه الصيغة، وناقش قضايا متعلقة بألفاظها منها:
- استعملت العرب (فُعْلَى) صفة مؤنثاً ل (أَفْعَل) ب (أل) أو بالإضافة، وهو الوجه. وجاء في بعض الشعر والعبارات لدى العلماء استعمالها بغير ذلك، وقد عُدّ لحناً، لكن البحث انتهى إلى إمكان قبوله متابعة لما رآه عضو مجمع اللغة بالقاهرة.
- يختلف جمع صيغة (فُعْلَى) بحسب نوعها فما كان مؤنثاً ل (أفعل) فإنه يجمع على (فُعَل) ويجمع بالألف والتاء فيقال في كُبْرَى كُبَر وكُبْرَيات. وما جاء على غير ذلك فشاذ. وما جمع على (فُعَل) ولم يكن مؤنثاً ل (أفْعَل) فهو شاذٌ أيضاً.
- وما لم يكن مؤنثاً ل (أَفْعَل) فلا يجمع على (فُعَل) ومرد كل ذلك إلى ما سمع عن العرب.
- تتأثر صيغة (فُعْلَى) من حيث الإعلال وعدمه بنوع الصيغة، فأحياناً لا يُعَل ما يجب إعلاله، وأحياناً أخرى يُعَل مالا يجب إعلاله فرقاً بين الاسم والصفة. وكل ذلك بالتفصيل في ثنايا البحث.
• • •
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد بذل علماء العربية جهداً كبيراً في تحديد أبنية العربية، وَوَصْفِها على نحوٍ دقيقٍ، بل اتخذها بعضهم منهجاً في حصر الأبنية والتمثيل لها، واتجه آخرون إلى العناية ببعض الأبنية، وحاولوا حصر ألفاظها، ثم تجاوز الأمرُ ذلك إلى أن أخذ صورة المعجم، الذي اتبع نظام الأبنية في ترتيب الألفاظ، وجمع الكلمات اللاتي يجمعها بناء واحد، في باب واحد، يفيد منه الصرفيون، ويطلعنا على خصائص الأوزان، وما يفيده كل بناء من الأبنية، كما فعل الفارابي في ديوان الأدب - على ما في منهجه من مشقة نَتَجَتْ عن تفريق المادة الواحدة -.
وكان في جملة تلك الأبنية صيغة (فُعْلَى) التي اختص بها الاسم دون الفعل، والصيغة بهذا الوزن (فُعْلَى) إشارة إلى أن الكلمات التي جاءت عليها ثلاثية مزيدة بحرف في آخرها.
ولما كانت (فُعْلَى) تتنوع من حيث إنها تكون اسمَ ذات، واسمَ معنى، وصفةً، وصيغةً دالةً على الجمع باختلافٍ بين العلماء؛ أردت أن أبين ذلك في هذا البحث، فجمعت ما وقع لي من ألفاظ هذه الصيغة، في كتب المعاجم والأبنية، وكتب المقصور والممدود، وأفدت كثيراً مما جاء في باب ما جاء على (فُعْلَى) من كتاب المخصص.
ثم أتبعت ذلك بدراسةٍ لبعض القضايا المتعلقة بهذه الصيغة من حيث دلالتها على الجمع في الإعلال.
واقتضت طبيعة البحث أن يكون في خمسة فصول، على النحو التالي:
الفصل الأول: فُعْلَى اسم ذات.
الفصل الثاني: فُعْلَى اسم معنى.
الفصل الثالث: فُعْلَى صفة.
الفصل الرابع: فُعْلَى والدلالة على الجمع.
الفصل الخامس: أحكامها اللغوية.
أرجو أن أكون وفقت في بيان المراد، ووصلت إلى المقصود والله ولي التوفيق.
الفصل الأول: فُعْلَى اسم ذات:
استعملت العرب ألفاظاً على زنة (فُعْلَى) للدلالة بها على اسم الذات وإليك ما وجدته في معاجم العربية من هذا: أُبْلَى: أُبْلَى: موضع ورد في غريب الحديث قال ابن الأثير في النهاية: ((وفيه ذكر (أُبْلَى) هو بوزن (حُبْلَى) موضع بأرض بني سليم، بين مكة والمدينة، بعث إليه رسول الله ش قوماً)) (1) . وهي ((جبال فيها بئر معونة)) (2) وذكر ابن سيده أنه وادٍ (3) .
وكذا القالي في المقصور والممدود (4) .
وقال البكري: ((وهي جبال على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة، على بطن نَخْلٍ. وأُبْلَى: حِذاءَ وادٍ يقال له عُرَيْفطان ... وبأُبْلَى مياهٌ كثيرة منها بئر مَعونة، وذو ساعدة ... )) (5) .
((وأنشد ابن بري قال: قال زُنَيم بن حَرَجَة في دريد:
فسائل بني دُهمان: أيُّ سَحَابَةٍ ... ... علاهم بأُبْلَى ودقها فاستهلتِ؟
قال ابن سيده: وأنشده أبو بكر محمد بن السريّ السراج:
سَرَى مثلَ نَبْضِ الْعِرْق والليلُ دُونَهُ ... ... وأَعْلاَمُ أُبْلَى كُلُّها فالأَصَالِقُ
ويُرْوَى: وأعلام أُبْل)) (6) .
(أُخْرَى) ((الأُخْرَى والآخرة: دارُ البقاء صفَةٌ غالبةٌ)) (7) .
(أورى) : ((أُورَى شَلَّم: موضع بيت المقدس)) (8) .
((وفي حديث عطاء: أبشري أُورَى شَلَمَ براكب الحمار. يريد بَيْتَ الْمَقْدِس؛ قال الأعشى (9) :
وقد طُفْتُ للمالِ آفاقَه ... ... عُمَانَ فَحِمْصَ فَأُورَى شَلَمْ
__________
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1 / 16.
(2) القاموس المحيط للفيروزآبادي (أبل) .
(3) المخصص لابن سيده 15 / 190.
(4) المقصور والمدود لأبي علي القالي 235.
(5) معجم ما استعجم 1 / 98.
(6) لسان العرب لابن منظور (أبل) .
(7) لسان العرب لابن منظور (أخر) .
(8) المخصص 15 / 190.
(9) الكبير في ديوانه: 318.
والمشهور أُورَى شَلَّم، بالتشديد، فخففه للضرورة، وهو اسم بيت المقدس؛ ورواه بعضهم بالسين المهملة وكسر اللام كأنه عرَّبه وقال: معناه بالعبرانية بيت السلام)) (1) .
(بُصْرَى) : ((بُصْرَى: قرية بالشام)) (2) ، وبُصْرَى مدينة حوران. قال ياقوت: ((بُصْرَى: في موضعين، بالضم والقصر. إحداهما بالشام من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حَوْرَان. مشهورة عند العرب قديماً وحديثاً، ذِكْرُها كثيرٌ في أشعارهم؛ قال أعرابي:
أيا رفقةً، من آل بُصْرَى، تحمّلوا ... ... رسالتنا لُقِّيتِ من رُفقةٍ رُشدا
... وقال الصمة بن عبد الله القشيري:
نظرت، وطرف العين يتَّبع الهوى ... ... بشرقي بُصْرَى نظرة المتطاول
لأبصر ناراً أو قدت، بعد هَجْعةٍ ... ... لِرَيَّا بذات الرّمث من بطن حائل (3)
.... وبُصْرَى أيضاً: من قرى بغداد قرب عُكْبَرَاء ...
وإليها ينسب أبو الحسن محمد بن أحمد بن خلف البُصْرَوي الشاعر ... )) (4) .
(بُقيا) . ((البُقْيا: البقية، وهي أيضاً البَقْوَى)) (5) . قال الشاعر:
فما بُقْيا عَلَيَّ تَرَكْتُمَانِي ... ... ولكن خِفْتُما صَرَدَ النِّبال (6)
__________
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر 1 / 80.
(2) المخصص 15 / 194.
(3) ديوان الصمة بن عبد الله القشيري ص 449.
(4) معجم البلدان لياقوت الحموي 1 / 441.
(5) المخصص 15 / 193.
(6) الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية) لإسماعيل بن حماد الجوهري (بقي) .
والبيت للّعين المِنقري من أبيات له في القضاء بين الفرزدق وجرير، وقبل البيت المذكور:
سأقضي بين كلب بني كليبٍ
فإن الكلب مطعمه خَبيث
وبين القين قين بني عقالِ
وإن القين يعمل في سفالِ
الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 251.
(بُهْمَى) (البُهْمَى: نَبْتٌ، قال أبو حنيفة: هي خير أحرار البقول رطباً ويابساً، وهي تنبت أَوَّلَ شيءٍ بَارِضاً حين تخرج من الأرض، تنبت كما ينبت الحبّ، ثم يبلغ بها النبت إلى أن تصير مثل الحبّ، ويخرج لها إذا يبست شوك مثل شوك السُّنْبُل، وإذا وقع في أنوف الإبل والغنم أَنِفَتْ عنه حتى ينزعه الناسُ من أفواهها وأنوفها، وإذا عظمت البُهْمَى ويَبِسَت كانت كلأً يرعاه الناسُ حتى يصيبه المطر من عام مقبل، وينبت من تحته حبه الذي سقط من سُنْبُله، وقال بعض الرواة: البُهْمَى ترتفع نحو الشِّبْرِ، ونباتها ألطف من نبات البُرِّ، وهي أنجع المَرْعَى في الحافر مالم تُسْفِ، الواحد والجميع في كل ذلك سواءٌ، وقيل: واحدته بُهْماة، هذا قول أهل اللغة، وعندي أن من قال: بهماةٌ فالألف عنده مُلْحِقة له بِجُخْدَب، فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الأول عما كان عليه، وجعل الألف للتأنيث فيما بعد، فيجعلها للإلحاق مع تاء التأنيث، ويجعلها للتأنيث إذا فقد الهاء.
وأَبْهَمَت الأرض: أنبتت البُهْمَى. وأرض بَهِمَةٌ: تُنْبِتُ البُهْمَى كذلك، حكاه أبو حنيفة وهذا على النسب) (1) .
(والعرب تقول: البُهْمَى عُقْر الدارِ وعُقارُ الدار، يريدون أنه من خيار المرتع في جناب الدَّار) (2) .
(تُبْنَى) : ((تُبْنَى: موضع من أرض البَثَنِيَّة)) (3) وأنشد سيبويه (4) :
فلا زال قَبْرٌ بين تُبْنَى وجاسم ... ... عليه من الوسمّي طَلٌّ ووابلُ)
وجعل ياقوت (تُبْنَى) في هذا البيت بلدة بحوران من أعمال دمشق، و (تُبْنَى) قرية من أرض البثنية لغسان مذكورة في قول كُثَيِّرِ:
__________
(1) المحكم والمحيط الأعظم لعلي بن إسماعيل بن سيده 4 / 243.
(2) لسان العرب (بهم) .
(3) المخصص 15 / 193.
(4) في الكتاب 3 / 36 والبيت للنابغة الذبياني في ديوانه 155. والرواية فيه:
سقى الغيث قبراً..... بغيث..... قطر ...
أصاريمَ حَلّتْ منهمُ سَفْحَ رَاهِطٍ ... ... فأكنافَ تُبْنَى مَرْجَها فَتِلاَلَها (1)
(تُرْعَى) : ((وتُرْعَى: موضع)) (2) . وجعلها البكري على وزن (تُفْعَل) من الرعي (3) .
(تُرْنَى) : ((وتُرْنَى: موضع)) (4) . قال البكري: ((تُرْنَى بضم أوله، وإسكان ثانيه ... وقيل: تَرْنَى، بفتح التاء.
وقال آخرون: بل هو يَرْنَى، بالياء أخت الواو، وهي رملة في ديار بني سعد)) (5) . وجاء على ذلك قول العجاج:
برمل تُرْنَى أو برمل بَوْزَعا (6) (تُوثَى) : ((وكَفْرُ تُوثَى: موضع)) (7) .
وقد جعل القالي (تُبْنَى، وتُرْعَى) على مثال (تُفْعَل) . وذكر المحقق أنه جاء بهامش النسخة: ((ليس يبعد أن تكون هذه الحروف من باب (فُعْلَى) إذ هو أكثر من تُفْعَل، وإنما جعلت التاء في تُرْتَب زائدة بالاشتقاق وعدم المثال، وهذه كلمات لا اشتقاق لها، ولا عدم مثال، إذا أمكن أن تُجْعَل (فُعْلَى)) ) (8) .
(حُبَّى) : ((حُبَّى، على وزن فُعْلَى: اسم امرأة. قال هُدْبَةُ بن خَشْرَمٍ:
فما وَجَدَتْ وَجْدِي بها أُمُّ وَاحدٍ ... ... ولا وَجْدَ حُبَّى بابنِ أُمِّ كِلابِ)) (9)
وقال حذيفة بن دأب:
لَئِنْ خُدِعَتْ حُبَّى بِسِبٍّ مُزَعْفَرٍ ... ... فَقَدْ يُخْدَعُ الضَّبُّ المخادع بالتَّمْرِ (10)
__________
(1) ديوان كثير ص 147. وانظر معجم البلدان لياقوت 2 / 14.
(2) المخصص 15 / 193.
(3) معجم ما استعجم 1 / 310.
(4) المخصص 15 / 193.
(5) معجم ما استعجم 1 / 310.
(6) ديوانه 2 / 353.
(7) المخصص 15 / 193.
(8) المقصور والممدود ص 265.
(9) اللسان (حبب) ص 353.
(10) الحيوان لأبي عثمان الجاحظ 6 / 61 والسِّبُّ؛ بالكسر: العمامة. والمزعفر: الملون بالزعفران.