الألفاظ المشتركة المعاني في اللغة العربية طبيعتها أهميتها مصادرها
د. أحمد محمد المعتوق
ملخص البحث
... تشكل الألفاظ العربية المشتركة المعاني مع ما صدر لها من شروح ودار حولها من مناقشات جزءاً مهماً من تراثنا اللغوي والأدبي. غير أن موقف الباحثين واللغويين العرب حيال هذه الألفاظ وحديثهم عن طبيعتها وعن أهميتها ودورها في مجال التعبير كان وما يزال خلافياً غير مستقر، كما أن الكتب المحتوية على هذه الألفاظ تنقصها المنهجية ويعوزها التنظيم. وهذا ما جعل من هذه الألفاظ قضية لغوية جديرة بالدراسة، لاسيما وأن الظروف اللغوية الراهنة تقضي بالبحث عن ما يثري اللغة ويبعث على التمكن منها. وهذا البحث يعالج هذه القضية من زوايا مختلفة: لغوية وأدبية وبلاغية، معالجة تعتمد الفحص والتحليل والطرح الموضوعي ومناقشة الآراء وفق منهج نقدي جديد يهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد حلول جذرية للخلاف الدائر حول الألفاظ المشتركة المعاني في اللغة العربية، كما يسعى إلى توضيح طبيعة نشوئها وإثبات أهميتها ومدى فاعليتها في مجالات التعبير في حياتنا الحاضرة. ثم إلى دراسة أهم الكتب التي تضمها، بنحو يمهد لوضع معجم عصري موحد شامل متطور لها. هذا كله بالإضافة إلى ما يثيره هذا البحث من أسئلة وموضوعات تتعلق بجوانب جديرة بالدراسات المستقبلية، من مثل ارتباط المشترك اللفظي بالشعر بنوعيه القديم والحديث، وارتباطه ببعض الأساليب البلاغية كالمجاز والتورية والاستعارة والجناس. وأخيراً ما يمكن أن تكون له من صلة بمستقبل المصطلح العلمي.
• • •
تقديم:
بالإضافة إلى الاختلاف القائم حول حقيقة الاشتراك اللفظي في اللغة العربية، هناك تباين في الآراء حول أهميته، أو مدى إيجابية وجوده، أو كثرته في اللغة: فمن مدع أن المشترك اللفظي يشكل دليلاً على ضعف اللغة، وعدم قدرتها أو قدرة رصيدها على التعبير عن معاني الحياة وأغراضها المختلفة، لذلك يجب تنزيه اللغة عنه. ومن مدع أن المشترك اللفظي يشكل عاملاً مهماً من عوامل الغموض في النصوص، ولاسيما النصوص الشعرية، وإذاً فلا يعد وجوده أو تزايده في العربية صفة إيجابية محمودة؛ لأنه يسلبها جانباً من وضوحها وجلائها المفترض. وهذا مذهب تؤيده بعض النزعات التقليدية التي تشترط وضوح العبارة على عمومها، وترى أن أحسن الكلام ما كشف القناع عن معناه، وأفهم سامعه مضمونه دون جهد أو عناء. بينما ترفضه الاتجاهات التي تعد الغموض سمة إيجابية في النص الأدبي، لاسيما إذا كان شعراً، وتعتبر كثرة المشترك اللفظي دليلاً على ثراء اللغة، وطواعيتها ومرونتها، وشاعريتها، واتساعها في التعبير، وليس فقرها وضعفها كما يزعم الآخرون. من جانب آخر فقد كان للمشترك اللفظي عند أهل البديع مقام كبير؛ لأن عدداً من فنون البديع كالجناس والتورية والترصيع وغيره من فنون البلاغة الأخرى قائم عليه، مستمد وجودها من وجوده. وهذا من جملة ما جعل المشترك اللفظي موضع اهتمام الفقهاء والأصوليين والمفسرين والباحثين في بلاغة القرآن وإعجازه من علماء العرب ونقادهم القدامى.
.. الإشكالات والآراء المختلفة أو المتضاربة التي سبقت الإشارة إليها جعلت من المشترك اللفظي قضية تستوجب الاهتمام، وتحفز على البحث، من أجل الوصول إلى معادلة صريحة، أو قرار حاسم حول طبيعة المشترك اللفظي وحقيقته، وحول ما يمكن أن يكون له من دور في إثراء الرصيد اللغوي وتنمية القدرة على التعبير، وفي واقع الحياة اللغوية عامة، والتحقيق في ما يرتبط بظاهرة الاشتراك اللفظي من شبهات أو ملابسات، هذا بالإضافة إلى التنبيه إلى أهم وأبرز مصادر المشترك اللفظي نفسه، وإلى ما يمكن أن يجعل هذه المصادر أكثر فاعلية. وهذه الدراسة تبحث هذه الجوانب في إطار نقدي مختصر جديد، تسعى إلى أن تكون فيه بعيدة عن تلك الاستطرادات والسرديات والطروحات المتكررة التي حفلت بها معظم الدراسات أو الكتابات السابقة ذات الصلة بالقضية، كما تطمح إلى أن تكون حافزة وممهدة لدراسات مستقبلية أكثر عمقاً وشمولية واتساعاً.
طبيعة الاشتراك اللفظي
.. يفرق بعض علماء اللغة المعاصرين من حيث المفهوم (1) بين الاشتراك اللفظي، أو ما يسمونه ... ب "homonymy " وبين " تعدد المعنى للفظ الواحد " أو ما يطلقون عليه " polysemy"، وينظرون إليهما على أنهما موضوعان مستقلان، يتناول أولهما - كما يستفاد من كتاباتهم أو طروحاتهم - تلك الألفاظ التي تتطور في شكلها وبنيتها الخارجية تطوراً متوازياً ممتداً حتى تتقابل وتتقارب وربما تتفق اتفاقاً تاماً وبطريق المصادفة في أصواتها وصورة نطقها، رغم اختلاف معانيها وصورة كتابتها، كما في الكلمتين الإنكليزيتين: see التي تعني بالعربية (يرى) و seaالتي تعني (البحر) ، وكذلك الكلمتين flour التي تعني (الدقيق أو لب القمح) وكلمة flower التي تعني (الزهرة) ، بينما يتناول الموضوع الثاني تلك الكلمات التي تنشأ عن تطور مدلولات الكلمة الواحدة منها إلى أن تتباعد ((بعضها عن بعض في خطوط متفرقة)) (2) وبهذا فإن مصطلح " المشترك اللفظي " وفق هذا المفهوم يعني التكرار مع التغير، ولكنه يتضمن وجود أكثر من كلمة بصيغة واحدة. بينما يتضمن المصطلح الآخر وجود كلمة واحدة بنفس الصيغة والشكل لأكثر من معنى واحد، أو بمعنى آخر أن الاشتراك اللفظي يعني وجود كلمات منحدرة من أصول مختلفة وذات مدلولات مختلفة أيضاً ولكنها متقاربة أو متطابقة من حيث الصيغة أو النطق. بينما يعني " تعدد المعنى" وجود كلمة واحدة منحدرة من أصل واحد لها أكثر من مدلول.
... رغم ما يوجد من تفريق دقيق بين مفهومي المصطلحين السابقين، فإن هناك بعض التداخل الملحوظ بينهما، وهذا التداخل ناشئ عن اعتبار بعض الكلمات " متعددة المعنى " عند بعض من أشرنا إليهم من العلماء من ضمن " المشترك اللفظي " لمجرد تطابق هذه الكلمات في النطق أو الصياغة، وعدم إدراك أو ملاحظة العلاقات بينها من قبل المتكلم العادي.
.. يعتبر (ستيفن أولمان) على سبيل المثال كلمة see التي تعني في العربية (يرى) غير كلمة see في عبارة مثل
«the bishop's see» التي تعني (عرش الأسقف) ، وكلمة page التي تعني (صفحة في كتاب) منفصلة عن كلمة page نفسها في عبارة page boy التي تعني (الساعي أو البواب) ، وكلمةflower التي تعني (زهرة) مستقلة عن الكلمة نفسها في عبارة مثل «the flower of the country's manhood» ، أي (صفوة رجال الأمة) . وعلى هذا الأساس فإن هذه الكلمات تعتبر من ضمن «المشترك اللفظي» وليست من «متعدد المعنى» ؛ لعدم وجود ما يشعر متكلم اللغة العادي بوجود علاقة بين كل زوج من هذه الكلمات، وعدم وجود ما يدل دلالة قاطعة على انحدارهما من أصل واحد (1) .
... وهذا تعليل موجب للارتباك والخلط، كما هو واضح، وقد أشار أولمان نفسه إلى تحفظ الاشتقاقيين والباحثين في الأصول التاريخية للكلمات على هذا الرأي، ذلك؛ لأن التعليل المذكور لا يسهل معه التفريق بين الاشتراك اللفظي، وتعدد المعنى بنحو ثابت، فكلمة (الخال) العربية على نحو المثال تعني كما ورد في «المعجم الوسيط» : (أخو الأم) وتعنى
(لواء الجيش) كما تعنى (ما توسمت به خيراً) وهي معان مختلفة كما نرى، قد لا يدرك المتكلم العادي في الأعم الأغلب أدنى علاقة بينها، فهل يدعو ذلك لإخراج هذه الكلمة عن كونها كلمة «متعددة المعنى» واعتبارها ثلاث كلمات منحدرة من أصول مختلفة! ؟
.. لا يبدو من كلام اللغويين العرب الأوائل ولا المعاصرين - حسب ما انتهى إليه تحقيقي - أنهم يفرقون بين «الاشتراك اللفظي» وبين «تعدد المعنى» على النحو الذي سبق توضيحه، فالمفهوم منهما عندهم كما يبدو واحد، وهو عكس ما يفهم من الترادف تماماً. فإذا كان الترادف يعني اتحاد المعنى وتعدد اللفظ، أو (إطلاق كلمتين أو عدة كلمات على مدلول أو معنى واحد) ، فإن الاشتراك اللفظي يعنى اتحاد اللفظ في الصيغة والنطق والكتابة والأصل في أغلب الأحيان أيضاً مع تعدد المدلول، أو بتعبير آخر (إطلاق كلمة واحدة في اللغة على معنيين فأكثر على السواء) (1) دون شرط ارتباطها بالسياق
الكلامي. كما تطلق في العربية مثلاً كلمة (الخال) على أخ الأم وعلى الشامة، وكلمة (النوى) على البعد وعلى جمع النواة، وكلمة (العين) على العين الباصرة، وعلى نبع الماء، وعلى رئيس أو وجيه القوم، وعلى الجاسوس، وعلى النقد والذهب، وعلى الشيء نفسه، وعلى معان أخرى غيرها ... (2)
... ومما يكثر استعماله في عصرنا من هذا النوع من الألفاظ على نحو المثال كلمة (الهاتف) التي نستخدمها للدلالة على الصوت الذي يسمع ولا يرى صاحبه، أو على الصوت الباطني الخفي فنقول مثلاً: «هتف به هاتف»
و «كأن هاتفاً هتف بي بين النوم واليقظة أن أعلن كلمة الحق» و «كلنا نهتف بعظمة الخالق سبحانه» . كما نطلق هذه الكلمة أيضاً على الذي يصيح بشخص مادحاً إياه فنقول: «هتف القوم بحياة الرئيس» . ونطلقها على آلة التلفون فنقول: «استعمل دليل الهاتف» و «أجهزة الهاتف المتنقل» ، وكذلك على (دائرة البرق والبريد والهاتف) نفسها، فنقول: «فلان يعمل في الهاتف، أو في دائرة الهاتف» .. فهذه المعاني المختلفة كلها تشترك في لفظة (هاتف) ، بنفس الصيغة والنطق ونفس الحركات، وهي وإن كانت تتحدد بالسياق في الغالب، إلا أنها يمكن أن تتبادر إلى الأذهان في حالة الإفراد أيضاً، أي بمجرد نطق الكلمة وعدم وجود السياق الذي ينص على مدلول واحد منها دون غيره..
... ولا يختلف مفهوم «الاشتراك اللفظي» عند البلاغيين العرب، كما يبدو عما هو عليه عند علماء اللغة، فهو، أو
«الاشتراك في اللفظ» - كما يطلق عليه أحياناً - يستخدم كمرادف ل ... «تعدد المعنى» ، وإن كان هناك من يستخدم هذا المصطلح وكأنه أعم في مدلوله من تعدد المعنى للفظ الواحد. فابن رشيق القيرواني (ت 456هـ) مثلاً يقسم الاشتراك في اللفظ في إطار حديثه عن التجنيس إلى ثلاثة أنواع (1) :
... النوع الأول: وقد أدرجه ضمن أنواع التجنيس أو المماثلة. وهو «أن تكون فيه اللفظة واحدة باختلاف المعنى» ، مثل قول زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلب:
فانعَ المُغيرَة للمُغيرَة إذ بَدَتْ
شعواءَ مشعلة كنبح النابح
... فالمغيرة الأولى: رجل، والمغيرة الثانية: الفرس، وهو ثانية الخيل التي تُغير. فهنا اللفظة استخدمت بمعنيين، فهي مشترك لفظي صريح وفق المفهوم المتعارف عليه آنذاك.
... النوع الثاني: وهو أن يحتمل اللفظ معنيين، أحدهما يلائم السياق الذي يستخدم فيه اللفظ والآخر لا يلائمه ولا دليل عليه وذلك كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً
أبو أمه حَيٌّ أبوه يُقاربه
... فقوله: (حَيٌّ) ، يحتمل القبيلة، ويحتمل الواحد الحَيَّ. وهذا النوع، كما هو واضح مشابه للنوع الأول، ما عدا أن
المعنى الآخر للفظ غير واضح، أو لا وجود لقرينة لفظية أو سياقية تدل عليه في النص الذي استخدم فيه، وهذا بالطبع لا يخرجه عن كونه مشتركاً في الأصل.
... النوع الثالث: وهو أن يكون اللفظ مشتركاً من حيث أحقية استخدامه بين الناس، لا أحد من الناس أولى به من الآخر. فالاشتراك عنده هنا يعني شركة الناس في استعماله وتداوله وليس هناك ما يتعلق بمعناه وتعدد هذا المعنى.