سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية
معجم مختصر العين للزبيدي
[IMG]
[/IMG]
والكتاب كما هو واضح من عنوانه اختصار لمعجم العين مع تعديلات طفيفة وتصرف ليس بالكثير. ومؤلفه في غنى عن التعريف فهو مؤلف طبقات النحويين واللغويين، ولحن العامة والاستدراك على أبنية سيبويه والواضح في عام العربية، وجميعها قد طبع وحقق.
وقد اطلعت على الجزء الأول من المطبوع ويقع في ثمانين صفحة. وهي تعادل ست عشرة صفحة من مخطوطة بغداد البالغ عددها 232 صفحة. وقام بتحقيق هذا الجزء علال الفاسي، ومحمد بن تاويت الطنجي، ونشر التحقيق في السلسلة اللغوية التي تصدرها وزارة الدولة في المملكة المغربية.
وأهم ما قام به الزبيدي في مختصر العين:
أ- التنظيم والتبويب: وقد شمل ذلك زيادة باب "للمضاعف الثنائي المعتل" وهو عند الخليل مدمج في باب "اللفيف". كما شمل فصل أحرف العلة والهمزة وعدم دمجها كما فعل الخليل. وقد بدأ الزبيدي بالهمزة يليها الياء فالواو.
ب- تصحيح ما ورد من خلل أو تصحيف في العين مثل: جاء في العين: رجل عقيم ورجال عقماء. فصوب الزبيدي هذا الجمع بقوله: ورجال عقمي.
ومثل إيراد الزبيدي كلمة "الفقاعي" وهو الأحمر يخالطه بياض في مادة "فقع" وكانت في كتاب العين في مادة "قفع" لتصحيفها.
جـ الاختصار: وذلك عن طريق حذف الصيغ القياسية كالمصادر والأفعال المضارعة والجموع القياسية، وحذف القواعد والأحكام اللغوية وأسماء اللغويين والرواة. وإسقاط الشواهد كلها نثرية وشعرية "فيما عدا بعض الشواهد القرآنية القليلة، وما فيها من قراءات".
د- الاستدراك: وذلك بزيادة بعض الألفاظ التي أهملها الخليل وهي في اللغة، أو إضافة بعض المعاني التي تركها للكلمة. إلا أن الزبيدي -كما ذكر في خاتمة الكتاب- "لم يستقص جميع ما أهمله العين لأنه اكتفى بكتابه الذي خصصه لهذا الموضوع، ولأنه أراد أن يكون المختصر صورة موجزة لما في الأصل من مواد".
كان من بين تلاميذ القالي النابغين أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الذي كان له حظ في أن يكون مؤدبًا لولد الخليفة الحكم المستنصر بالله وولي عهده هشام. وعندما أصبح هذا الأمير خليفة اختير الزبيدي لتولي منصب القضاء، فعين قاضي قرطبة. ثم وافته منيته عام 379هـ.
ولقد كان للزبيدي باع طويل في العلوم الأدبية، وكان له إلى جانب ذلك قصائد من الشعر تخلو عن تعمل الفقهاء، واللغويين1 وإن وفاءه لأستاذه القالي ليظهر واضحًا في وصفه للأمالي التي قال فيها: "ولا نعلم أحدًا من اللغويين ألف مثله".
ومن كتب الزبيدي التي لها اتصال بالبحوث اللغوية كتاب "لحن العامة"، ولكنه لم يصل إلينا. أما كتبه الأخرى فيعنينا منها بجانب مختصر العين كتابان هما "طبقات اللغويين"، وكتاب "الاستدراك على أبنية سيبويه".
كتاب الطبقات:
جمع فيه تراجم قصيرة لكل من تقدمه من النحويين واللغويين، وقسمهم إلى مجموعات تشمل البصريين، والكوفيين والمصريين من اللغويين، وكان في استعراضه لكل مجموعة يذكرهم حسب ترتيب الأجيال الزمنية، ويسمى كل جيل من هؤلاء طبقة وقد طبع هذا الكتاب.
ويرى بعض المستشرقين أن النسخة التي بين أيدينا الآن هي اختصار لنسخة أخرى عملها الزبيدي أيضًا، وكانت أكبر حجمًا وأوفى بيانات من النسخة الحالية، وإذا صح هذا فيمكننا أن نهتدي إلى شيء من رأي الزبيدي في كتاب العين على ضوء هذه النظرية. فقد ذكر لنا الزبيدي -في النسخة المطبوعة- أن الخليل كان رأس المدرسة البصرية، وأنه كان أعظم اللغويين في عصره وربما يكون قد ذكر رأيه في الأصل المطول لكتابه الطبقات، واكتفى من ذكر رأيه في النسخة المختصرة: ببيان هذا الرأي في مقدمة مختصر العين الذي يمكن أن نوجزه في أن الخليل وسع أصل الكتاب، ثم خشاه بعد وفاته قوم آخرون.
وهذا هو المعجم الثاني الذي شهدته الأندلس العربية، ولقد اهتم به العلماء المتأخرون، وأثنوا عليه ويحسن أن نقتبس هنا طائفة من آراء العلماء في هذا الكتاب:
أ- ذكر ابن خلدون أن الخليل كان أول من فكر من اللغويين العرب في وضع معجم أبجدي، وسماه العين وقد وضعه مفصلًا مطولًا، وقد اختصره الزبيدي بطريقة بديعة حيث حذف ما يستغنى عنه مبقيًا على روح الكتاب وأصله.
ب- ذكر بروكلمان وكذلك دائرة المعارف الإسلامية عند الكلام على الخليل أن كتاب العين يعتبر في حكم المفقود، ولكنهما وجدا أن هذا موضع مناسب لذكر أفضل كتاب يقوم مقام العين، فذكرا اسم مختصر العين للزبيدي وأخذا يسردان الأماكن التي توجد فيها مخطوطة المختصر وأرقامها. كأنهما اقتنعا بأن المختصر يمثل العين أصدق تمثيل.
ج- ياقوت: فقد ذكر في كتابه معجم الأدباء عند ترجمته للزبيدي مبينًا علاقة المختصر بكتاب العين: "إن الزبيدي قد أتمه باختصاره" يعني بذلك كما وضح هو أن الزبيدي حذف من العين ما ليس مهما، وأضاف إليه ما لا بد منه، ورتب بعض الكلمات في مواضعها الأصلية، واستشهد ياقوت على رأيه برأي مماثل نقله من الحميدي في كتاب "أخبار الأندلس":
د- حاجي خليفة: فقد ذكر في كشف الظنون عند الكلام على "العين" أن الزبيدي قد اختصره، وحذف منه الكلمات المصحفة، والشواهد المختلفة ووضع الأصول في مواضعها. وصاحب الكشف في هذا إنما ينقل ما اقتبسه عن كتب الطبقات. كما يتضح هذا بمقارنة رأيه برأي ياقوت السابق.
هـ- السيوطي: فقد نقل في المزهر عن أبي ذر الخشني أن من بين المختصرات التي فاقت أصولها مختصر ابن هشام لسيرة ابن إسحاق، ومختصر الزبيدي للعين. واستطرد الأسيوطي فقال: إن الناس قد عكفوا على قراءة المختصر، وفضلوه على العين ذاكرًا لتلك جملة أسباب منها:
1- أنه حذف منه الكلمات المصحفة والأبنية المختلة.
2- لأنه حذف منه الشواهد.
3 لأنه أصغر حجمًا ويظهر أن السيوطي في هذا يميل إلى رأي ابن خلدون من أن الاختصار مما يعين الناس في ذلك الوقت على الحفظ عن ظهر قلب.
ولكن السيوطي من ناحية أخرى نراه لم يجزم برأي في هذه المسألة بل نقل فيما بعد عن بعض العلماء أن الزبيدي قد أخل بكتاب العين حين حذف الشواهد النافعة، والآيات والأحاديث المشتملة على الحجج اللغوية المفيدة.
منهج الزبيدي في مختصر العين:
يمكن تلخيص هذا المنهج من مقدمة المختصر نفسه فيما يأتي:
يبدو لنا أن الزبيدي لم يدع أن كتابه يفوق كتاب العين من أي وجه، كما فعل من سبقه إذ توحي تسميتهم للمؤلفات التي ألفوها في اللغة أنها تفوق كتاب العين من وجه، أو آخر فهذا الأزهري يسمي كتابه "التهذيب"، وهذا القالي يسمي معجمه "البارع"، فنجد الزبيدي لا ينتحل لكتابه اسمًا فيه إظهار لشيء من التفوق بل يسميه بكل بساطة "مختصر العين" حيث إنه يتفق من أغلب الوجوج كما اتفق ما سبقه من المعاجم مع كتاب العين في الترتيب الإجمالي بل، وفي التعبير عن شرح المفردات.
ومن جهة أخرى ترى أن الزبيدي كعالم لغوي قد تحمل مسئولية كل ما جاء في معجمه من تعريفات، وشروح للمفردات فلم يكن بحاجة إلى ذكر أسماء الرواة يستند إليهم كلما أعوزت الحاجة. كما فعل غيره ولكن الاختصار قد حمله على حذف الشواهد كلية. وقد كان من المستحسن أن يقتصر الحذف على بعضها فقط.
ومن ناحية ثالثة نجد أن الزبيدي قد وفى ببعض ما تعهده به في مقدمته من أنه سيذكر الأصول في مواضعها الحقيقة، فنجد مثلًا في كتاب العين تحت المجموعة "ع هـ ق" أن الخليل ذكر لها مادتين مستعملتين فقد هما: هقع، عهق. وكان المنطق يقتضي ذكر مادة عهق أولًا باعتبارها مبدوءة بحرف العين، ثم يعقبها بذكر المادة الأخرى هقع باعتبارها مقلوبة عنها، ولكن الزبيدي كان أدق حين راعى في الاعتبار أن يرتب المواد المستعملة ترتيبًا منطقيًّا يتفق مع الباب الذي تعالج فيه الكلمة.
وفيما عدا هذا فإن الزبيدي لم يتصرف كثيرًا في شرح المفردات بل إننا لنجد كثيرًا من تعبيرات الخليل بنصها مذكورة في مختصر العين، وليس للزبيدي بدعًا في ذلك؛ بل قد شاركه في هذا أصحاب المعاجم الأخرى.
-----------------------
المصادر:
1-البحث اللغوي عند العرب.د أحمد مختار عبد الحميد عمر ص198.
2-المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم "العين" للخليل بن أحمد لعبد الله درويش ص35