"كانَ" الزائدة
جواد بن محمد بن دخيل
أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية و آدابها، كلية الآداب،
جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية
ملخص البحث. يدرس هذا البحث الفعل "كانَ" الزائدة، و هو فعل لم يلق عناية من النحاة؛ لأنه لم يحظ بباب خاص به في كتب النحو.
يبدأ البحث بجمع الشواهد المتعلقة بهذا الفعل في منثور كلام العرب و منثورهم لتكون هذه المجموعة أساسًا يُرجع إليه في توضيح ما غمض من كلام النحاة و في الفصل فيما جرى بينهم من خلاف. و انطلاقـًا من هذه المجموعة تعالج الدراسة الفعل "كانَ" الزائدة مع الأخذ في الاعتبار بما قاله النحاة عنه. و تتعلق أولى مسائل الدراسة بتفسير المقصود من وصف "كانَ" بالزيادة. ثم تمضي الدراسة لتناقش عمل الفعل و دلالته على الزمن. و بعد هذا تحاول الدراسة استخلاص قاعدة تبين مواضع زيادة "كانَ" في الجملة. يعقب ذلك النظر في استعمال هذا الفعل أقياسيٌّ أم سماعيّ. و أخيرًا يُختتم البحث بدراسة التوسع في الزيادة و تطبيقه على مضارع "كانَ" و على غيرها من الأفعال الناقصة.
"كانَ" فعل يرد في كلام العرب على وجوه:
الأول: أن يكتفي باسم مرفوع يعرب فاعلا ً له كما في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ( 1). و هذا ما يُعرف بـ"كانَ" التامة.
الثاني: أن يحتاج إلى اسمين؛أحدهما مرفوع يُعرب اسمًا له والآخر منصوب يُعرب خبرًا له كما في قولنا: "كانَ زيدٌ قائمًا". وهذا ما يُعرف بـ"كانَ" الناقصة و"كانَ" الناسخة.
ويرى جمهور النـحاة أنه يرجع إلى "كانَ" الناقصة ما يـُعرف بـ "كانَ" الشأنية، وهي التـي تحتــاج إلى اسميـن مرفوعين يُعرب أحدهما مبتدأ ً والآخر خبرًا كما في قول عبدقيس بن خفاف البرجمي:
ولا أ ُنبأنّ أنّ وجـهَكِ شــانه خُمُوشٌ وإن كانَ الحَميمُ حَميمُ( 2)
إذ يرى جمهور النحاة أنّ "كانَ" الشأنية ليست إلا "كانَ" الناقصة، وأنّ اسمها ضمير الشأن والجملة الاسمية بعده في محل نصب خبر، ومن هنا عُرفت "كانَ" هذه بالشأنية.
الثالث: ألاّ يـظهر لــه عمـل في الجـملة فلا يرفع ولا ينصب كما في قولهم: "ما كانَ أحسنَ زيدًا". وهذا ما يُعرف بـ"كانَ" الزائدة(3 ).
ويُلاحظ أنّ كتب النحو ومطولاته لا تستوفي أحكام "كانَ" الزائدة في مظانها بل يذكر كل مؤلف ما حضره من أحكامها ويسوق ما وقع إليه من شواهدها، ومن هنا كان لزامًا على من أراد أن يتعمق في مباحثها أن يتصفح جملة من كتب النحو ولعله لا يبلغ بعد ذلك غرضه. ويظهر لي أن العلة وراء هذا القصور أنّ "كانَ" الزائدة ليس لها باب في كتب النحو مخصص لها بل تذكر أحكامها ممزّقة بين باب الأفعال الناسخة عرضًا بمناسبة ذكر "كانَ" الناسخة و باب التعجب بمناسبة الحديث عن الفصل بين "ما" التعجبية وفعل التعجـب، و لذا رأيـت أن أجعــل "كانَ" الزائــدة موضوعًا لهذا البحث في محاولة للمّ ما تشتت من مباحثها، واستيفاء ما تفرق من شواهدها، وإعطاء أحكام الباب حقها من التحليل والموازنة في المواضع التي وقع الخلاف عليها، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.
لا شبهة أن النحويين استخرجوا أحكام "كانَ" الزائدة – وغيرها من مباحث النحو- من كـلام العرب، كلٌّ بحسب اجتهاده واستقرائه. لذا رأيت أن أبدأ بذكر المواضع التي وردت فيها "كانَ" الزائدة من منظوم العرب ومنثورهم مصنفة بحسب مواضع ورودها في الجملة – وذلك في حدود ما تيسر للباحث الاطلاع عليه من مراجع -، وبعد هذا تُشفع الشواهد بأحكـام "كانَ" الـزائـدة مستخرجة ً في حدود الإمكان من الشواهد مع الموازنة بما ذكره النحويون في هذا الصدد ومحاولة الخروج بالقول الراجح عند الخلاف. وفيما يلي ما تيسر من الشواهد:
1- بين المسند والمسند إليه: ولهذا الموضع عدة صور:
أ) بين الفعل والفاعل: قال الشاعر:
ولـَبـِسْتُ سِرْبالَ الشبابِ أزورها ولـَنِعْمَ كانَ شَبيبة ُ المُخْتال(4 )
ب) بين الفعل ونائب الفاعل: قال أبو عبيدة: "سمعت قيس بن غالب البدري يقول: " وَلـَدَتْ فاطمة ُ بنت الخـُرْشُبِ الكملة َ من بني عبس لم يوجدْ كانَ مثلـُهم". أي لم يوجد مثلهم".( 5)
جـ) بين المبتدأ والخبر: ومن ذلك قول أبي أمامة الباهلي- رضي الله عنه -: "أونبيٌّ كانَ آدمُ" (6). وقد استشهد على ذلك أحد الباحثين( 7) بقول الشاعرة:
ما كانَ ضَرَّكَ لو مَنَنْتَ و رُبَّما مَنَّ الفتى و هو المَغِيظ ُ المُحْنَقُ( 8)
والحق أنه يجوز إعراب "كانَ" هنا زائدة لكن يجوز أيضًا أن تكون ناقصةً على أن يكون اسمها ضميرًا يعود إلى "ما" الاستفهامية وجملة "ضرَّك" في محل نصب خبرها، والمعوّل عليه في الشـواهد ما لا يتطـرق إليـه الاحتـمال لأنـه مع دخول الاحتمال يبطل الاستدلال.
ويدخل في هذا مجيء "كانَ" الزائدة بين "ما" التعجبية و"أفعل" التعجب؛ فمن ذلك قول امرئ القيس:
أرى أمَّ عمرو ٍ دمعُها قـَدْ تـَحَدَّرا بُكاءً على عمرو وما كانَ أصبرا(9 )
و من ذلك أيضًا قول عروة بن أذينة:
ما كانَ أَحسنَ فيكَ العيشَ مُؤْتَنِفًا غَضًّا و أطيبَ في آصالِكَ الأ ُصُلا(10 )
وقد خالف في هذه المسألة أبو عمر الجرمي جمهورَ النحويين، فذهب إلى أنَّ "كانَ" المقحمة بين "ما" التعجبية وفعل التعجب ليست الزائدة بل الناقصة وزعم أنّ اسمها ضمير يعود إلى "ما" التعجبية وأنّ الجملة المؤلفة من فعل التعجب وفاعله في محل نصب خبرها،(11 ) وتابعه على هذا الزجاجي(12 ). وقد نسب ابن يعيش(13 ) والرضي(14 ) هذا القول إلى السيرافي أيضًا، والواقع أن السيرافي أجاز الرأيين؛ أي أجاز في قولهم: "ما كانَ أحسن زيدًا" أن تكون "كانَ" زائدة وأن تكون ناقصة( 15). وردّ هذا القول أبوعلي الفارسي محتجًا بأنّ إعراب "كانَ" ناقصة ً في الأسلوب المذكور يجعل "كانَ" فعل تعجب لوقوعها بعد "ما" التعجبية، والمعهود في فعل التعجب في هذه الحالة أن يكون على وزن (أفعلَ) لا (فـَعَلَ)(16 ) ويبدو أنّ أباعلي الفارسي ألزم الجرمي ومَنْ تبعه بما لم يقولوا؛ إذ ظاهر كلامـهم أنّ "كانَ" لم تحـلّ محلَّ فعل التعجب بل فصلت بينه وبين "ما". ومع ذلك يظل القول إنّ "كانَ" هنا ناقصة غير مقبول؛ وذلك أن إعرابها زائدة ً ليس عليه مأخذ – كما ذكر ابن أبي الربيع – إلا الفصل بين "ما" التعجبية و فعل التعجب، أما القول إنها ناقصة ففيـــه الفصل، وجعل فعل التعجب خبرًا عن غير "ما" التعجبية، وجعل خبر "ما" غير فعل التعجب، وهذه كلها أمور خارجة عن القياس(17 ).
د) بين اسم "إنّ" وخبرها: حكى الخليل بن أحمد عن العرب قولهم: "إنّ مِنْ أفضلِهم كانَ زيدًا" على أنّ المقصود: "إنّ من أفضلهم زيدًا" على إلغاء "كانَ" بحسب عبارة سيبويه( 18).
وحُكي عن المبرد والرماني أنهما ذهبا إلى أنّ "كانَ" في حكاية الخليل هي الناقصة على أنّ اسمها ضمير يعود إلى اسم "إنّ" المؤخر "زيدًا" و"من أفضلهم" في محل نصب خبر "كانَ" المقدّم، والجملة المكونة من "كانَ" واسمها وخبرها في محل رفع خبر "إنَّ" المقدّم( 19). وهذا القول مردود؛ لأن خبر "إنّ" وأخواتها لا يجوز تقديمه على اسمها إلا إذا كان شبه جملة.
2- بين الصفة والموصوف: كما في قول الفرزدق:
في غرفِ الجنّةِ العليا التي وَجَبَتْ لهم هناك بسعي ٍ كان مشكورِ (20 )ِ
أي "بسعي مشكور" على أنّ "كانَ" زائدة.
ومن شواهده قول الراجز:
إلى كِناسٍ كانَ مستعيدِه(21 )
أي "كناس مستعيده" على تقدير زيادة "كانَ".
وقد جعل الخليل وسيبويه من ذلك قول الفرزدق:
فكيفَ إذا مَرَرْتَ بـِدار ِ قوم ٍ وجيـران ٍ لنا كانوا كرام ِ( 22)
إذ المعنى – في رأيهما – "وجيران لنا كرام" بتقدير زيادة "كانَ"(23 )، وخالفهما المبرد في كتابه "مسائل الغلط" ذاهبًا إلى أنّ "كانَ" في بيت الفرزدق ناقصة وواو الجماعة المتصلة بـ"كان" في محلّ رفع اسمها وشبه الجملة "لنا" في محل نصب خبرها(24 )، وأعاد المبرد رأيه هذا في كتاب "المقتضب"( 25). وكان من الممكن أن يقال
إن الرأيين محتملان لولا أنّ "كانَ" اتصلت بضمير والمعتاد أنّ الضمير إنّما يتصل بعامله، وسيأتي أنّ "كانَ" الزائدة لا تعمل عند الجمهور، وعامة القائلين إنها تعمل لم يذكروا أنها تعمل في غير الضمير المستتر و"كانَ" في بيت الفرزدق متصلة بضمير بارز. وقد انقسم النحويون حول إعراب "كانَ" في بيت الفرزدق فذهب نـفرٌ منـهم إلـــى رأي المبرد بينـما حاول جمهورهـم الدفـاع عن سيبويه هنا بأجوبة لا تخلو من تكلف مع الإقرار بما تنطوي عليه من ذكاء و مهارة، وبما أن ورود "كانَ" زائدة ً بين الصفة والموصوف ثابت بشاهدين سلف إيرادهما لذا لا يظهر حاجة إلى التطويل في مناقشة كل ما قيل حول هذا البيت(26 ).
ومن الغريب أنّ الزجاج نسب إلى المبرد القول بأنّ "كانَ" زائدة في بيت الفــرزدق(27 ). وهذا نقل غريب؛ لأنه يخالف ما ذكره الـمبرد في كتابين من كتبه ويعارض جمهرة ما نُقِلَ عنه في إعراب البيت المذكور، ولكن الزجاج – كما ذكر عبدالقادر البغدادي – تلميذ المبرد وأدرى بمذهب شيخه(28)، فلعلّ للمبرد قولين في هذه المسألة.
3- بين المعطوف و المعطوف عليه:
و من ذلك قول الفرزدق:
في حَوْمَةٍ غَمَرَتْ أباكَ بحورُها في الجاهليةِ كانَ و الإسلامِ (29 )ِ
أي "في الجاهلية و الإسلام ِ" و "كانَ" زائدة.
4- بين حرف الجر والاسم المجرور:
كقول الشاعر:
سَراة ُ بني أبي بكر ٍ تَسامى على كانَ المُسَوَّمَةِ العِرابِ(30 )
أي "على المسوّمة العراب" و "كانَ" هنا تُعدّ زائدةً.
وبعد ذكر ما تيسَّر للباحث من شواهد في كلام العرب عن "كان" الزائدة يمكن بحث أحكامها من خلال الشواهد مع المقارنة والاستئناس بما ذكره النحويون- رحمهم الله تعالى- على أن يكون الفيصل عند الخلاف كلام العرب: